انقضت بالفعل خمسة أيام منذ استقرت فيوليت ونارسيا في مقاطعة نافيان. كانت فيوليت تقضي كل يومها في مكتب العمل؛ حيث كانت أيامها هادئة للغاية، لدرجة أن قلقها السابق بشأن تولي زمام أمور المقاطعة قد تلاشى تماماً.
لقد كانت مقاطعة نافيان تدار لفترة طويلة من قبل الموكلين والخدم دون وجود السيد، لذا كانت الأمور تسير بسلاسة دون الحاجة إلى توجيهات منها.
“ذلك الرجل البغيض، أرسل أوراقاً خاوية المضمون مجدداً.”
كانت فيوليت قد التقت قبل فترة قصيرة بالفيكونت سابيان، الذي عمل موكلاً للمقاطعة طويلاً، وقد أبدى الأخير حذراً صامتاً تجاه فيوليت التي انتزعت مهام عمله بين عشية وضحاها.
حين كانت فيوليت تسأله عن شيء ما، كان يصدّها بعبارات من قبيل: ‘لستِ بحاجة لمعرفة ذلك’، ‘لا تشغلي بالك بهذا’، ‘سأتولى الأمر بنفسي’. قد يبدو للناظر أنها كانت كلمات رعاية، لكن فيوليت لم تكن غبية لتغفل عن الأشواك المدفونة بين ثنايا تلك الكلمات.
ورغم أن كلماته كانت تثير حنقها، إلا أنها كظمت غيظها حفاظاً على مكانة نارسيا. وفي نهاية المطاف، كان كل ما تفعله فيوليت جالسةً في مكتبها طوال اليوم هو قراءة الأوراق التي يرسلها الموكل والتوقيع عليها.
“يجب أن أعرف فحوى الأمر لأتمكن من التوقيع.”
تمتمت بهذا بضيق، ثم أمسكت بريشة الكتابة وأتمّت التوقيع. إذا فكرت في الأمر، فهي لم تكن مهتمة بإدارة المقاطعة منذ البداية، لذا بدا أن ترك المهام للموكل كما تفعل الآن هو الخيار الأسهل. لكن المعضلة الكبرى كانت في أمر آخر.
“أشعر بملل قاتل حقاً…”
لم يحن وقت الغداء بعد، ومع ذلك كانت مهام يومها قد انتهت بالكامل. وبما أنها تجولت في أرجاء القصر طوال الأيام الماضية، لم يعد هناك شيء إضافي لتفعله. تذمرت فيوليت وهي تضع ريشة الكتابة فوق شفتيها البارزتين، وبدأت تستحضر ذكرياتها السعيدة في الماضي.
ضحكات الناس الصاخبة والمبهجة، الأوراق النقدية التي تختلط بين أيدي الموزعين محدثة رنيناً مرحاً، المشهد البديع للرقائق وهي تتناثر فوق الطاولات، النرد الذي يتلألأ ببريق ساحر، بل وحتى أولئك النبلاء المتعجرفين الذين كانوا يسجدون على الأرض متوسلين إليها أن تصفح عنهم بعد خسارتهم أموالهم أمامها…
“كان ذلك الوقت جميلاً…”
ارتسمت ابتسامة ناعمة على وجه فيوليت مع تلك الذكريات. كانت تحب الخروج كل يوم والاختلاط بالناس، فضلاً عن طبيعتها التي لا تطيق السكون، لذا كانت تقضي معظم يومها خارج المنزل.
إن العقوبة التي فرضها عليها أرغون بمنعها من الخروج كانت تستغل هذه الطبيعة تحديداً في فيوليت. وبالطبع، حتى خلال فترة الحظر، كانت فيوليت تلوح بالسيف وتمتطي الخيول وتجوب أرجاء الحديقة داخل القصر يومياً، مما كان يدفع أرغون للجنون.
وبالنسبة لـ فيوليت التي اعتادت ذلك، بدا لها هذا المكان مملاً للغاية. لم تكن تكره الهدوء والسكينة، لكن الجلوس خلف المكتب طوال اليوم لتوقيع الأوراق لم يكن يتناسب معها.
وقبل كل شيء، كانت تشتاق إلى الكازينو لدرجة أنها كادت تبكي. وضعت فيوليت جبينها على المكتب بوجه يائس، ثم بحثت في الأدراج واستخرجت ورقة واحدة.
“لولا هذا…”
كانت تلك الورقة، التي تحمل أختام نارسيا وفيوليت بوضوح، عقداً كتبه الاثنان بالتراضي. ذلك العقد الذي تضمن ثلاثة وثلاثين بنداً كان مليئاً بالقيود التي تكبل فيوليت.
