الفصل العاشر
في عصر ذلك اليوم، قصد دالتون دار الدوق كما وعد.
وحين بلغ الخبر جينايـدا، استدعته إلى قاعة الاستقبال وقدّمت له الشاي. أخذ دالتون يحدّق في الداخل العريق وهو يمسك فنجان الشاي على نحوٍ مرتبك.
وإذ رأت ارتباكه، رغبت جينايـدا في إرخاء توتره، فخاطبته بنبرة خفيفة:
“كيف الشاي؟ أوصيتُ أن يُحضَّر مما تحب عادةً.”
كان دالتون يفضّل شاي النعناع البارد.
وقد كانت جينايـدا تتذكر ذلك. لكن رغم سؤالها، ظل جسده متصلّبًا كأنه لوح.
ولما أطبقت فمها لحظةً تفكّر في حديثٍ تفتحه، بادر دالتون على عجل قائلاً:
“أعتذر. أنا ريفيّ الأصل، ولست معتادًا على هذه الأجواء الراقية.”
وكانت جينايـدا مثلَه في ذلك.
قبل عودتها بالزمن، حين رأت القصر الدوقي المهيب، انقبض صدرها بلا سبب، فلبثت أيامًا لا تخرج من مخدعها، حتى طعامها كانت تتناوله في غرفتها لا في قاعة الطعام.
وبالمقارنة بها، كان دالتون أسرع تكيّفًا. رفعت جينايـدا طرف شفتيها ابتسامةً لطيفة، وأكملت الحديث بنبرة هادئة:
“وماذا قال القائد هارولد؟ ذاك الرجل، لو كان الجمود مسابقة، لحلّ في الصدارة.”
“لعل طبيعته أنه لا يمنع من يأتي ولا يستبقي من يرحل، فقد أذن لي بالمغادرة دون اعتراض.”
كان القائد هارولد مشرفًا على تدريب تابعي الفرسان. وبسبب طبعه الصارم المتمسك بالأصول، خشيت جينايـدا ألا يسمح لدالتون بالمغادرة، لكن ذلك كان هاجسًا لا أكثر.
‘ما دام دالتون قد وصل إلى القصر، فقد التقطت أنفاسي.’
لا بد أن الروحاني سيأتي إلى دار الدوق لا محالة. وها أنا سأرى ذلك الوجه المتعالي أخيرًا.
شدّت جينايـدا مقبض الفنجان بقوة. ترى ما الذي يدفعه إلى هذا كله؟
مكانة الروحاني في الإمبراطورية في الحضيض. وكان من البديهي أن يتجنب أي فعلٍ يلفت الأنظار عبثًا،
إلا إذا كان يقصد أن يثير عداء الناس تجاه الروحانيين.
‘أم أنه تعمّد إحراجي؟ روحاني يتسلل إلى حضرة الإمبراطور نفسه.’
ارتشفت جينايـدا جرعة من الشاي. وبرودة النعناع هدّأت شيئًا من الأفكار المتداخلة.
‘على أي حال، حين يأتي الليل، سيتضح كل شيء.’
ستعرف عندها ما غايته من لقائها.
وضعت جينايـدا الفنجان، وفي اللحظة نفسها تلاشى الظل الداكن عن وجهها.
“ما رأيك أن نتمشّى قليلًا في الحديقة الخلفية؟”
—
سارت جينايـدا مع دالتون في الحديقة الواقعة خلف القصر.
كانت الأزقة مزدانة بأزهار تناسب فصل الربيع؛ الأصفر والأحمر والبنفسجي، تتباهى بجمالها، دون الأبيض.
خطت خطوةً إثر خطوة، تستنشق عبيرًا كثيفًا، فيما كانت عيناها تتحركان على عجل مع خشخشة العشب.
ذلك الروحاني الذي قتل فارسًا من فرسان الإمبراطورية خلسة، دون أن تُكشف هويته، قد يكون مختبئًا هنا في هذه اللحظة.
وبينما كانت جينايـدا تفكر كيف تُبعد دالتون إن ظهر الروحاني، التقت عيناها بنظرة دالتون الثابتة عليها.
