عُرفت “فيوليت راسكال” بين الجميع بكونها محظوظة بالفطرة، وكان ذلك أمراً لا جدال فيه. بيد أن المشكلة الوحيدة تكمن في أنها كانت تهدر ذلك الحظ الوفير في مكان كهذا.
“كم نقطة أحتاج للحصول على جائزة المركز الأول؟ همم، يبدو أنه سيكون من الممتع أن أظفر بجوائز المركزين الثاني والثالث كذلك.”
كانت “فيوليت” تتحدث وهي تمرر لسانها على شفتيها، وتنظر بعينين ضيقتين نحو منصة عرض الجوائز. وما إن سمعها أحد الموظفين حتى اقترب منها مذعوراً وهمس في أذنها بصوت خافت:
“عذراً يا آنسة، أعتذر بشدة، ولكن هلا تفضلتِ بالتنازل عن اللعب قليلاً ليتمكن الزبائن الآخرون من الاستمتاع بفرصهم أيضاً؟”
“أوه، هل تحاول طردي الآن؟ لم يمضِ على وجودي هنا سوى ثلاثين دقيقة!”
“ولكنكِ ضمنتِ المركز الأول بالفعل! إن تعاونتِ معنا، فسأضمن لكِ مشروبات مجانية طوال اليوم، أرجوكِ…”
“هوه، إن كنت ستظهر هذا القدر من الكرم، فلا يسعني سوى تلبية طلبك.”
بدا وجه ذلك الرجل الأصلع بائساً ومثيراً للشفقة، وقد أعجبت “فيوليت” بهذا المكان كثيراً؛ فالمشروبات المجانية غير المحدودة كانت عرضاً لا يُرفض، وبما أنها لم تتناول كأساً واحداً طوال هذا الأسبوع، فليس هناك أي عائق تعاقدي يمنعها من ذلك.
بعد أن أنهت “فيوليت” تفكيرها، أومأت برأسها وجلست بوقار إلى حانة المشروبات، مما جعل الموظف يتنفس الصعداء.
’لا يمكننا تحمل المزيد من الخسائر هنا…‘
كان هدفهم هو تمكين أكبر عدد من الناس من الفوز بجوائز، لكن هذه المرأة التي ظهرت من العدم لم تكتفِ بقلة عدد الألعاب التي لعبتها، بل اكتسحت جميع النقاط دون عناء. علاوة على ذلك، توقف بقية الزبائن عن اللعب وانشغلوا بمراقبتها بذهول، مما أفسد حركة العمل.
’بهذا القوام النحيل، لن تتجاوز خمسة أكواب على الأغلب.‘
كان يمسح ببصره “فيوليت” وهي تجلس عند طرف الحانة تحتسي البيرة، ورغم أن قلنسوة ردائها كانت تغطي ملامح وجهها، إلا أن الجزء الظاهر من فكها كان كافياً ليدرك أنها فائقة الجمال. ومع ذلك، لم يبدُ أنها من النوع الذي يمتلك قدرة كبيرة على شرب الكحول. كان يعتقد أنها صفقة رابحة؛ أن يشتري جوائز المركزين الثاني والثالث مقابل بضعة أكواب من البيرة، وارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة.
“عذراً؟”
لكن الأكواب الفارغة أمام “فيوليت” بدأت تتراكم بسرعة مذهلة. وفي لمح البصر، انتهت من شرب خمسة أكواب دون أن يرف لها جفن، وبوجهٍ هادئ تماماً طلبت المزيد.
“ثلاثة أكواب أخرى من البيرة! أرجو الإسراع حتى لا ينقطع الحماس! هذا المشروب لذيذ حقاً!”
شحب وجه الموظف تدريجياً وهو يراها تحتسي المشروب كأنه ماء دون أي تأثر، ثم أغمض عينيه بقوة، فكان يتخيل بالفعل المدير وهو يمسك برأسه من الصدمة حين يعلم بما حدث.
بعد مضي ما يزيد قليلاً عن ساعة، كانت “فيوليت” في حالة مزاجية مبتهجة بفضل الكحول الذي سرى في عروقها. كانت الأكواب الفارغة تحيط بها من كل جانب، وكان الموظف ينظر إليها بوجهٍ كاد يبكي. في تلك اللحظة، جذب رجلٌ يحمل مكبر صوت انتباه الحضور.
