دخلت جينايدا إلى قلعة الدوق الأكبر وهي مشدودة الأعصاب، لكن لسببٍ مختلف عمّا كان عليه الأمر قبل عودتها بالزمن. فقد كانت تعاني شعور الذنب لأنها، كما فعلت مع كايدن، قد باعت أهل القلعة وخذلتهم.
اجتازت الباب الحديدي الذي لا تزال آثار السنين بادية عليه، وما إن دخلت حتى انكشف أمامها مشهد مألوف.
مشهد تفوح منه رائحة البشر.
كأنهم تلقّوا إخطارًا مسبقًا بعودة فرسان الحرس، فقد كان الطريق الذي سيدخل منه الموكب نظيفًا مصقولًا بعناية. وحين لمح سكان الإقطاع الدوق والدوقة، أوقفوا ما بأيديهم وانحنوا خاشعين.
راحت جِينايدا تتلفّت حولها بشيء من البهجة غير المقصودة، فإذا بعينيها تلتقيان بعيني طفلٍ صغير كان الوحيد الذي رفع رأسه.
“مرحبًا!”
لوّحت جِينايدا بيدها للطفل الذي حيّاها بوجهٍ مشرق. فارتسمت ابتسامة تلقائية على شفتيها. غير أنّ تلك الابتسامة لم تلبث أن تلاشت، ليحلّ محلها طعم مرارة.
‘ألم أردّ على أمثال هؤلاء بالخيانة؟’
وخزها قلبها كأن إبرةً غرست فيه فجأة. تسلّل الخجل إليها على حين غرّة، فأدارت رأسها سريعًا وحدّقت إلى الأمام فقط.
داخل القلعة، حيث وصلوا بعد قليل، كان ثمة وجوه مألوفة كثيرة.
“أهلًا وسهلًا بكم!”
نبرة ودودة وابتسامة لا تشبه علاقة سيد بخدمه.
هرع كبير الخدم المسؤول عن إدارة القلعة، بيرن، إلى ضبط صفوف الفرسان والخدم. عندها فقط انتبه الجميع، فأدّوا التحية وفق آداب البلاط.
ارتسم على وجه كايدن تعبير أكثر ارتياحًا من أي وقت مضى، وابتسم ابتسامة خفيفة. أما جِينايدا، التي كانت تقف خلفه بخطوة، فقد شدّت شفتيها إلى الأسفل قسرًا.
سواء قبل العودة بالزمن أو بعدها، فهي شخص لا ينتمي إلى هذا المكان.
وكل ما تستطيع فعله من أجلهم هو أن تختفي بهدوء.
كانت تنوي الانسحاب ما إن ينجو كايدن من خطر الموت.
أما أن تراه سعيدًا مع امرأة أخرى…
كانت تبتلع غثيانًا مجهول المصدر حين اقتربت منها امرأة تبتسم ببراءة.
كانت جِينايدا تعرفها جيدًا.
“تشرفت بلقائك، أنا لورا، وسأكون من اليوم فصاعدًا الخادمة المكلّفة بخدمة الدوقة.”
لورا.
هي نفسها التي كانت خادمتها الخاصة قبل العودة بالزمن.
وهي أيضًا من ساعدتها في حياتها السابقة على التأقلم بعد قدومها إلى الشمال.
“أه… أهلًا بكِ، لورا.”
“تفضّلي وتحدّثي براحتك.”
اقتربت منها لورا بلطف وهمست في أذنها:
“يبدو أن سمو الدوق مشغول بالحديث مع الآخرين، هل تودّين الصعود إلى الأعلى؟ لقد جهّزنا ماء الحمّام.”
“حسنًا، لنفعل ذلك.”
ابتسمت لورا ابتسامة عريضة وصعدت مع جِنايدا إلى الطابق الثاني.
وكان عدد الدرجات كبيرًا، فظلّت لورا تتحدّث بلا انقطاع أثناء الصعود.
“منطقة نيفيوس باردة، لكن الثلج فيها أنقى من المناطق الأخرى، لذا يمكن استخدامه كماء شرب عند الضرورة. فلا تفزعي إن رأيت ذلك. وأيضًا، في الصيف قد لا تغيب الشمس عدة أيام، وفي الشتاء قد لا تشرق عدة أيام… فلا تقلقي كثيرًا…”
كانت أغلب أحاديثها عن أمور بسيطة كطقس نيفيوس ومعارف عامة عنها.