كان يبدو وكأنه أيقن أن لديها ما تخفيه عنه.
“هل هناك ما تُخفينه عني؟”
“لا، ليس هناك شيء.”
“إن كان الأمر كذلك فسأشعر بالأسى. أليس من الظلم أن تُخفي عني أنا تحديدًا؟ أكلّ المودة التي بنيناها قد نُسيت؟”
وإذ رأت دالتون يتذمّر بقلق، أفلتت منها ضحكة بلا قصد. كأنه كان كذلك منذ لقائهما الأول.
بالنسبة لها، كان دالتون أشبه بابن أخ.
مع أن بنيته الجسدية كانت قد تجاوزتها منذ زمن.
“ألم أقل لك إنني أقدّمكِ على الأوامر الإمبراطورية؟”
كفرخٍ يتبع أمَّه بلا شرط.
‘لهذا لم أرد أن أتورّط معه.’
قبل العودة بالزمن وبعدها، كان دالتون يمنحني نفسه. سواء جُرح أم قُتل، لا يهم.
وجينايـدا لم تكن تريد ذلك.
كانت تتمنى له أن ينساها، ويعيش حياةً عادية كما في الحياة السابقة. فحياته أثمن من أن تُفدى بشخصٍ مثلها.
“دالتون.”
“نعم، سيدتي جينايـدا.”
“الالتزام بالفروسية أمرٌ حسن، لكن لا تُرهق نفسك.”
“لكن…”
“لا تفكر بالموت من أجلي.”
ومع ختام كلماتها، داعب نسيم الربيع وجنتيها، وعبث الهواء الفاتر بخصلات شعرها.
وبينما كانت تمرر شعرها على سبيل العادة، توقفت فجأة عند سماع حركةٍ بقربها.
وقفت جينايـدا جامدةً في مكانها، ثم أدارت رأسها بسرعة نحو الصوت الآتي. وفي نهاية نظرها وقف شخصٌ غير متوقّع.
“……”
كان كايدن.
بوصفه صاحب القصر، لم يكن وجوده أمرًا مستبعدًا، لكنها لم تتوقع لقاءه في الحديقة.
ومن خلال ما رأته سابقًا، كان نادرًا ما يخرج إلى الحديقة. وغالبًا ما يمضي وقته في غرفته، وإن خرج فقبيل الليل.
‘ظننت أننا لن نلتقي.’
قبضت جينايـدا على يدها دون أن تُظهر ذلك. لا شيء أكثر عبثًا من مواجهة من تسعى لقطع مشاعرك تجاهه وجهًا لوجه.
أدارت نظرها نحو دالتون وقالت:
“لنعد إلى الداخل، دالتون.”
“آه، نعم.”
كان دالتون، الذي ظل واقفًا بهدوء، سريع الاستجابة لكلامها. حاولت جينايـدا أن تمرّ بجانب كايدن ببرود، كأن شيئًا لم يكن.
لكن في تلك اللحظة—
“نلتقي مجددًا. اسمك دالتون، أليس كذلك؟”
هذه المرة لم ينادِ كايدن جينايـدا، بل أوقف دالتون.
حاول دالتون تجاهل أمر الدوق والمضيّ قدمًا، لكن خطواته توقفت عند نية القتل المنبعثة من سيف كايدن المسلول.
ورغم استلال السيف المفاجئ، لم يُبدِ دالتون دهشة، بل مال برأسه قليلًا.
رمقه كايدن بنظرةٍ حادة كسنّ النصل.
“…لا بأس بشجاعتك، على الأقل.”
رغم النظرة المزعجة، كانت كلماته عادية إلى حدٍّ مريب. فردّ دالتون على همهمته:
“أليس هذا أمرًا بديهيًا، ما دمت اختيار السيدة جينايـدا؟”
“…إخلاصك لسيدتك مفرط قليلًا.”
ومع كلماته، أعاد كايدن السيف إلى غمده. ثم اقترب من جينايـدا التي كانت تتقدم أمامه، وقال ساخرًا:
“اقتنيتِ خليلاً نافعًا. أبقيه إلى جوارك دائمًا. فكما قلتِ، النبلاء يتخذون خليلة أو اثنتين.”
