الفصل السادس
—
كان المعبد المركزي القائم في العاصمة يعجّ بالحركة، لانشغاله بالتحضيرات لزفاف جينايدا وكايدن.
زواج رتّبه الإمبراطور بنفسه، واقتران ابنة البابا بابن الدوق الأكبر. مناسبة تُعدّ، بعد الإمبراطور مباشرة، من أفخم الأفراح التي ينبغي أن يشهدها هذا الإمبراطورية.
كان الجميع متوتّرين، تتحرّك أقدامهم على عجل.
ومع مرور الوقت، بدأ الضيوف الكرام يحضرون واحدًا تلو الآخر لحضور مراسم الزواج.
وحين امتلأت مقاعد الحضور بأكثر من نصفها…
ظهر بطلا الحفل، جينايدا وكايدن.
كان كلاهما يرتديان ثيابًا من الساتان الأبيض الناصع، مطرّزة بخيوط ذهبية.
وما إن ظهرا حتى تقدّم أطفال الزهور، ونثروا الورود على جانبي الطريق.
كان ذلك تباركًا بمستقبلٍ سعيد ينتظر الزوجين.
خطت جينايدا وكايدن على البساط الأحمر، على إيقاع هتافات الناس.
وتحت أقدامهما، تناثرت أزهار اللود التي أُرسلت من دولة البابوية بكثرة.
ذلك الزهر…
الذي لوّث قلوب كلٍّ منهما يومًا ما.
داست الأقدام بتلاته، فتهشّمت وسُحقت.
كانا يمسكان بأيدي بعضهما بودّ، غير أنّ وجهيهما كانا جامدين، كأنهما لا يرغبان في السير بهذا الطريق.
ومع ذلك، لم يتوقّفا عن المشي.
‘ليعش كايدن.’
لأن كلاً منهما كان يؤمن، إيمانًا راسخًا، أنّ عدم التوقّف هو السبيل الوحيد لإنقاذ الآخر.
‘ولتَعِش جينايدا الحياة التي تريدها.’
وقف الاثنان أمام الكاردينال، وكلٌّ منهما يحمل فكرة مغايرة في قلبه.
كان الكاردينال ينظر إلى زوج الدوق الأكبر بابتسامةٍ حانية.
“يسرّني أن أتولى عقد قرانكما.”
وبكلماتٍ لا تقلّ لطفًا عن ابتسامته، بدأ مراسم الزواج.
“نُعلم أبانا الذي في السماء بأن هذين الاثنين قد أصبحا زوجًا وزوجة.”
كانت كلمات المراسم شبيهة بتلك التي تُقال عادةً في حفلات الزواج: احترام متبادل، محبة، وتحمل للمسؤولية…
“هل تتعهدان بتحمّل المسؤولية، والسير معًا حتى النهاية؟”
للحظة عابرة، تشابكت نظرات جينايدا وكايدن في الفراغ.
كلاهما كان يرتدي تعبيرًا لا يُفصح عمّا في داخله.
ثم انسحبت نظراتهما عن بعضهما ببطء.
وبعد حين، خرج الجواب.
“نعم.”
“نعم.”
ابتسم الكاردينال برضا، واختتم كلمات المراسم.
“أُعلن من هذا المنبر، أنّ كايدن بنتلي آرثر وجينايدا هارمون قد أصبحا زوجين.”
وبإشارة منه، جمع جميع من حولهم أيديهم، وكذلك فعل كايدن وجينايدا.
رفع الاثنان دعاءً، يتمنّيان فيه سعادة الآخر.
—
بعد انتهاء مراسم الزواج، انتقل الجميع إلى القصر الإمبراطوري حيث استُكملت الاحتفالات بوليمة الزفاف.
كانت جينايدا تقف في أحد الأركان، ترتشف ببطء الشراب الذي قدّمه لها أحد الخدم.
كانت ترغب في مغادرة قاعة الحفل فورًا، لكن لم يكن ذلك ممكنًا.
‘متى سيصل الإمبراطور؟’
كان عليها، على الأقل، أن تحيّيه قبل أن تنسحب.
نظرت جينايدا حولها بهدوء.
كان كايدن يشرب الخمر بعيدًا عنها.
