الفصل الثلاثون
كلاهما لم يكن مخطئًا.
غير أن جواب هذه المسألة كان محددًا سلفًا.
ففعلُ فيليكس هو الجواب الصحيح، وكايدن هو المخطئ.
مسح فيليكس وجه أخيه بصمت ثم نهض دون أن يقول شيئًا.
شعر كايدن بأن كل شيء سينتهي هنا، فشدّ على ذراع أخيه. وانخفض بصر فيليكس إلى الأسفل.
لاحظ الجروح في عنق كايدن ويديه.
تخيّل أنه بذلك الكفين الصغيرتين وقف في وجه الفرسان محاولًا إنقاذ أمه، فلم يستطع رفع رأسه من شدة الخجل.
بينما كان أخوه يمنعهم، كان هو يقف إلى جانب والده مقتنعًا بأن القرار صائب.
كان ذلك مخزيًا.
خشية أن يبكي أمام أخيه، اكتفى بإطلاق زفرة قصيرة وأصدر أمرًا آخر للخادم.
“…انقلوا كايدن إلى غرفة أخرى.”
ثم استدار على عجل وخرج من الغرفة.
حدّق كايدن في الباب المغلق بذهول.
‘لا.’
بدأت الرؤية تترنح بالدموع.
‘لا يمكن لأخي أن يفعل بي هذا.’
كان فيليكس أقوى سند له بعد والديه.
صحيح أنهما من دمٍ ملكي، وسيأتي يوم يتغير فيه رابط الأخوّة إلى علاقة ملك ووزير، لكنه لم يكن يبالي.
فأن يخدم فيليكس كأخ أو كإمبراطور كان شرفًا عظيمًا له.
لكن بعد سَجن الإمبراطورة، بدأت هذه القناعة تتصدع شيئًا فشيئًا.
—
خرج كايدن من غرفته بعد مضيّ نحو أسبوع على احتجازه.
وصل إلى قاعة المثول أمام الإمبراطور وهو يتلقى في آنٍ واحد دعم الفرسان ومراقبتهم.
وكان في قرارة نفسه مسرورًا لأن الإمبراطور طلبه.
صحيح أن فيليكس قال إن الأمر مستحيل، لكن بما أن والده استدعاه على انفراد، فلا بد أنه سيعالج أمر أمه بلين.
‘لا تنفعل.’
ألم يخطئ عندما توسّل إلى فيليكس وقد غلبته العاطفة؟ هذه المرة لا يجوز أن يخطئ.
هدّأ قلبه بتنظيم أنفاسه ودخل.
وبإرشاد كبير الخدم، وصل إلى حيث كان آرثر الرابع جالسًا على العرش بكل وقار.
وحين رأى الإمبراطور ابنه، أشار بعينيه إلى كبير الخدم أن يخرج، فاختفى الأخير بسرعة.
ساد صمت ثقيل بين الأب والابن.
شعر كايدن فجأة بقلق من هذا الجو البارد الذي لا يُفسَّر، لكنه لم يُظهره وأدّى التحية.
ومضى وقت طويل على هذا الحال.
ظل كايدن ثابتًا لا يتحرك، منتظرًا أن ينطق الإمبراطور أولًا، لأنه إن لم يبدأ والده بالكلام فلن يُسمح له بالمغادرة.
وأخيرًا، فتح الإمبراطور فمه.
“هل صحيح أنك طلبت من فيليكس أن يطلق سراح الإمبراطورة؟”
كان السؤال جافًا وقاسيًا على غير عادته.
ظن كايدن أن الإمبراطور يعاني بسبب الإمبراطورة.
فتذكّر صورة والده الحنون الذي لم يكن يرى في الدنيا سوى أمه، لا التعبير المظلم الذي أمامه الآن.
كان يؤمن أن والده، مهما تألم، لن يتخذ قرارًا أحمق.
وحتى لو انتهى الأمر بتضحية كايدن نفسه، فلا بأس.
“نعم، فعلت.”
“وهل صحيح أنك نطقت بهرطقة أيضًا؟”
قبل أيام، كان تجاهله للنبوءة أمام فيليكس يُعد هرطقة.
فتح كايدن فمه شاعِرًا بثقل خطئه.
“…نعم، صحيح.”
تردّد صدى إجابته في القاعة بثقل.
نظر الإمبراطور إلى ابنه الثاني بوجه جامد.
حتى عضلات وجهه لم تتحرك، فكأنه دمية من شمع.
“أنا مخطئ. مجرد كائن وضيع ملعون.”
انبطح كايدن على الأرض.
“سأموت بدلًا من أمي وأتحمّل المسؤولية.”
لم يكن هذا كلام طفل في العاشرة، لكنه رأى أن هذا هو الواجب على أفراد العائلة الإمبراطورية.
تذكّر كلمات فيليكس قبل أيام.
نحن فقط من نضحي، نحن فقط من نتألّم.
“سأموت لأحمي عائلتنا الإمبراطورية.”
كان يتشبث بالحياة فقط من أجل إنقاذ أمه.
الوريث موجود، وهو أخوه.
وموته لن يخلق فراغًا في الخلافة، بل سيُعد كأن العائلة الإمبراطورية قد قدّمت مجرمًا من نفسها، فلا تنال سخط البابا.
لكن جواب آرثر الرابع جاء مخالفًا لتوقعه.
“لا.”
“الوحش المذكور في النبوءة هو أنا. إذًا يكفي أن أختفي أنا، أليس كذلك؟”
سأل كايدن باستغراب، فردّ الإمبراطور بوجه يائس.