وبعد أن قال ما أراد من طرفٍ واحد، اختفى كايدن مع موريس.
أطبقت جينايـدا فمها بإحكام.
—
في تلك الليلة.
كانت جينايـدا تحدّق في الفراغ خارج النافذة، أو بالأحرى في الحاجز الذي يلف هذا القصر.
غشاءٌ رقيق، كأنه موجود وغير موجود في آن.
‘لم يظهر فيه شرخ بعد.’
وحدهم من يملكون قوة التطهير، كفرسان المعبد أو الكهنة، يستطيعون رؤية الحاجز بالعين المجردة.
توقعت جينايـدا أن يتسلل الروحاني إلى القصر بهدوء. فلو كان ينوي إثارة الفوضى، لكان قد ذبح الناس في القصر الإمبراطوري منذ زمن.
ولم يكن ليكتفي بقتل شخصٍ واحد فقط.
‘الذي يريده هو أنا.’
لم تكن تعلم ما الذي ينوي فعله بها، لكنها كانت مستعدة، وكذلك لما قد يحدث إن رفضت عرضه.
ولأن احتمال القتال وارد، كانت ترتدي زيّ الفروسية، وسيفها معلّق إلى جانبها.
‘للاحتياط… عليّ أن أستدعي روحي.’
ولكي تستدعي الروح، قبضت جينايـدا على حدّ السيف بيدها العارية. وعلى خلاف ما حدث في قاعة الوليمة، لم يكن كايدن ليقتحم المكان فجأة، فلا بأس.
فهي فارسة قادرة على شفاء نفسها. وإن لم يكن الجرح عميقًا، استطاعت معالجته بسهولة.
سال دمها قطرةً قطرة على النصل المصقول.
لكن مهما طال الانتظار، لم يظهر الروح المتعاقد معه.
شدّت جينايـدا قبضتها أكثر، لتغوص الحافة أعمق، غير أن الألم ازداد، وبقي كل شيء حولها ساكنًا.
‘حقًا… متقلبٌ على هواه!’
عقدت حاجبيها من الألم والضيق.
وفي النهاية، أفلت السيف من يدها تحت وطأة الوجع.
“تبا…”
دويٌّ!
وبينما كانت تتمتم بسبابٍ خافت، دوّى صوتٌ أقرب إلى الانفجار. وفي لحظة، امتلأ المكان بالدخان والغبار، وحُجبت الرؤية.
تحركت جينايـدا نحو الشرفة. وحين تنفست الهواء النقي مبتعدةً عن الرائحة الخانقة، تسلّل بردٌ قارس إلى صدرها مع الأنفاس.
وبعد ثوانٍ هدأت الفوضى، ودغدغ سمعها صوتٌ لم تألفه من قبل:
“مرحبًا، جينايـدا.”
رفعت جينايـدا سيفها بحذر. انعكس وميض الليل على نصله، فتألّق بحدة، وكان القتل معقودًا على رأسه.
لكن صاحب الصوت هبط إلى الشرفة بابتسامة بريئة، حتى إن عينيه كانتا تضحكان. وكان جسده كله ملفوفًا بضوءٍ ذهبي.
وأدركت جينايـدا بحدسها أن ذلك الضوء هو قوة الأرواح.
“أنت من ترك علامة الروح.”
وعند قولها ذلك، انفجر الرجل ضاحكًا ورفع صوته:
“نعم، صحيح! كما توقعتِ، عرفتِني فورًا.”
كان فرحه أشبه بمن يلتقي أهلًا افترق عنهم طويلًا، مع أنه ارتكب القتل لمجرد ترك علامة.
ذلك الذي سلب الأرواح بلا أدنى شعور بالذنب، كان بريئًا إلى حدٍّ مخيف. ظل ينظر إليها بوجهٍ مفعمٍ بالابتسام، وقد بدت عليه علامات القلق.
“لماذا تفعلين هذا بنفسك؟”
وكان نظره قد استقر على كفّ جينايـدا، حيث كان الدم لا يزال يسيل.
——-
حتى الفصل 15 في توبيك التيليجرام~
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"