# الفصل الثاني
‘من أجلك، ومن أجل الإمبراطور، فعلتُ كلَّ شيء.’
هذه الإقطاعية، وهؤلاء الذين ألفتهم في قصر الدوق الأكبر، قدّموا كلَّ ما لديهم. …وحتى كايدن، الذي التقته من جديد فتظاهرتْ بأنها لا تعرفه.
“لماذا؟”
امتزج الحزن بالغضب، فامتلأت حدقتا جينايدا بسمٍّ قاتم.
“لقد فعلتُ كلَّ ما أردتموه، أليس كذلك؟!”
دوّى صراخ المرأة التي دمّرت كلَّ شيء بيديها في أرجاء الغرفة. استلت جينايدا سيفها، ومع صيحة اندفاعٍ هاجمت البابا. كان صوتها أشبه بعواء وحش.
لكنها لم تقطع سوى خطوات قليلة حتى انهار أحد ركبتيها. ذلك أن طاقة الشيطان بدأت تنتشر عبر الجرح المطعون. كأن الشلل أخذ يتفشّى، فلم تعد يدها تقوى، فانفلت السيف منها.
طنين.
ما إن صارت بلا سلاح، حتى اقترب الخصم، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة. كانت عينا البابا الحمراوان قد اسودّتا، كأنهما ذابتا في قوة الشيطان. احتضن جينايدا وهي تحدّق فيه.
قاومتْه بخفّة، غير أن اجتياح الشيطان كان قد بدأ، فلم تعد قادرة على رفض لمساته. همس في أذنها بصوتٍ خفيض:
“قال إنه سيقدم حياته ثمنا لحياتك.”
لم يذكر اسمه، لكن جينايدا عرفت. إنه كايدن.
تزلزلت حدقتا جينايدا.
‘إذًا، كان سبب موته الطوعي هو…’
“هذا يكفيني.”
مرّت كلمات كايدن الأخيرة في خاطرها. لو لم تكن غارقة في لعنةٍ آكلة، لربما ضحكت بسخرية.
“يا لكِ من حمقاء. لو لم يكن لديكِ قوة الارواح، لما أبقيتُ شخصًا مثلك حيًّا أصلًا.”
“……”
“الإمبراطور اللعين، وزوجكِ، كيف يكونان بهذه الدرجة من الغباء؟”
وبكلماتٍ توحي بخيانة حتى راعيه القديم، الإمبراطور، طعن صدر جينايدا الواهنة.
“أفأصبحتِ تشبهينهم أنتِ أيضًا؟”
تمتم البابا، مبتسمًا ابتسامة لم يعرف مثلها من قبل:
“أعينيني في انتقامي. بحقدكِ، بغضبكِ، استدعي الشيطان الذي سيقتل الجميع.”
كلما اتسع الجرح، وكلما ازداد القشعرير في عمودها الفقري، ازدادت الرؤية ضبابًا. غير أن ذكريات كايدن وحدها ظلت واضحة.
ذكرى حاولت نسيانها مرارًا فلم تستطع.
تراءت ابتسامته أمامها. ابتسامته في ليلة الزفاف الأولى، حين كانت مرتبكة لا تدري أين تضع نفسها. ابتسامته حين نادت اسمه لأول مرة. وابتسامته العابرة، وهو يحتضر على يديها، يضحك على كذبة حبها له.
عند حافة الموت، فقط، اعترفت جينايدا بمعنى تلك الابتسامة.
الحب. صدقٌ لم يُظهره إلا لها.
اجتاحت مشاعر الندم كالإعصار، وبدأ الظلام يلفّها ببطء.
‘أريد أن أنقذه.’
تمنٍّ جاء متأخرًا.
—
لم يتحقق أيٌّ من أمنياتها، ولا مرة. لم تصبح الفتاة الصالحة كما قال لها لانسلوت، ولم تنقذ الكاهن ليام. وحتى أمنيتها الأخيرة، بأن تنقذ كايدن قبل موتها، لم تكن استثناءً.
“أخ.”
في ظلامٍ لا نهاية له، كانت جينايدا تتخبّط، حتى أشرق بصرها فجأة، فعبست. واجتاحها ألمٌ كالموج، فعجزت عن التماسك وسقطت جاثية.
شعرت بحرارة عند مؤخرة رأسها. وحين فتحت عينيها، أدركت ماهيتها.
كان ضوء الشمس.
“ضوء… الشمس؟”
ظلالٌ كثيفة، وأرضية خشبية تحتفظ بالحرارة. منظرٌ غريب لا يُصدَّق أن يكون في الشمال.
تشبثت جينايدا بوعيها المثقل ورفعت جفنيها قسرًا. كان الضوء يؤلم عينيها.
بصورةٍ ضبابية، رأت أشخاصًا بزيّ الحرس الإمبراطوري، يتدرّبون في مبارزاتٍ ثنائية. ومع رؤيتهم، استفاقت حواسها الأخرى، وبدأت صيحات التدريب تتردّد في أذنيها.
عندها، انساب صوت مألوف:
“هل أنتِ بخير؟”
عند السؤال اللطيف، ابتلعت جينايدا أنفاسها. لا بد أنه هلوسة نابعة من الشعور بالذنب. فلا يعقل أن تسمع صوت ميت.
وحين لم تجب، تحرّك ظلٌّ نحوها. تجمّدت جينايدا، كأنها رأت وحشًا مفترسًا. عاد الشعور الخانق الذي كان قد خمد.
“إن كان الكلام صعبًا، سأساندكِ.”
عاد الصوت اللطيف مجددًا.
مرعوبة، استلت جينايدا السيف الذي كانت تمسكه. ارتجف نصل السيف بلا استقرار.