“حينها ستُحرَم إمبراطوريتنا من البركة مرة أخرى.”
في عهد آرثر الثالث، سلف آرثر الرابع، كان الإمبراطور قد تعرّض للحرمان الكنسي بعدما أغضب غريغوريوس السابع.
وإمبراطورية آدن دولة تحترم المعبظ، وحرمان حاكمها من الكنيسة أمر لا يُتصوَّر.
سافر آرثر الثالث إلى بيديس وبقي راكعًا أيامًا أمام المعبد ليحمي العائلة الإمبراطورية.
“البابا يريد موت الإمبراطورة.”
بعد تلك الحادثة المذلة، صار آدن يعيش في خوف دائم من إثارة سخط البابا.
“أفتريدني أن أرتكب فعلًا آخر يثير غضبه؟”
الإمبراطورة آريا، زوجة آرثر الرابع، كانت من عامة الشعب، ومكروهة سواء في دولة البابا أو بين النبلاء.
وكانوا يعلمون.
يعلمون أن النبوءة هذه لا قوة لها.
أولئك الذين ادّعوا أنهم لأجل الشعب، فسدوا وصاروا وحوشًا لا تهتم إلا بمصالحها.
حين أدرك كايدن كل ذلك، نظر إلى الإمبراطور بوجه خاوٍ.
واصل آرثر الرابع كلامه.
“أتدري بأي حال أنا الآن وأنا أتحمّل كل هذا؟”
كانت يد أبيه، التي طالما بدت كالجبل، ترتجف بوضوح.
“ثم تأتي أمامي وتقول إنك ستموت؟”
“…….”
“قالت الإمبراطورة إنهم يريدونها هي، فلتُنقذ حياة كايدن على الأقل. قالت إن في عروقه دم الإمبراطور، أليس من حقه أن يعيش؟!”
تنفّس آرثر الرابع بصعوبة وأكمل هامسًا.
“عِش. لا تمت أبدًا. وإن تألمت، فاكتم. عش من أجل أمك.”
الأب الذي ظنه كايدن لا يخاف شيئًا، كالجبل انهار أمامه.
“لا تمت أبدًا….”
أمام هذا المشهد الغريب، عجز كايدن عن الكلام واكتفى بالنظر إليه.
بدأ صوت النشيج يملأ قاعة العرش تدريجيًا.
خرج كايدن من القاعة كالهارب، دون أن يفكر حتى في آداب المثول.
ركض غير مكترث بتحية كبير الخدم، وتعثر وسقط. حاول الفرسان مساعدته، لكنه أفلت منهم وواصل الركض.
وصل إلى غرفته بعد أن تخلّص حتى من خادمه المرافق، وأغلق الباب بإحكام.
انزلق كايدن على الجدار وجلس يحدّق في الفراغ.
‘هذا ليس واقعًا.’
حتى والده الذي كان يثق به انهار.
‘لا يمكن لأبي أن يكون هكذا.’
أنكر كايدن كل ما رآه.
قال لنفسه إن هذا حلم، كابوس مروّع.
لكن على عكس أمنيته، استمر هذا الكابوس المريع.
—
منذ ذلك اليوم، امتنع كايدن عن الطعام وقضى وقته شاردًا، وأحيانًا يطالع كتب القصص التي كان يقرأها مع الإمبراطورة.
كان الخادم يركض إلى فيليكس متوسلًا أن ينقذ الأمير، لكن كايدن لم يعد يستمع حتى لكلمات أخيه الذي كان يطيعه دائمًا.
حتى إن رآه.
“اخرج.”
…كان يجيب بهذه الكلمة القصيرة فقط، ثم يغطّي رأسه باللحاف.
كان فيليكس يعلم أن تصرفات أخيه نوع من الاحتجاج، لكنه لم يستطع تلبية طلبه.
فوالده لن يغيّر قراره أبدًا.
ومضت الأيام.
حتى زيارات فيليكس بدأت تقلّ، والخدم أيضًا صاروا يدخلون غرفة كايدن أقل فأقل.
أكثر من أصابه القلق كان خادم كايدن.
فهو أمير، ولا يمكن إجباره على الأكل، وإن استمر الأمر هكذا وسقط من سوء التغذية فستكون كارثة.
أخيرًا، جثا الخادم أمام كايدن وتوسل إليه بصدق.
“أرجوك، تناول ولو لقمة واحدة يا سمو الأمير!”
“…….”
“وإلا فسأموت! أريد أن أعيش طويلًا لأبقى إلى جانبك!”
كان الخادم يعلم أن الأمير، رغم حدّته الأخيرة، طيب القلب.
نظر كايدن إلى الخادم الذي يتوسل أمامه.
وكما كان كايدن يتمنى الإفراج عن الإمبراطورة، كان الخادم يتمنى ألا يموت الأمير جوعًا.
تنهد كايدن تنهدًا قصيرًا وقال بصوت منخفض.
“سآكل. لكن نفّذ لي طلبًا واحدًا.”
اتسعت عينا الخادم وسأله على عجل.
“مـ… ما هو الطلب؟”
“دعني أرى أمي.”
—————-
الرواية مكتملة بجروب التيليجرام.
ستجدون رابطها في التعليقات
التعليقات لهذا الفصل " 30"
رابط قناة التيليجرام (فيها جميع رواياتي):
https://t.me/+BVhEBgq2Kb41OWJk