“سيداتي وسادتي! حان الوقت المنتظر للإعلان عن نتائج جوائزنا الكبرى بمناسبة الذكرى العاشرة!”
“رائع!”
مع انطلاق صيحات الهتاف، التفتت “فيوليت” ببطء نحو المنصة. كانت قد شربت أكثر من المعتاد بعد انقطاع دام أسبوعاً، ورغم أنها كانت تترنح قليلاً، إلا أن وعيها كان حاضراً تماماً.
بدأ الرجل في نداء أسماء الفائزين بدءاً من المراتب الدنيا. يبدو أن وعد الموظف كان صادقاً بشأن قيمة الجوائز، فقد تضمنت حلياً ثمينة وبعض الأحجار الكريمة النادرة. لم تكن “فيوليت” بحاجة حقيقية لهذه الجوائز، لكن أليس من حقها الحصول على مكافأة انتصارها العادل في الألعاب؟
انتظرت “فيوليت” دورها بترقب، كما أثارت فضولها الجائزة الأولى التي كانت مغطاة بقطعة قماش سوداء.
“والآن، صاحبة المركز الأول برصيد 1350 نقطة هي الآنسة بيبي!”
صعدت “فيوليت”، التي استخدمت اسم “بيبي” المستعار، إلى المنصة بخطوات واثقة، تلاحقها الأنظار المليئة بالحسد والإعجاب. وما إن وقفت بجانب المنصة، حتى استعاد الرجل انتباه الحاضرين.
“والآن، سنكشف عن جائزة المركز الأول!”
بمجرد رفع القماش، تعالت صيحات الإعجاب من الجمهور، إلا أن “فيوليت” عقدت حاجبيها وأمالت رأسها باستغراب، وكأنها لا تستوعب الموقف.
’ما هذا الشيء؟ أهي بيضة؟‘
على الطاولة، استقرت بيضة مستديرة فوق وسادة مخملية مربعة. كانت بحجم ثمرة بطيخ صغيرة، ذات قاعدة سوداء وبقع حمراء؛ وبدا مظهرها غير مألوف على الإطلاق.
لكن على عكس “فيوليت”، بدا أن الجميع هنا يعرفون ماهيتها.
“ها هي ذي، بيضة وحش! قشرة سليمة لا تشوبها شائبة، وبقع حمراء نادرة! إنه حجم لا يمكن معه التكهن بنوع الوحش الذي سيخرج منها!”
“ماذا؟”
رمشت “فيوليت” بعينيها بذهول. وحش؟ كان الأمر مريباً؛ فلم تتذكر “فيوليت” أي ذكر للوحوش في الرواية الأصلية مهما حاولت استرجاع ذاكرتها. وبينما كانت تتساءل إن كانت قد نسيت ذلك لقلة التفاصيل في القصة، انفجرت القاعة بالتصفيق والهتاف، ووضع الرجل البيضة بين ذراعيها.
“اعتنِ بها جيداً! وبهذا نختتم فعاليات اليوم، شكراً لحضوركم!”
حملت “فيوليت” البيضة بغير إدراك منها، ولوحت للجمهور رداً على هتافاتهم. ربما بسبب أثر الكحول، لم تكن تفهم تماماً ما يجري، لكن رؤية الناس يهتفون لها جعلتها تشعر بالرضا.
“رائع! احتفالاً بفوزي بالمركز الأول، سأطلب جولة بيرة إضافية لكل الموجودين هنا!”
“يااااه!”
زادت صيحات الحماس بعد أن تكفلت “فيوليت” بالحساب، وفي المقابل، ارتسمت ابتسامات ماكرة على وجوه الموظفين.
♕•♕•♕•♕
عادت “فيوليت” إلى القصر في وقت متأخر من المساء. طوال الطريق في العربة، كانت تفكر مطولاً في كيفية التعامل مع هذه البيضة التي تحملها. لم تجد حلاً سحرياً، ولم يكن بوسعها التخلص منها في الطريق، فقررت إخفاءها داخل ردائها وإدخالها إلى القصر.
