ما إن وطئت قدما كايدِن أرض ساحة الصيد، حتى أخذ يطوف ببصره من حوله، مستوعبًا التضاريس بمهارة.
لم يكن قد شارك في هذه المسابقة قبل عودته، غير أنّ خبرته الطويلة في الشمال كانت خير عونٍ له.
‘المكان الأرجح لوجود الوحوش هو السهل.’
كانت التضاريس تنقسم إلى منطقتين واضحتين: غابة كثيفة، وسهل منبسط قفر.
معظم الوحوش متدنّية الذكاء، فلا تحسن التدبير كالبشر، لكنها تسير بدافع الغريزة، وتختار ما يوافق راحتها.
فمثلًا، تفضّل الأماكن الخالية من الأشجار المعيقة على تلك المكتظّة بها.
قد تكون الحيوانات العاشبة التي تقتات على العشب والثمار استثناءً، أمّا تلك التي تفترس البشر وتأكل سائر الدواب، فنادرًا ما تكون قرب الأشجار.
إلّا في حالات خاصّة، كفترة التزاوج أو السبات الشتوي.
‘إذًا، ينبغي أن أتوجّه إلى السهل أولًا.’
لو كان هدفه الفوز فحسب، لكان التربّص في الغابة وقتل الوحوش على حين غِرّة أنسب.
غير أنّ كايدِن لم يكن يصبو إلى النقاط وحدها.
ما كان يريده هو إنجازٌ يسترعي أنظار الجميع.
مرّت في خاطره كلمات جِنَايدا فجأة.
“ابذل جهدك.”
تشجيعٌ يوحي بتمنّيها فوزه في المسابقة.
ثم تذكّر النبلاء وفيليكس الذين سمعوا ذلك الحديث.
لقد عاهد نفسه ألّا يحبّها، لكن في العلن، كان عليهما أن يبدوا زوجين متفاهمين.
فلا بدّ أن يظلّ الزواج خاليًا من المشكلات الكبرى، كي تبقى جِينَايدا زوجته رسميًّا.
‘إن تمكّنتُ من إيقاف هياج الوحوش، وقدّمتُ صيدًا يبهر الجميع باسم جِينَايدا…’
فإن صعد بعدها إلى الشمال بسلام، ومات على يديها، فلن يتخلّى فيليكس عنها أبدًا.
وإن كان هو سيموت.
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتي كايدِن، ثم تلاشت سريعًا.
لا وقت للشرود. عليه أن يعثر على صيدٍ يقدّمه لزوجته.
ومع مرور الوقت، بدأ النبلاء القريبون من مقاعد الضيوف يتفرّقون جماعات.
كانت جِينَايدا تشرب الشاي وتتبادل الأحاديث، وحين تراخت الأجواء كما توقّعت، نهضت بهدوء.
كان الجميع منشغلين بأحاديثهم، فلم يلتفت إليها أحد.
خطت بخفّة متّجهة إلى مكان قليل الناس، لكن—
“يا دوقة الشمال.”
كان فيليكس قد اقترب منها فجأة. عند نداء الإمبراطور، انحنت جِينَايدا مسرعة.
“نعم، يا صاحب الجلالة.”
“إلى أين تذهبين على عجل؟”
ساقت العذر الذي أعدّته سلفًا.
“يبدو أنّ الشمس حادّة، فأردت الاستراحة قليلًا داخل الخيمة.”
عذرٌ معقول، لكن الإمبراطور ظلّ ينظر إليها بصمت، دون أن يسمح لها بالمغادرة. طال الصمت، وبدأ القلق يدبّ في نفسها.
‘يجب أن أستدعي إِيلين وأدخل ساحة الصيد.’
الستار المحيط بالمكان كان من نصب كهنة الدولة البابوية.
ولا سبيل لعبوره خفية دون مساعدة إِيلين.
بدأ مخطّطها لمساندة كايدِن يتداعى.
همّت بالكلام، لكن فيليكس سبقها.