بدا الاثنان كجزيرتين معزولتين تطفوان في بحرٍ شاسع، كلٌّ منهما واقف في مكانه وحده.
تردّدت جينايدا: هل تذهب إليه الآن؟
لكن، على خلاف أفكارها، لم تتحرّك قدماها.
فبعيدًا عن القصر، لم يكن هناك مبرّر يفرض عليها أن تلازمه.
وكلّ ما أُتيح لها، هو مراقبته من بعيد.
تظاهرت جينايدا بالشرب، وراحت تراقب كايدن.
رشفة واحدة، ونظرة واحدة.
رشفتان، ونظرة واحدة.
ثم…
تمايل ما تبقّى من الشراب في الكأس، فارتفع رأس جينايدا تلقائيًا.
ودخل في مجال رؤيتها صدر كايدن العريض الصلب.
عضّت شفتها السفلى، متصنّعة الهدوء، بينما اشتدّ ضغط أصابعها على الكأس.
كان هناك نظرٌ يثقل رأسها، لم يفارقها لوقتٍ طويل.
ولإثبات أنّها بخير، مالت بالكأس مرة أخرى.
حينها، تدخّل كايدن كما لو كان ينتظر تلك اللحظة.
“توقّفي عن الشرب.”
“لا بأس.”
“أنا لست بخير. وهل ستجيبين هكذا أمام جلالة الإمبراطور أيضًا؟”
لم تكن قد شربت حتى نصف الكأس الأول.
تلاشى همسها الصامت في أعماقها، وانتزع كايدن الكأس من يدها.
نظرت إليه جينايدا بوجهٍ شارد، وقد أُخذت منها الكأس على حين غرّة.
كانت بخير حقًا.
ظلّت يدها الفارغة معلّقة في الهواء بحسرة.
سلّم كايدن الكأس إلى خادمٍ كان يمرّ بالقرب، ثم مدّ يده إليها.
كانت إيماءة مرافقة.
“سيصل جلالة الإمبراطور قريبًا.”
تردّدت جينايدا قليلًا، ثم قبلت مرافقته.
وبعد وقتٍ قصير، دوّى صوت الأبواق معلنًا قدوم الإمبراطور، تمامًا كما قال كايدن.
“قدوم جلالة الإمبراطور!”
دخل فيليكس قاعة الحفل بابتسامةٍ مشرقة.
صعد إلى المنصّة، ونظر نحو كايدن.
كانت نظرته ودودة إلى حدٍّ قد يوهم من يراها بأنهما أخوان تجمعهما أواصر عميقة.
فتح فيليكس فمه متحدثًا بوجهٍ مشرق.
“وأخيرًا، يتزوّج أخي الوحيد. أرجو منكم جميعًا أن تباركوا له.”
وامتلأت القاعة بالتصفيق.
كان شبيهًا بذلك الذي سُمِع في حفل الزواج.
تصفيق مفعم بالزيف.
ابتلعت جينايدا ضحكةً ساخرة.
مهما رأت، لم تعتد بعد على تلك التعابير ونبرة الكلام.
وفي تلك اللحظة، تركزت الأنظار على زوج الدوق الأكبر، واقترب فيليكس منهما.
انحنى كايدن وجينايدا باحترام.
ولوّح فيليكس بيده كما فعل في لقائهما الأول، طالبًا منهما أن يكونا على سجيّتهما.
“مبارك زواجك، يا أخي.”
“شكرًا لك على تقديم عروسٍ صالحة.”
“أليس كذلك؟ لديّ عينٌ ثاقبة في الاختيار.”
واصل فيليكس حديثه بابتسامةٍ عريضة، في سياقٍ يشبه ما دار بينهم سابقًا في قاعة الاستقبال.
وقفت جينايدا بهدوء، تنتظر انتهاء الحوار بين الرجلين.
ثم، ولأول مرة، وجّه فيليكس كلامه إليها، بعد أن ألقى عليها نظرة خاطفة.
“ألم يردكِ اتصالٌ خاص من قداسة البابا؟”
“آه، لا.”
لم يحضر البابا لا مراسم الزواج ولا وليمة الزفاف.
واكتفى بإرسال أزهار اللود إلى مكان الحفل.
