لم يكن لانسلوت والدها البيولوجي، لكنه كان من رعَاها طويلًا إلى جوارها، وربما كان—في بعض الوجوه—أقرب إلى الوالد من والديها الحقيقيين.
“…كفى.”
هزّت جينايدا رأسها نفيًا وأدارت وجهها.
أومأ لانسلوت بعينيه نحو السرير، وكأنه يحثّها على النوم. لكثرة ما ألحّ عليها، لم تجد بدًّا من الاستلقاء. وحين فعلت، غطّاها باللحاف كما لو كان ينتظر تلك اللحظة.
رغم أنه ربيعٌ بارد في جوف الليل، شعرت وكأن أنفاسها تضيق.
“أأغنّي لكِ تهويدة؟”
تقطّبت جينايدا قليلًا، مستاءةً من معاملته لها كطفلة. وبحركة سريعة، أدارت جسدها نحو الحائط ورمقته بحدّة:
“لا حاجة. لكن في المرة القادمة، إن ناديتك، فلتظهر فورًا.”
كان صوتها مشبعًا بالضيق، لكن لانسلوت ابتسم ابتسامةً رآها لطيفة، وردّ بمكرٍ لطيف:
“إن كان الأمر كذلك، فلا داعي لإضافة ‘السيد*’، ناديني باسمي فحسب.”
موروها. غلطه مني يا جماعة ما بكررها الفصول الجايه إن شاء الله
لم تُجبه جينايدا.
“حسنًا، نامي. نامي.”
ظلّ يربّت عليها حتى غفت، ولم ترفض لمسته.
ومع مرور الوقت، وحين صار تنفّسها منتظمًا، أبعد لانسلوت يده عن ذراعها. لم يبقَ في الغرفة سوى صوت أنفاسها الهادئة.
ظلّ يتأملها قليلًا، ثم سحب كرسيًا بهدوء وجلس قرب السرير.
‘كأنها كانت طفلةً بالأمس فقط… ما أسرع انقضاء السنين.’
حين رآها لأول مرة، كانت طفلة فقدت أمّها، مشبعةً بالحدّة. أمّا الآن، فقد صارت طفلةً حمقاء مستعدّة للموت من أجل شخصٍ واحد.
تمتم لانسلوت وهو ينظر إلى وجهها النائم:
“لعلّه خيرٌ أنها تغيّرت عمّا كانت عليه قبل العودة.”
رفع بصره إلى القمر المعلّق خارج النافذة، وتمنّى في سرّه:
“ليتها تعيش هذه المرة.”
في صباح اليوم التالي، ما إن فتحت جينايدا عينيها حتى تناولت فطورًا وافرًا، ثم خرجت تتجوّل في الحديقة الخلفية.
‘كنت أنوي البقاء في الغرفة.’
في ظلّ إعلان إيلين نيته العودة، لم يكن في رؤيته من قِبل الآخرين ما يُحمد عقباه.
لكن الخادمة ألحّت عليها بابتسامةٍ واسعة، وقدّمت لها من الطعام ما جعلها تأكل أكثر من المعتاد.
“ولهذا أنا…”
كانت تنوي المشي وحدها، لكن دالتون رافقها وتحدّث معها.
‘لا بأس…’
إنه وقت قصير، وفي وضح النهار.
دفعت القلق جانبًا، وانخرطت معه في أحاديث عابرة. فهدف إيلِن، على أي حال، هو هي.
‘وإن حدث طارئ، أطلب من لانسلوت حماية دالتون.’
وبينما كانت تُقلّب في رأسها الاحتمالات، أخذ وجه دالتون يتجمّد شيئًا فشيئًا.
مالت جينايدا برأسها في دهشة، فرأت في نهاية نظرها كايدن، وقد اقترب منهما.
إزاء كلامٍ لا يستقيم، رفعت جينايدا رأسها ببطء وحدّقت أمامها.
كان كايدن قد استلّ سيفه ووجّهه نحوها—بل نحو إيلين خلفها.
إزاء القتل الصريح في عينيه، راح إيلين يحدّق فيه من أعلى إلى أسفل، ولوى شفتيه.
“يبدو أن قتله هو الخيار.”
نبرته المستفزّة جعلت جينايدا تلتفت إليه قليلًا.