‘يتعهد نارسيا كغراينر وفيوليت كغراينر بالالتزام بما يلي لضمان حياة زوجية هانئة:
1. الامتناع عن التلامس الجسدي إلا عند الضرورة القصوى.
2. عدم الكذب على بعضهما مطلقاً.
3. عدم إدخال عاشق|ة إلا بعد مرور ستة أشهر على الأقل.
4. التواجد معاً دائماً في الأحداث الرسمية.
.
.
.
31. ضبط تعاطي المشروبات الكحولية بحيث لا يتجاوز ثلاث مرات أسبوعياً.
32. عدم دخول أماكن الترفيه مثل الكازينوهات ومضامير سباق الخيل.
33. عدم تدخين السجائر في غرفة النوم.
(يُمنع الكذب البسيط مثل: دخنت في الخارج ولم تزل الرائحة).’
نظرت فيوليت إلى العقد المكتوب بخط يد نارسيا الدقيق، وتمتمت بصوت مفعم بالضجر:
“مهما فكرت، فهذه البنود مجحفة جداً بحقي!”
على الرغم من كثرة البنود التي كانت تظلم فيوليت من طرف واحد، إلا أن هناك ظروفاً غير معلومة كانت وراء صياغة العقد بهذه الطريقة. لقد بدا أن نارسيا قد تعلم بالفعل كيف يتعامل مع فيوليت.
‘ما رأيك أن نرمي النرد؟ إذا ظهر رقم فردي، تضعين البند الذي ترغبين به، وإذا ظهر زوجي، أضع ما أرغب به. ما قولك؟’
بالنسبة لـ فيوليت التي لم ترَ أوراق اللعب منذ فترة طويلة، ناهيك عن الكازينو، كان هذا الرهان البسيط يبدو مثيراً. لكن لسبب غريب، كانت نسبة فوز نارسيا عالية، وحتى عندما كانت فيوليت تفوز، لم تكن لديها مطالب محددة تطلبها منه.
علاوة على ذلك، وبسبب إصرار فيوليت التي لم تتقبل خسارتها وراحت تكرر ‘مرة أخرى، مرة واحدة فقط’، وصل عدد البنود إلى ثلاثة وثلاثين.
“فكرت في تقليصها، لكن أليس هذا مبالغاً فيه؟…”
بالطبع، كانت تفكر في تقليص التردد على الكازينو تدريجياً، خاصة مع توسلات أرغون وإخوتها القلقة، ووعدها لـ نارسيا، لكنها لم تكن تتخيل أبداً أنها ستقطع علاقتها به تماماً في يوم وليلة.
كان خدم قصر نافيان لطفاء وودودين، لكن معظمهم كانوا من كبار السن، لذا لم يكونوا مناسبين لتكونوا رفقاء حديث لها.
وفي نهاية المطاف، لم يكن هناك شخص واحد داخل القصر يمكنه تبديد مللها سوى نارسيا، لكن زوجها المزعوم كان يغلق على نفسه في الملحق ولا يظهر له أثر. وفي تلك اللحظة، لاح لـ فيوليت فكرة ما.
“آه! هل أذهب لأزوره في الملحق؟”
رفعت رأسها فجأة وبرقت عيناها بالفضول. يا ترى، ما الذي يوجد هناك حتى يقضي نارسيا وقته كله فيه؟ وبالصدفة، عندما نظرت إلى الساعة، وجدت أن الوقت قد حان ليقوم الخدم بإيصال وجبة الغداء إليه.
بالطبع، كان نارسيا قد طلب عدم مقاطعته أثناء وجوده في الملحق، ولكن بالمعنى الدقيق للكلمة، فإن إيصال الغداء ليس مقاطعة. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك أوراق تحتاج إلى توقيعه، لذا بدت ذريعة مناسبة.
وبعد أن استقرت على فكرتها، هرعت فيوليت إلى المطبخ. وكما توقعت، كانت رئيسة الطهاة تري تنقل وجبة الغداء التي انتهت من تغليفها للتو إلى سلة الطعام.
“يا إلهي، سيدتي! ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
كانت تري، التي قيل إنها طاهية من البلاط الإمبراطوري، تتمتع بمهارات اجتماعية لا تقل عن مهاراتها في الطهي. فقد رحبت بـ فيوليت، التي جاءت إلى المطبخ دون كلمة، بصدق وألقت عليها التحية.
“أوه، لا شيء. هل هذه وجبة الغداء المتجهة إلى نارسيا؟ كنت أفكر في أن آخذها أنا.”