“كما أن وحوش السحر تهاجم كثيرًا، لذا فالجميع، سواء الخدم أو كبير الخدم، يجيدون استخدام السيف. وبما أن سمو الدوقة فارسة أيضًا، فلا بد أنكِ لستِ مندهشة، أليس كذلك؟”
قالت ذلك وهي تشير إلى الصولجان المعلّق على ظهرها وتضحك.
“آه… نعم. أعني… أجل.”
في الحقيقة، في حياتها السابقة لم تستطع جِينايدا إخفاء دهشتها عندما رأت جميع الخدم مسلّحين بالكامل.
“مع ذلك، سنحرص على ألا تضطري للتدخل أبدًا، فلا تقلقي!”
ابتسمت لورا بصفاء وهي تقول ذلك بدافع الاهتمام بها، فبادلتها جِينايدا ابتسامة.
لم تكن سوى ابتسامة متكلّفة، لكن لورا بدت سعيدة بها من أعماق قلبها.
فتحت لها باب غرفة تقع في منتصف الطابق الثاني.
“سأساعدكِ على تبديل ملابسك.”
وبمساعدة لورا، بدّلت جِينايدا ثيابها إلى رداء حمّام، ثم توجّهت إلى الحمّام.
كان بانتظارها ماء ساخن تفوح منه رائحة وردٍ كثيفة.
دخلت الحوض مباشرة. ورشّت لورا فوقها المزيد من ماء الورد، وكأنها ترى أنه غير كافٍ بعد.
ففاض الماء قليلًا وبلّل الأرضية.
ابتسمت لورا برضا وانحنت.
“ناديني متى احتجتِ أي شيء.”
حين بقيت جِينايدا وحدها في الحمّام الواسع، أرخَت جسدها أخيرًا. وبدأ التعب المتراكم يتلاشى في الماء.
أغمضت عينيها ببطء.
‘منذ متى لم أرتح هكذا؟’
في العاصمة كانت تخشى أن تخطئ في حق كايدن، وفي الطريق إلى قلعة الدوق كانت متوترة خشية ظهور وحوش السحر.
أما الآن، فهذا السلام المفاجئ… كأن عقلها أصبح صافيًا.
وفي الوقت نفسه، ازدادت عزيمتها وضوحًا.
‘لحسن الحظ… أُعطيت فرصة ولو متأخرة.’
انبثقت في قلبها آمال بتجنّب النهاية البائسة.
ابتعدت عن كايدن وفق الخطة، ونجت من قبضة الإمبراطور، وجاءت إلى الشمال.
وقريبًا سيصل البابا إلى هنا.
‘يكفي أن أخدعه خداعًا كاملًا.’
البابا الذي يخدع حتى الإمبراطور بلسانه، لكن بما أنني أعرف المستقبل، فلن أتركه وشأنه.
غرست وجهها كاملًا في الماء، فامتلأت أذناها به وخيّم الصمت.
استمر سلام بلا صوت.
‘لكن… لماذا أراد البابا الانتقام أصلًا؟’
حين ماتت جِينايدا، طلب منها البابا أن تساعده في انتقامه.
ومات بعد أن قال لها أن تستدعي شيطانًا، ولم تعرف التفاصيل بدقة، لكن وفقًا لكتب قرأتها أثناء تدريبها كفارسة معبد، فإن استدعاء الشيطان يتطلّب قربانًا حيًا.
‘ربما استخدمني قربانًا ثم أجرى الطقس.’
يمتلك بركة تُسمّى قوة عظيمة، فما الذي كان ينقصه ليفعل أمرًا كهذا؟
ما الذي كان ينقصه حقًا؟
‘لو لم تكن لديه رغبة في الانتقام… هل كان كل شيء سيكون مسالمًا؟’
افتراض عديم الجدوى.
فلو كان كذلك، لما ضمّني إليه أصلًا.
آه… ومع ذلك.
‘ما كان كايدن ليلتقيني.’
كنت سأتعرّض للسبّ بحجة أنني ساحرة ملعونة، لكنني لم أكن لأموت بتلك الحماقة.
ربما بسبب توترها من لقاء البابا لأول مرة بعد العودة بالزمن، راودتها مثل هذه الأفكار.
رفعت جِينايدا رأسها عن الماء وفتحت عينيها ببطء. كان البخار كثيفًا فلم تستطع الرؤية جيدًا.
—
لم يمض وقت طويل على وصولهم إلى قلعة نيفيوس حتى زارها البابا. وحين ظهر في هذه الأرض القاحلة، هتف الناس فرحًا وابتهاجًا.
كان الاستقبال شبيهًا بما حدث حين عاد كايدن، سيد نيفيوس.