بفضل حسن حظها، تمكنت من تفادي أنظار “أدمان” كبير الخدم والخادمات، وتنفست الصعداء فقط عندما وصلت إلى أمام باب غرفتها. ولأن “نارسيا” أخبرها أنه سينام في المبنى الملحق بدءاً من اليوم، لم تكن هناك حاجة للقلق بشأن نظرات أحد.
“أوه…”
“هل عدتِ؟”
بمجرد فتح الباب، واجهها “نارسيا” الذي كان مستلقي على السرير يقرأ كتاباً بعد أن استعد للنوم. تشنج وجه “فيوليت” بابتسامة محرجة أمام هذا الموقف غير المتوقع.
“أوه؟ أجل، ألم تقول إنك ستنام في المبنى الملحق؟”
“كان الجو بارداً أكثر مما توقعت. طلبت من ‘أدمان’ وضع حجر تدفئة، لكن يبدو أن الأمر سيستغرق بضعة أيام. ولكن، ما الذي حل ببطنكِ؟”
“آه، هذا…”
في تلك اللحظة، اتجهت نظرات “نارسيا” نحو بطن “فيوليت” البارز. انقبض حاجبا “نارسيا” بحدة أمام هذا المظهر المريب.
ارتبكت “فيوليت” أكثر من أي وقت مضى، وأخذت عيناها تتجولان في الأرجاء محاولة ابتكار عذرٍ سريع. وما إن لمعت في ذهنها فكرة، حتى مسحت على بطنها بحذر ونظرة مليئة بالحنان.
“أظنه طفلي…”
بعد ثلاث ثوانٍ بالضبط، شحب وجه “نارسيا” من الصدمة ورمى الكتاب الذي كان بين يديه.
“أوه! ما هذا الهراء الذي تتفوهين به مجدداً!”
“تسك، لم تنخدع.”
“هل أبدو أحمق لأصدق هذا؟”
“كنت أتساءل فقط، فأنت تتصرف كشخص بريء عادةً.”
أطالت “فيوليت” شفتيها بضيق، ولأن “نارسيا” كان يحثها بنظراته على قول الحقيقة، قامت أخيراً برفع عباءتها لتكشف عن البيضة المخفية.
“ما هذا؟ لا تخبريني أنكِ…”
كان “نارسيا”، الذي لطالما أبدى اهتماماً كبيراً بالنباتات والحيوانات، قد أدرك كنه ما تحمله “فيوليت” على الفور. بدا عليه عدم التصديق وهو يمرر يده على شعره بذهول، ثم سأل:
“هل هذه بيضة وحش؟ أرجو أن تقولي إنها ليست كذلك!”
“للأسف، إنها كذلك.”
“من أين، ومن أين حصلتِ عليها بحق السماء؟”
“…… لقد وجدتها.”
انحرفت نظرات “فيوليت” بهدوء نحو اليسار. لكن “نارسيا” كان غارقاً في تأمل البيضة لدرجة أنه لم يلحظ ذلك الأمر. أخذ يعض على شفته وهو يحدق في البيضة بتركيز شديد.
“لقد سمعت شائعات في الآونة الأخيرة عن أشخاص من العامة يربون وحوشاً صغيرة، لكنني ظننتها مجرد أقاويل لا أساس لها. لم أتخيل قط أنكِ ستحضرين بيضة معكِ… هل حدث صدع مجدداً؟ لا، لو كان الأمر كذلك لتحرك برج السحر بالتأكيد… من أين أتيتِ بهذا الشيء بحق السماء؟”
تمتم “نارسيا” بكلمات سريعة ووجهه يتسم بجدية بالغة. شعرت “فيوليت” بقلق مفاجئ إزاء رد فعله الذي بدا أكثر سلبية مما توقعت. لقد كان الجميع ينظرون إليها بحسد، ولم تكن الأجواء توحي بالخطورة، لذا قبلتها دون تفكير عميق، ولكن يبدو أنها استخفت بوجود الوحوش أكثر مما ينبغي.
‘ففي الروايات عادةً ما يتم تصوير هذه المخلوقات بصورة سلبية. يبدو أن الحال هنا لا يختلف.’
وفي الوقت ذاته، راودها تساؤل عن سبب ظهور هذا الوحش فجأة، رغم أنه لم يرد له ذكر في أحداث الرواية الأصلية.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"