“يا للعجب، كم أنتِ حنونة… على أية حال، إذا لم تفعلي ذلك، فلن يكون لدى كلاكما وقت للقاء. بالطبع، السيد الصغير كفؤ ومتميز، لكنكما عروسان جديدان، لابد أنكما تشعران بالاشتياق.”
“حسناً، من يشعر بالاشتياق أكثر هو من عليه المبادرة، ما العمل؟”
“آه، حقاً، قلبي يدفأ بمجرد النظر إليكما. حسناً، سأضع لكِ نصيبك من الحلوى أيضاً، تناولاها معاً في الملحق!”
“شكراً لكِ.”
نظرت تري إلى فيوليت بنظرات ملؤها الرضا، والتقطت فطيرة تفاح. ولسبب ما، كان خدم القصر، بمن فيهم تري، يعتقدون منذ البداية أن فيوليت ونارسيا زوجان محبان بصدق.
وفي البداية، كانت فيوليت تشعر بالارتباك، لكنها سرعان ما بدأت تتقن التمثيل وتستمتع بالأمر.
‘ما دامت الشائعات تنتشر، فلتنتشر بشكل جيد. كي لا يفكر أحد مجدداً في ربطي بـ تيرسو.’
بعد أن استلمت السلة من تري، سارت فيوليت بخطوات مرحة نحو الملحق. كانت مقاطعة نافيان تقع في الشمال حيث تنخفض درجات الحرارة، ولعل آثار عاصفة ثلجية حدثت قبل أيام لم تزل بعد، فقد كان الثلج متراكماً فوق الأشجار بكثافة. أبدت فيوليت إعجابها بذلك المشهد الجميل الذي يشبه اللوحات.
“سأصبر لعام واحد، وبعدها تصبح غولجينوس ملكاً لي. وسأقضي وقتي هناك طوال اليوم.”
كانت فيوليت في غاية السعادة، تبتسم وتدندن بلحن خفيف. وبينما كانت تتفقد محيطها بمشاعر متقدة، وجدت نفسها قد وصلت إلى الملحق قبل أن تشعر.
كان الملحق يتمتع بمساحة واسعة قياساً بكونه مكاناً يستخدمه نارسيا بمفرده. وفي ذلك الملحق القاحل الهادئ، لم يكن هناك سوى بقعة واحدة تنبعث منها أصوات خافتة، مما جعل فيوليت تهتدي إلى مكان نارسيا في لمح البصر.
تسللت برأسها عبر شق الباب الموارب، فرأت نارسيا وقد تدثر برداء طويل وهو يعكف على مزج بعض العقاقير. بدا وكأن شيئاً ما لا يسير على ما يرام؛ إذ كان يضع نظارته على طرف أنفه ويقطّب حاجبيه بضيق. ولسبب ما، شعرت فيوليت بأن هذه الهيئة تبدو جديدة عليها تماماً، لدرجة أنها لم تستطع إزاحة بصرها عنه.
استعادت فيوليت وعيها متأخرة، وهمّت بطرق الباب لكنها توقفت فجأة، ثم بابتسامة ملؤها المشاكسة، فتحت الباب على مصراعيه دفعة واحدة.
“نارسيا!”
“آه!”
فزع نارسيا من صيحة فيوليت المفاجئة وأطلق صرخة ذعر. وسرعان ما تبين له أنها فيوليت، فنظر إليها بملامح تنم عن استياء واضح.
“لماذا جئتِ إلى هنا؟”
“جئت لأحضر لك الغداء.”
“آه، شكراً لكِ. ضعيه هناك وارحلي.”
كانت استجابة نارسيا تتسم ببرود يفوق ما توقعته فيوليت، لكنها لم تنهزم؛ بل اقتربت منه وراحت تخاطبه بإلحاح:
“ما الذي تفعله هنا؟ واو، أهذه خيمياء؟ هل تحب الخيمياء أيضاً؟ كنت أظن أنك تمارس السحر فقط!”
“أنا أفضل الخيمياء في الواقع. أما السحر، فأنا فقط بارع فيه.”
“هممم، فهمت. آه، صحيح، لقد وصلت الأوراق من المعبد. قيل إنها وثيقة تسجيل الزواج التي تُحفظ للسجلات. لقد انتهيت من ملء بياناتي، ولم يتبقَّ سوى بياناتك.”
“ضعيها هناك، سأطلع عليها لاحقاً.”
عند سماع كلمات نارسيا التي كانت تفتقر إلى أي ذرة من اللطف، ارتجف حاجبا فيوليت بشكل طفيف.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"