الفصل الثالث عشر
عند جوابها، ارتسمت على شفتي إِيلين ابتسامة عريضة، وكأنه أساء الفهم وظنّ أن جِينَايدا بدأت تميل إليه.
وكأنه ليُحكِم المسمار، جاء صوته المراوغ الناعم بسؤاله المألوف.
“وما طلبك؟”
خمد ذلك الجنون الخافت الذي كان يتسرّب من نبرته، وتلاشت نية القتل. تنفّست جِينايدا الصعداء في سرّها، ثم واصلت كلامها.
“عندما أطلب منك المساعدة، تساعدني بلا قيد ولا شرط. أيًّا كان الشرط.”
كان عقدًا مجحفًا.
ومن ذا الذي يرضى به وهو لا يعلم متى، ولا كم مرّة، سيُستدعَى؟
غير أنّ جِينَايدا، الواثقة، رمقته بنظرة حاسمة. ولما رأى إِيلين أنّها لا تُستهان بها، شرع يناور محاولًا جرّ الكفّة لصالحه.
اقترب منها متعمّدًا، وسأل بصوت رخيم:
“ولا أستطيع أن أعرف الشرط مسبقًا؟”
“لأنني لا أعلم متى سأحتاجك.”
أطلق إِيلين ضحكة قصيرة ساخرة، مستهزئًا بهذا العرض الذي لا يخدم سوى طرف واحد.
“أنانية أنتِ.”
“إذًا، ستفعل أم لا؟”
كان سبًّا صريحًا، لكن جِينَايدا لم تُجبه عليه، واكتفت بالضغط على مطلبها.
استمرّ شدّ الحبال بينهما برهة.
حدّق فيها طويلًا، ثم أومأ برأسه علامة القبول.
همّت جِينَايدا بالتراجع، لكن إِلِن اندفع فجأة فأعادها إلى حضنه. عقدت حاجبيها قليلًا، فضحك مستمتعًا وهمس لها بنبرة مثيرة للقشعريرة:
“حسنًا، فلنفعل ذلك إذًا. إن احتجتِ إليّ، أرسلي قوّة الأرواح في الأرض. سأكون دائمًا إلى جانبك.”
كان كلامًا دافئًا… لكنه مخيف على نحوٍ غامض.
“حسنًا، فهمت.”
ما إن سمع جوابها حتى ابتعد عنها، وتوجّه هذه المرّة نحو كايدِن الذي كان يتحفّز له بحذر. مدّت جِنَايدا يدها على عجل، لكن دون جدوى.
تصرف إيلين ببرود، وجعل حدّ السيف يلامس صدره. رمقه كايدِن بنظرة ضيق، بينما ابتسم إِلِن بسخرية راضيًا عن ردّة فعله.
“سأغادر الآن. ولستما زوجين حقيقيين، فلا تُفسد وجهك هكذا.”
شدّ كايدِن قبضته على مقبض السيف، لكن حين هزّت جِينَايدا رأسها ببطء نافية، طالبته ألا يقتله، أرخى يده.
وفي تلك اللحظة القصيرة، تلاشى كالدخان.
ساد السكون بين الاثنين.
ولم يكن سوى الريح العابثة تعبث بشعريهما.
حرّك كايدِن شفتيه.
انتظرت جِينَايدا، ظنًّا منها أنّ لديه ما يقوله، لكنه لم ينطق في النهاية.
رتّب سيفه، وحدّق فيها لثوانٍ أخرى، ثم استدار ومضى.
‘كأنه كان يريد أن يقول شيئًا…’
تساءلت جِينَايدا في نفسها عمّا كان ينوي قوله، لكنها سرعان ما دفنت السؤال في أعماقها.
فحتى لو سألت، فلن يجيب.
ظلّت تراقبه حتى اختفى تمامًا، ثم تحرّكت أخيرًا.
منذ ذلك اليوم، كان اللقاء الوحيد بين جِينَايدا وكايدِن داخل العربة المتجهة إلى ساحة الصيد الإمبراطورية.
الاثنان اللذان كانا يتجنّبان بعضهما في القصر، تبادلا مرافقة رسمية مشوبة بالحرج.
طَقّ.
أُغلق باب العربة بخفّة، وبدأت العجلات بالدوران.
كشفت جِينَايدا الستارة بيدٍ مألوفة، تطلّعت إلى الخارج.
بعد أن اتفقا ضمنًا على علاقة شكلية، كان عليها أن تعتاد هذا الصمت.
لكنها لم تستطع أن تُبعد نظرها عنه تمامًا.