لكن شخصًا واحدًا فقط لم يستطع الترحيب بالبابا.
“مرحبًا بقدومكم.”
حيّته جِينايدا وهي تخفي مشاعرها. ابتسم البابا بلطف واحتضنها.
تفاجأت جِينايدا بالملامسة المفاجئة، فلم تستطع دفعه، ورفعت يديها في الهواء بتردد.
وبعد أن تاهتا لحظة، استقرّتا أخيرًا على ظهره في وضع محرج.
هكذا تمامًا كان عندما قدّمها قربانًا للشيطان.
رؤية شعره الفضي عن قرب، ورائحة جسده التي أصبحت مقززة بالنسبة لها، أثارت غثيانها.
أغمضت عينيها بقوة حتى لا تخطئ.
‘لم يحدث شيء بعد.’
سيقتلني لاحقًا، بعد زمن.
سكان القلعة لم يموتوا بعد، وكايدن أيضًا.
ليس الآن.
وبينما كانت تحاول تهدئة نفسها، همس البابا بصوت لا تسمعه إلا هي:
“تصلني هذه الأيام شائعات ممتعة.”
وتابع دون أن ينتظر ردها:
“يقال إنكِ قضيتِ على جميع القتلة المأجورين، ويقال إنكِ تجرأتِ على أمر جلالته بإيقاف عملية الاغتيال.”
رغم أن الداخل دافئ بأحجار السحر، شعرت كأن هواءً باردًا يتسرّب إليها.
ساد صمت خانق.
اختارت جِينايدا الصمت.
فهو لا يسأل طلبًا لإجابة.
ولا يجوز لها أن تنجرّ إلى كلامه.
فما إن تنجرّ، ستصبح دمية بين يديه.
راقب البابا ردّ فعلها، ثم تراجع خطوة.
كان يبتسم ابتسامة وديعة لا توحي بأنه قال كلامًا لاذعًا قبل لحظة.
وتحدّث كأن شيئًا لم يكن:
“كنت أودّ حضور زفافكِ حقًا، يؤسفني ذلك.”
كلام لا قلب فيه.
فأجابته جِينايدا بابتسامة مصطنعة:
“أليست جولة تفقدية؟ هل يليق بابنة أن تعيق أعمال والدها؟”
تجمّد البابا لحظة، ثم نظر إليها بدهشة، قبل أن تلمع عيناه بتأثّر.
“…والدي. منذ زمن طويل لم أسمع هذه الكلمة. كنت أتمنى لو ناديتِني بها مرة أخرى بعد طفولتك.”
كلماته أعادت إلى جِينايدا ألمًا كانت قد نسيته.
“أبي، أرجوك أنقذ الكاهن ليام! أنا… أنا فقط ألححت لأخرج!”
شحُب وجهها، وأدارت رأسها وهي تشعر باشمئزاز يتصاعد.
إحساس قذر يوحي بالغثيان.
أرادت الهرب فورًا، لكن واجبها كدوقة يفرض عليها مرافقة الضيف حتى النهاية.
‘كنت أتحمّل جيدًا…’
فلماذا لا تختفي هذه الذكريات المؤلمة؟
لماذا…
وحين بدأ كفّها يبتلّ بالعرق—
“أعتذر يا صاحب القداسة* على التأخر، كان لدي أمر عاجل.”
موروها. القدسية لله وحده وما أقره من عنده، بس بما إنه رجل دين والديانه حقهم أقرب للمسيحية فما أقدر أتلاعب باللفظ، لأن البابا عند المسيحيين في منزلة نبي.
ظهر كايدن واقترب من جِينايدا. وجذبها نحوه بطبيعية، وتولّى زمام الحديث.
“بما أنك تفضّلت بزيارة القلعة بعد غياب طويل، فسأقوم أنا بإرشادك بنفسي.”
ثم دفع جِينايدا بلطف نحو لورا. كانت لورا تراقب حالتها فقط، فسارعت إلى إمساكها.
“هل أنتِ بخير، سيدتي؟”
أومأت جِينايدا بدل أن تتكلم.
حاولت لورا اصطحابها بسرعة إلى الغرفة، لكن البابا أوقفهما.
“لكن، يا ابنتي.”
“……”
“ما زال بيننا حديث لم يُستكمل، ألا ترغبين بإتمامه؟”
ثم التفت مباشرة إلى كايدن.
“أودّ قضاء بعض الوقت الإضافي مع ابنتي، هل يمكن تأجيل جولة القلعة؟”
التعليقات لهذا الفصل " 18"