تراجع من حولها خطوة مذعورين، لكن صاحب الصوت لم يفعل. بل تقدّم خطوة أخرى.
بيدٍ مرتعشة، وجّهت جينايدا النصل نحو نفسها. لم يكن للخروج من هذا الكابوس سوى سبيلٍ واحد. أن تموت مرة أخرى.
حينها، أمسكت يدٌ خشنة بالنصل. وحين سال الدم من يد الرجل، أفلتت جينايدا المقبض لا إراديًا. أنزل هو السيف ببطء إلى الأرض.
“جينايدا.”
ناداها بصوتٍ أخفض من ذي قبل. اضطرت إلى رفع رأسها. ارتفع بصرها من شفتيه، إلى أنفه العالي المستقيم، حتى توقّف عند عينين بنفسجيتين لا تُنسى.
كايدن.
لم تجرؤ على نطق اسمه، ورددته في داخلها. وعلى عكس لحظتهما الأخيرة المفعمة بالشجن، كانت عيناه باردتين. حدّق بها ثوانٍ، ثم صرف نظره.
راقبته جينايدا شاردة وهو يتحدث مع مساعده، ثم استفاقت فجأة وأمسكت بذراعه. عاد نظره إليها، بلا أثر دهشة.
تمتمت، وهي تنظر إلى يده النازفة:
“عالج… الجرح.”
حتى لو كان حلمًا، لم تشأ أن تراه يتألم. أجابها بلا اكتراث:
“سأتولى الأمر. هل تستطيعين الوقوف؟”
تجاهل قلقها، وقال ما يريد قوله. هزّت رأسها موافقة. فمدّ يده السليمة نحوها.
كانت نظرته تقول: أمسكي. على مضض، قبلت جينايدا مرافقته ونهضت.
كانت يده مليئة بالمسامير والجلَد الخشن، لكنها دافئة. دافئة إلى حد الشعور بالحرّ.
‘أيمكن أن يكون الحلم بهذه الحيوية؟’
كل شيء بدا حيًّا… وحتى كايدن.
شعور لا يُصدَّق أن يكون مجرد حلم. أمسكت دون وعي بمعصمه. لم تتحسس نبضه بدقة، لكنه كان يخفق، ولو بخفوت.
كأنّه حي.
لو كان هذا وهمًا، لما حدث ذلك.
‘لا تقل… هل عدتُ؟’
هذا ميدان تدريب القصر الإمبراطوري. بل الميدان الخاص بحرس الإمبراطور وحدهم. الفترة التي كانت فيها جينايدا ضمن الحرس تعود إلى زمنٍ بعيد، قبل موتها بسنين.
‘مستحيل… عودة عبر الزمن؟’
لم يُعرف عن هذا السحر سوى محاولاتٍ قديمة لأول ساحر، ميرلين. وكان تفسير الحلم أرجح.
لكن، ما تفسير هذه الأحاسيس؟
راودها شكّ، فاغرورقت عيناها.
‘لا تبكي.’
هي من ساق كايدن إلى موته في حياتها السابقة. أن تبكي بعد قتله بيديها؟ كفيل بأن يجعلها موضع سخرية.
ابتلعت دموعها وأغمضت عينيها ثم فتحتهما. ومع هدوء الاضطراب، عاد القلق الذي نسيته مؤقتًا.
أفكار متناقضة تطفو في رأسها: عدتُ… لم أعد. كانت تلتهم عقلها ببطء.
وحين كاد رأسها ينفجر، خرجت منها كلمات بلا وعي:
“كايدن.”
وقد فقدت زمام عقلها، تابعت هذيانها:
“لماذا أحببتني…”
لكن قبل أن تُتمّ كلامها، صرخ فارس كان بجانبه:
“يا صاحب السمو!”
عند سماع النداء، نظرت إليه، وارتجفت حدقتاها. سقط كايدن فجأة، متألمًا من ذراعه. وكان يمسك معصمه الأيمن، اليد التي أمسكت نصل سيفها.
‘ماذا؟’
أسرعت نحوه، لكن المساعد أوقفها. لم يقل شيئًا، لكنه رمقها بنظرةٍ حادة. عضّت جينايدا شفتها.
حينها، تقدّم كايدن، متجاوزًا مساعده، واقترب منها. أمسك عنقها بيده الملطخة بالدم. لم يكن الضغط قويًا، لكن القرب والهيبة جعلا أنفاسها تكاد تنقطع.
رفعت بصرها. تقابلت عيناها مع بروشٍ مألوف. زينة حداد كان يعتز بها، وكان قد فقدها قبل موته.
أطلقت زفرة قصيرة. وفي تلك الأثناء، همس كايدن بصوتٍ منخفض:
“…ماذا فعلتِ؟”
ابتلعت أنفاسها عند برودة صوته. وتابع:
“سمّ.”
كان عليها أن تبرر وجود السم على نصل سيفها. لكن لسانها تجمّد. إذ لم تكن هي نفسها تعلم لماذا كان هناك سم.
“هل أمركِ الإمبراطور؟ لتلفيق تهمة لي؟”
كان صوته الخافت خنجرًا غرس في صدرها. بدت كلماته اللطيفة الأخيرة، قبل قليل، كحلمٍ بعيد، قياسًا إلى حدّته الآن.
“إن كنتِ ستتظاهرين، فتدرّبي جيدًا.”
قهقه بسخرية وتراجع خطوة.
لماذا كان هناك سم؟ لماذا أصلًا؟
“الإمبراطور بانتظارنا، فلنسرع.”
وكانت ابتسامته قد تحوّلت من تهكّم إلى لطفٍ مصطنع.
وسط هذا الاضطراب، ومع تأكدها من وجود البروش، تيقّنت جينايدا:
أنها عادت إلى الماضي.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"