فهو سيشارك اليوم في مسابقة صيد الوحوش، تلك التي تفقد فيها الوحوش سيطرتها.
قد تتغيّر العلائق السببية كما تغيّر المستقبل بعد عودتها، لكن ذلك مجرّد احتمال، لا يقين.
‘إن وقع الأمر بالفعل، فسيكون الأوان قد فات.’
صحيح أن كايدِن، بخبرته في شمال البلاد، يتفوّق على غيره، لكن المشكلة في كلمة واحدة: “الهياج”.
عندها، تتضاعف قدرات الوحوش بشكل مخيف.
ولا أحد يعلم ما الطارئ الذي قد يحدث.
‘هل أستطيع أن أغيب خفية؟’
سيكون صعبًا في البداية، لكن بعد أن تخفّ حدّة الأجواء، قد أتمكّن.
‘لا يجوز أن أفشل.’
قد يرفض كايدِن مساعدتها، إذ لا يراها سوى من خاصّة الإمبراطور.
المساعدة مع الحفاظ على المسافة… شرط شاق.
عضّت جِؤنَايدا إصبعها دون وعي. كانت تعلم أنّها عادة سيئة، لكن القلق كان يدفع يدها إلى فمها.
حينها، ناداها صوت منخفض.
“جِينَايدا.”
أنزلت إصبعها بسرعة، ونظرت إليه.
مرّ نظر كايدِن على أظافرها لحظة، ثم عاد إلى عينيها. اهتزّت عيناها بخفّة.
سألها بوجه ألين من الأمس:
“بِمَ تفكّرين كل هذا التفكير؟”
جفّ فمها، فابتلعت ريقًا غير موجود، وألقت عذرًا واهيًا.
“… أشعر بالتوتّر.”
لم يكن بوسعها أن تبوح له بالحقيقة.
نظر كايدِن إلى النافذة دون تعليق. حبست جِينَايدا أنفاسها، وقبضت على فستانها.
‘هل صدّق؟’
لو أمكنها قراءة ما في قلبه…
لكن لا يجب أن يعلم. هكذا فقط سينجو ويُتمّ المسابقة بسلام.
وبعد قليل، وصلت العربة إلى ساحة الصيد.
تقدّمت جِينَايدا إلى مقاعد الضيوف بمرافقته. كان هناك النبلاء، والإمبراطور، وفيليكس.
استقبلهم فيليكس بحرارة.
“لقد جئتما.”
حيّياه وتوجّها إلى مقعديهما.
همّ كايدِن بالمغادرة للمشاركة، فأمسكته جِينايدا بسرعة.
تبادل الاثنان نظرة طويلة، وكأن الزمن توقّف.
‘ما الكلمة اللائقة التي يمكن أن تقولها لزوج في زواج سياسي؟’
بعد لحظة تردّد، قالت جملة واحدة فقط:
“ابذل جهدك.”
لا تشكّ بلا داعٍ، لا تتحمّل كل شيء وحدك، ولا تُصب بأذى.
كان لديها الكثير لتقوله، لكنها كتمته.
ابتسم كايدِن بلطف، وهمس:
“كما تأمرين، يا سيدتي.”
بينما استعدّ المشاركون، نشر كهنة مملكة بيديس ستارًا عظيمًا حول مقاعد الضيوف.
تساءلت جِينَايدا بدهشة.
‘أمن الضروري قدومهم من الدولة البابوية؟’
ابتسم الإمبراطور وقال:
“يبدو أن قداسة البابا أولى الأمر اهتمامًا خاصًا، بما أنّ ابنته تحضر.”
ابتسمت جِينَايدا مجاملة:
“طالما أنّ جلالتكم تحضرون، فمن الطبيعي أن يهتمّوا.”
ومع تبادل الأحاديث، بدأ المشاركون بالظهور.
لمحت كايدِن في المقدّمة، مدجّجًا بدرع مصقول، على حصان أبيض لا يركبه إلا أفراد العائلة الإمبراطورية.
طالته أنظار السيدات.
أشاحت جِينَايدا بوجهها، وقلبها يخفق.
‘لا ينبغي أن أحبّه…’
لكن قلبها يخالف ارادتها.
شدّت على شفتها، واستقامت.
“أيّها السادة والسيدات، شكرًا لانتظاركم!”
تلا المنادي القواعد، ثم ختم:
“نتمنى لكم حُسن الطالع!”
وانطلق المشاركون.
وكان كايدِن أوّل من دخل ساحة الصيد.
التعليقات لهذا الفصل " 13"