وحين شعر بنظرتها، عاد يرسم ابتسامةً بعينيه كأن شيئًا لم يكن. تبدّل ملامحه السريع بعث في جسدها قشعريرة؛ كان في عينيه جنونٌ خافت.
اجتاحها شعورٌ مشؤوم.
‘كايدن في خطر.’
حاولت أن تحوّل نظرها، لكن كايدن ظلّ يفيض نية قتلٍ موجّهة إلى إيلين.
“ارفع يدك القذرة.”
رغم التحذير الحاد، لم يبالِ إيلين، بل التصق بجينايدا أكثر.
“لن تتدخّلي؟”
“……”
“أيها المسخ الملعون.”
حين مُسَّ وتره الحساس، تصلّبت ملامح كايدن على نحوٍ لم يُقارن بما قبل، وتفجّرت منه هالة قتلٍ خانقة. لولا وجود جينايدا بينهما، لكان أحدهما قد سقط قتيلًا.
لكنها لم تستطع الوقوف مكتوفة الأيدي. توجّهت أولًا إلى كايدن بصوتٍ هادئ:
“أرجو أن تُنزل سيفك. وأنتَ أيضًا، ابتعد فورًا.”
تردّد الاثنان لحظة، ثم امتثلا لكلامها.
بادرت جينايدا بتفقّد المكان. ولحسن الحظ، لم يكن هناك أحد سواهم الثلاثة: كايدن، وإيلين، وهي. تنفّست الصعداء، ثم تابعت بنبرةٍ متّزنة:
“مولاي. أعتذر، لكن هل تفسح لنا المجال لأتحدّث معه على انفراد؟”
كان رجاءً صادقًا، غير أن كايدن رفضه بصرامة:
“لا.”
عندها، تدخّل إيلين فجأة في الحديث:
“صحيح، لا.”
وحين التفتت إليه جينايدا، كان يبتسم عند زاوية فمه، ويشرح السبب بكل هدوء:
“خطرت لي فكرةٌ جيدة قبل قليل.”
ثم ابتسم ابتسامةً ماكرة.
“كنت أنوي أخذكِ بالقوة، لكني غيّرت رأيي.”
“……”
“سمعت حديثكما مصادفة. هل ستتطلّقين من هذا الرجل؟”
هل سمع جوابها عن رغبتها في أن تكون فارسة الإمبراطور؟ اضطرب قلبها، لكنها لم تُظهر شيئًا.
وفي أثناء ذلك، اقترب منها إيلِين أكثر، وهمس قرب أذنها:
“إن تطلّقتِ منه، هل تتبعينني؟”
قطّبت جينايدا حاجبيها وحدّقت فيه:
“لماذا تفعل هذا بي؟”
“قلتُ لكِ. لأننا روحانيان من الطينة نفسها، وسآخذكِ معي.”
“لهذا السبب وحده؟”
في الماضي، فقد الروحانيون عددًا كبيرًا من أرواحهم على يد إمبراطورية آدين. لكن رغم ذلك، لم تستوعب هذا التعلّق المرضي بها، وهي التي أقسمت الولاء لإمبراطور آدين.
“نعم.”
كان إيلِين عنيدًا بلا منطق.
نظرت إليه جينايدا شاردةً من شدّة الذهول.
‘في النهاية، لن أعرف أيّهما الحقيقة.’
فهو لن يكفّ حتى يسمع الجواب الذي يريده. فهل من الأفضل خداعه، وربط يديه وقدميه؟
لم تكن تريد الاعتراف بذلك، لكن إيلِين كان قويًا.
الروح التي رأتها الليلة الماضية—كانت من طبقة عليا بين الأرواح.
والأرواح لا تقبل متعاقدًا لا يناسب وعاءها.
كان إيلِين، إن صار عدوًا، عبئًا ثقيلًا، لكنه إن صار حليفًا، كان ذا فائدة عظيمة.
فقوة الأرواح كانت يومًا ما من القوة بحيث طمع فيها البابا نفسه.
الخطر قائم إن غيّر رأيه وقتل البشر، لكن—
‘هو يريدني أنا.’
ولو حاولت إبعاده قسرًا، لزاد جنونه. أليس قد قتل أبرياء لمجرّد أن يصل إليّ؟
لم تستطع طرد شعور الاشمئزاز، لكن اختيار الشرّ الأخفّ خيرٌ من الوقوع في الأسوأ.
التعليقات لهذا الفصل " 12"