“تعالي واجلسي هنا إلى جواري.”
أشار إلى مقعد بجانبه. حاولت الاعتذار بتوتّر.
“لا داعي لذلك، فهنا أنسبُ لغيري من النبلاء…”
“اجلسي.”
أمرٌ قاطع. لم تجد بدًّا من الجلوس.
ولم يكتفِ بذلك، بل أمر كبير الخدم بتوفير الظلّ، وجُلب لها شرابٌ بارد.
بهذا القدر من العناية، لم تجرؤ على طلب الانصراف.
“شكرًا جزيلًا.”
“اشربي.”
رفعت الكأس إلى شفتيها الجافّتين، وارتشفت رشفة.
انتشر طعم الجريب فروت الحلو في فمها، لكنها لم تشعر بشيء.
‘يجب أن أذهب إلى كايدِن سريعًا.’
ظنّت أنّها ستتمكّن من التسلّل، لكن وجود الإمبراطور بدّد تلك الآمال.
كادت تعود لقضم أظافرها، ثم كبحت نفسها.
وبينما تحاول التماسك، همس فيليكس بصوت منخفض:
“قلتُ لكِ أحسني التصرّف، فلماذا تُخيّبين أملي مرارًا، يا جِينَايدا؟”
تصلّبت شفتاها، واجتاحها شعورٌ سيّئ.
سألت متظاهرة بالجهل:
“ماذا تعنون، يا جلالة الإمبراطور؟”
“أنا أكره الكذب. هل تخفين شيئًا؟”
تردّدت لحظة، ثم قالت:
“في الحقيقة، صحّتي ليست على ما يرام. ومنذ نصيحتكم الأخيرة، لم أنم جيدًا من شدّة الذنب. وإن كنتُ دوقة الشمال، فقلبي دائمًا مع جلالتكم وقداسة البابا. أرجو أن تثقوا بولائي من جديد.”
أضافت شيئًا من التملّق. فضحك فيليكس ضحكة قصيرة، ثم خفَت صوته فجأة.
“أهكذا؟ قلبك معنا دائمًا؟ إذًا، تستطيعين فعل أيّ شيء لأجلي، أليس كذلك؟”
“بالطبع.”
عند جوابها، أعطى الإمبراطور إشارة أخرى.
وبعد قليل، جاء كبير الخدم ومعه ساحر من سحرة القصر.
بدأ الساحر يتلو تعويذة، وظهر في كفّه شريطٌ أزرق مضيء.
ما إن رأته جِنَايدا حتى قبضت على مسند الكرسي.
كان يبدو كطوقٍ… وكانت تعرفه جيّدًا.
سحر الإخضاع.
عقوبة كانت تُنزَل بها في بيدِس إن أخطأت.
من يقع تحت هذا السحر، تُنقل كلّ حركاته وأفعاله إلى الساحر.
يُراقَب طعامه، وأحاديثه… سحرٌ يُستَخدم للعبيد.
لم تستطع جِينَايدا ضبط ملامحها.
ذكريات الإيذاء، وإن انتهت، ظلّت ندبة لا تُمحى.
حين انتقلت من فرسان المعبد إلى حرس الإمبراطور، عرفت الحرّية.
والآن… يعود القيد من جديد.
كان الربيع دافئًا، لكن المكان بدا باردًا.
ابتسم فيليكس ساخرًا.
“ألم تقولي إنك تستطيعين فعل أيّ شيء؟ أهذا كلّ ولائك؟”
“… أعتذر….”
قاطعها:
“قريبًا، ستفقد الوحوش في ساحة الصيد السيطرة. عشرات الوحوش ستستهدف كايدِن وحده.”
ثم أردف بنبرة باردة:
“سنثبت ولاءك بعد موت كايدِن.”
‘أين هو؟’
في تلك الأثناء، كان إِيلين قد تسلّل إلى ساحة الصيد، يبحث عن كايدِن بعينين متّقدتين.
التعليقات لهذا الفصل " 14"