3 - 3
لم يكن الصباح طبيعيًا في القصر.
الشمس أشرقت، نعم… لكن الضوء الذي دخل من النوافذ العالية لم يحمل دفئه المعتاد.
الهواء كان ثقيلًا، كأن الجدران نفسها تتنفس القلق.
اسم واحد فقط كان يتردد في كل زاوية:
أوليفيا.
الخادمات يتهامسن في الممرات.
الحراس يتبادلون نظرات مشككة.
النبلاء الذين حضروا الحفل الليلة الماضية لم يغادروا بعد، وكأنهم ينتظرون فضيحة… أو معجزة… أو كارثة.
جناح الغرب
وقفت أوليفيا أمام المرآة الطويلة في غرفتها.
الفستان الأبيض استبدلته بفستان أزرق داكن، بسيط لكن أنيق.
لم تعد تريد أن تبدو كطيف.
اليوم… ستبدو كحقيقة.
مررت أصابعها على عنقها ببطء.
هناك… تحت القماش… تختبئ علامة لا يعرفها أحد.
ندبة رفيعة، بالكاد تُرى.
ذكرى من تلك الليلة.
طرقات على الباب.
“ادخلي.”
دخلت الخادمة نفسها من الليلة الماضية، وجهها أكثر توترًا من قبل.
“آنستي… هناك أوامر بإجراء اختبار رسمي لإثبات هويتك.”
لم تتفاجأ.
ابتسمت بهدوء.
“كنت أنتظر ذلك.”
قاعة الاسباب
الغرفة كانت مليئة باللوحات القديمة، شجرة العائلة الملكية مرسومة على الجدار الأكبر، أسماء تعود لأجيال طويلة.
جلس الملك في المنتصف.
إلى يمينه المستشار الأكبر.
وإلى يساره… آيدن.
كان ينظر إليها دون أن يرمش تقريبًا.
“إن كنتِ حقًا أوليفيا من سلالة آلـڤير،” قال المستشار بصوت جاف،
“فلا بد أنك تعرفين الممر السري الخاص بعائلتك.”
ارتفعت همسات خافتة.
الممر السري.
معلومة لا يعرفها سوى أفراد الأسرة المقربين جدًا.
ابتسمت أوليفيا ابتسامة صغيرة.
“خلف اللوحة الثالثة من اليسار… التي تحمل صورة جدتي إليانور. المفتاح مخبأ داخل إطارها، في الزاوية السفلية.”
تبادل المستشارون النظرات.
أشار الملك لأحد الحراس.
تقدم الحارس، أزاح اللوحة…
وظهر المفتاح فعلًا.
همسات أقوى هذه المرة.
لكن آيدن لم يبدُ مقتنعًا بعد.
مواجهة خاصة
بعد انتهاء الجلسة، خرج الجميع.
إلا هو.
“أنتِ تستمتعين بهذا، أليس كذلك؟” قال بصوت منخفض.
استدارت نحوه ببطء.
“أستمتع بماذا؟”
“بزرع الشك. بإرباكهم. بالعودة وكأنكِ لم تختفي سبع سنوات.”
اقترب منها خطوة.
“سبع سنوات، أوليفيا. الناس لا تعود ببساطة بعد سبع سنوات.”
نظرت إليه طويلاً.
“وأنت؟ هل تمنيت أنني لا أعود؟”
السؤال ضربه فجأة.
لم يجب فورًا.
وفي تلك اللحظة… كان واضحًا أن الماضي بينهما أعمق مما يعرفه الآخرون.
خفض صوته.
“كنتُ آخر من رآكِ تلك الليلة.”
تصلبت ملامحها.
“أعرف.”
“كنتِ تنزفين.”
قلبها تسارع.
“وأنتَ كنتَ تمسك بيدي.”
سكت.
لأنها محقة.
اقترب أكثر… حتى كاد يهمس عند أذنها:
“إذن أخبريني… من أخذ جسدك من هناك؟”
للحظة… تلاشت القوة من عينيها.
ذكريات اندفعت بقوة:
الدماء.
الظلام.
شخص يحملها.
صوت رجل يقول: “إن أردتِ الحياة… ستدفعين الثمن.”
لكنها عادت لبرودها بسرعة.
“سأخبرك… عندما أتأكد أنك لست جزءًا من السبب.”
تصلب جسده.
“هل تتهمينني؟”
ابتسمت بحزن.
“أبي قال لي… لا أثق بأحد.”
تركته واقفة… وغادرت.
لكن خلف الباب…
كانت يداها ترتجفان.
الحدث المفاجئ
مع حلول المساء، أقيم عشاء رسمي صغير بحجة “الترحيب بعودتها”.
كان الجو متوترًا.
الكؤوس تلمع.
الأطباق الفاخرة تُقدم.
لكن كل الأنظار كانت عليها.
رفعت الكأس نحو شفتيها…
وفجأة—
صوت ارتطام قوي.
الكأس سقط من يدها.
لم يكن خطأ.
السائل بدا طبيعيًا… لكن الرائحة لم تكن كذلك.
سم.
تجمدت القاعة.
الملك نهض.
الحراس أشهروا سيوفهم.
آيدن كان أول من وصل إليها.
“لا تشربيه!” أمسك يدها بسرعة.
نظرت إليه بهدوء غريب.
“كنت أعرف.”
“ماذا؟!”
“أنهم لن ينتظروا طويلاً.”
همسات تحولت إلى فوضى.
أحد الخدم اختفى.
الحراس يركضون في الممرات.
لكن أوليفيا لم تبدُ خائفة.
بل… كأنها توقعت المحاولة.
اقترب آيدن منها، صوته منخفض ومتوتر:
“هل هذا جزء من لعبتك؟”
هزت رأسها ببطء.
“لا… هذه ليست لعبتي.”
ثم همست:
“هذا يعني أنهم خائفون.”
اللحظة الأخيرة
في تلك الليلة، عندما عادت لغرفتها…
وجدت النافذة مفتوحة.
الستائر تتحرك مع الهواء.
وعلى الطاولة…
خنجر صغير.
ليس للقتل.
بل للتحذير.
وعلى مقبضه… نفس ختم التنين الفضي.
الدم تجمد في عروقها.
تقدمت ببطء.
أمسكت الخنجر.
وفجأة—
صوت خلفها.
“لم أتوقع أن تعودي بهذه السرعة.”
استدارت بسرعة.
لكن الشرفة كانت فارغة.
صوت رجل… عميق… مألوف.
همست بأنفاس متقطعة:
“أنت…”
الظل اختفى.
لكن الرسالة كانت واضحة.
اللعبة لم تبدأ اليوم.
بل بدأت منذ سبع سنوات.
وعودتها… أيقظت الوحش من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 3"