ضيّق الإمبراطور عينيه عند سماع جوابها، ثم رفع زاوية فمه مبتسمًا، واختتم الحديث.
“حسنًا، هذا يكفي. استمتعا بالحفل، فأنتم أبطاله.”
ما إن أنهى الإمبراطور كلمته، حتى راحت أنظار النبلاء تلتفت نحوهما خلسة.
لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
وحشٌ ملعون وساحرة أرواح مشؤومة.
لم يكونا هدفًا للألفة، بل أقرب إلى مشهدٍ غريب يُتفرّج عليه.
اعتادت جينايدا تلك النظرات، فأمسكت بذراع كايدن برفق.
فاتجهت عيناه إليها.
“هل بقي نبلاء آخرون يجب أن نحيّيهم؟”
“لا، لم يبقَ أحد.”
وبنبرةٍ جافة، تابعت جينايدا:
“أودّ أن أستنشق بعض الهواء.”
تأمّلها كايدن بصمت، ثم اتجه بخطاه نحو الشرفة.
—
أوصل كايدن جينايدا إلى الشرفة، ثم تنحّى، تاركًا لها بعض الوقت بمفردها.
وأضاف أنه سيكون داخل القاعة، ويمكنها مناداته متى شاءت.
أومأت جينايدا برأسها موافقة.
كانت ترغب في البقاء معه، لكنها ابتلعت تلك الرغبة في قلبها، ولم تنطق بها.
وقفت وحدها، تحدّق في الفراغ، غارقة في أفكارها.
‘هل سيمرّ الأمر هكذا ببساطة؟’
لم يحضر البابا لا الزواج ولا وليمة الزفاف.
وكان العذر جولة تفقدية في الأقاليم، يمنح خلالها طاقاته دوريًا في أنحاء الإمبراطورية.
‘سيأتي إلى الشمال أيضًا.’
راودها خاطر أن تقتل البابا والإمبراطور كليهما، لكنها لم تستطع.
فهما جسدان نالا طاقة تطهير لا تصدق.
ما لم يسقطا في الفساد وينبذا هبتهما بأنفسهما، كان قتلهما اغتيالًا أمرًا مستحيلًا.
والمطمئن قليلًا، أن الشمال منطقة ذات نفوذ قوي لكايدن، فلا يستطيع البابا قتله بسهولة.
‘عليه أن يحافظ على صورته.’
تنفّست جينايدا الصعداء، وقررت أن تستمتع بالوليمة بهدوء.
ففي حفلٍ يستضيفه القصر الإمبراطوري، لن يُقدِم الإمبراطور على محاولة اغتيال.
إذ إن الضرر سيعود على العائلة الإمبراطورية نفسها.
إضافةً إلى ذلك، كان موريس، أحد فرسان الحراسة التابعين لكايدن، داخل القاعة.
موريس… أحد الذين ظلّوا يخدمون كايدن حتى النهاية قبل العودة بالزمن.
‘ولن يتناولوا الطعام بتهوّر.’
فقد كادت تُسمَّم في القصر قبل أيام.
وبعد أن أنهت أفكارها، انكشف أمام عينيها مشهد السماء الليلية البديع.
ضوء القمر الخافت يتلألأ، وحوله تناثرت النجوم.
كانت قد رأت هذا المنظر مرارًا قبل العودة بالزمن،
لكن رؤيته الآن جعلته يبدو أكثر خصوصية.
خطت جينايدا إلى الأمام، راغبة في التمعّن بالمشهد عن قرب.
وفي تلك اللحظة…
دويٌّ مكتوم.
سقط جسمٌ أسود بسرعة إلى الأسفل.
تبع الصوت صراخٌ حادّ.
بدافع نذيرٍ سيّئ، أسرعت جينايدا تنظر إلى أسفل الدرابزين، وقبضت يدها بقوة.
لم يكن الجسم الذي مرّ أمام عينيها سوى إنسان.
وعلى تلك الجثة، كان هناك وسم… لا يراه سواها.
التالي هو خادمك المخلص، دالتون.
إن أردتِ إنقاذه، فابحثي عني خلال يومين.
توهّجت الجملة الأخيرة بقوة.
أنا ساحر أرواح مثلكِ، يا جينايدا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"