لفصل الأوّل
ثمّة ذكريات، مهما حاول المرء نسيانها، تأبى أن تُمحى.
وكان التخلّص من تلك الذكرى يتطلّب جهدًا شاقًّا، يكاد يُستنزف له العمر.
سخرت جينايدا من كايدِن، الذي كان يلهث بأنفاس متقطّعة على نحوٍ أخرق.
“لقد تعمّدتَ أن تجرح جرحًا سطحيًّا، أليس كذلك؟ لماذا؟
أتركتَ بقيةً من مودة؟”
وكأنّ جسده الممزّق إلى أشلاء بالية يشهد على أنّ بينهما معركة دموية قد دارت.
لم يُجب كايدِن. بل ألقى بالسيف الذي كان في يده، واندفع يعانق جينايدا بذراعين فارغتين.
فزعت للحظة من هذا التصرّف غير المتوقّع، وتشنّج جسدها، غير أنّها توقّفت حين بلغ مسامعها صوته الواهن المفعم بالأسى.
“لحظة واحدة فقط…”
وتابع بصوتٍ متشقّق بالكاد يحمل الكلمات:
“أما يمكننا أن نبقى هكذا… لحظة واحدة فقط؟”
زوجٌ يعانق زوجته التي تفوح منها رائحة القتل.
ارتجف طرف شفتي جينايدا، ثم آثرت الصمت.
فهو على أيّ حال على شفا الموت. وكانت واثقة بقدرتها على صدّ أيّ هجوم مباغت.
فهي فارسة، ولا تعرف التهاون في حضرة عدو.
وحين لم تصدر منها إجابة، بدا أنّ كايدِن فهم صمتها قبولًا، فشدّ ذراعيه حولها.
تلامست معاطف الفرو الملطّخة بدمائهما، وتناهى إليهما خفقان قلبٍ قويّ، كأنّه يعلن عن وجوده.
لم يكن قلب أحدهما وحده، بل صوت قلبين متداخلين.
ثم ناداها بصوتٍ أجشّ منخفض:
“جينايدا.”
كان في نبرته حزنٌ بالغ، حدّ أنّها تمنّت لو لم تسمعه قطّ.
صرّت على أسنانها محاولةً التراجع، غير أنّه أمسك خصرها ولم يتركها.
مدّت يدها لتدفع ذراعه بعيدًا، ثم قبضت قبضتها في الفراغ.
كانت حركة واهنة، مثقلة بالعجز.
“كزوجك، أسألك…”
تسلّل هواء الشمال البارد من بين أصابعهما.
“هل أحببتِني يومًا؟”
كان سؤالًا فجائيًّا، لا يشبه أسئلة من يواجه الموت.
ومع انتهاء كلماته، ارتخت اليد التي كانت تشدّها، وسقطت بلا حول.
حينها فقط خطت جينايدا خطوة إلى الوراء، ورفعت بصرها إليه.
أكان يبتسم أم يبكي؟
عيناه البنفسجيتان مضطربتان، كأنّ الدموع على وشك الانهمار، غير أنّ شفتيه كانتا معقودتين بابتسامة رقيقة.
على نحوٍ غريب…
أجابت، وكأنّها مسحورة:
“…نعم، أحببتك.”
ابتسم كايدِن ابتسامةً أوسع من ذي قبل، وقد امتلأت بالكذب.
رأت جينايدا تلك الابتسامة، فتيقّنت أنّه يُمثّل.
فهذه التعابير بعينها كان يُظهرها طوال حياتهما الزوجية.
الابتسامة الدافئة، والقلق الحنون.
‘حتى اللحظة الأخيرة… تمثيل؟’
لكن… لكن…
كان قلبها يتألّم.
عضّت شفتها السفلى، وكأنّ أحدهم يعصر قلبها قسرًا.
تبعثر كلّ شيء.
داهمها فجأة خوفٌ من هجومٍ مضاد، فاندفعت بغريزتها وطعنت بطنه بالسيف.
ابتسم كايدِن ابتسامةً باهتة.
“هذا… يكفي.”
وما إن أنهى كلمته، حتى تقيّأ دمًا غزيرًا وانهار.
تلّقت جينايدا جسده المرتخي بذراعين مرتجفتين.
كان جسده واهنًا، مستسلمًا في حضنها.
ومع مرور الوقت، هبّت العاصفة الثلجية، وسرعان ما بردت حرارته.
وعلى العكس، كان قلبها يخفق أسرع، ويشعّ بحرارة لا تفسير لها.
‘لقد مات فعلًا.’
الرجل الذي أحبّ النظام والاستقامة، انهار على نحوٍ قبيح.
وحين ازرقت شفاهه، أدركت جينايدا موته أخيرًا.
أنزلت جسده ببطء، وأضجعته فوق الثلج.
كان كأنّه نائم.
لولا الدماء من حوله، لظنّت أنّه غفا فحسب.
وبينما كانت عيناها تضطربان…
«اقتلي الخائن كايدِن.»
ارتدّ صدى الأمر الإمبراطوري أمام ناظريها.
أفاقت جينايدا، وردّدت في سرّها، كأنّها تغسل عقلها:
‘سأعود إلى جلالة الإمبراطور.’
كان من الواجب إعدام ثلاثة أجيال من عائلة الخائن، غير أنّ جينايدا كانت استثناءً.
فزواجها من كايدِن لم يكن سوى مكيدة إمبراطورية.
مكيدة لقتل الوحش البنفسجي القادر على إبادة السلالة الإمبراطورية.
نظرت إلى الدماء العالقة بيديها.
دم وحشٍ خان المعبد.
لم أقتل إنسانًا… بل وحشًا.
ارتعشت عيناها باضطراب.
وحين وقعت عيناها على جثمانه مجددًا، غسلت يديها في الثلج، كمن يُطارَد.
لتغسل ما تبقّى في قلبها من ذكرياتٍ قذرة.
—
بعد أيام، وصل جيش الإمبراطور والبابا إلى الشمال، واعتقلوا جميع من في القلعة.
لم تُعتقل جينايدا.
فهي قاتلة كايدِن، بطل النبوءة المشؤومة.
دخلت القلعة الخاوية، وتلفّتت في القاعة المركزية التي خلت من أيّ رائحة بشر.
على خلاف نبلاء العاصمة الذين اتّهموها باستخدام قوى الأرواح المشؤومة، كان أهل هذه القلعة يرون فيها دوقةً مسكينة تزوّجت من دوقٍ مخيفٍ صامت.
“مولاتي الدوقة، هل تودّين هذا؟”
“لكن مولاتي تحبّ ذاك أكثر، أليس كذلك؟”
“لا! هذا هو المفضّل!”
تردّدت أصوات الخدم في ذاكرتها، فحلّ دفءٌ عابر في المكان البارد.
ابتسمت دون وعي، ثم شدّت ملامحها.
هي من قدّمتهم للإمبراطور.
فهل يحقّ لها أن تتذكّرهم؟
عضّت لحم فمها.
‘لم أكن مخطئة.’
أنا فارسة وفيّة للإمبراطور.
وسعادة الإمبراطور هي سعادة قداسة البابا.
من أجل هذين، أعيش.
ثبّتت إيمانها المتزلزل، ومضت حيثما حملتها قدماها.
توقّفت أمام غرفة مرتّبة بعناية.
عرفت فورًا أنّها غرفة كايدِن.
فحيثما طال مكث المرء، بقي أثره.
كادت تخرج، ثم استدارت.
حدّقت نحو السرير.
في هذا المكان وحده، سكنت الذكريات.
الليلة الأولى… وليالي الزوجية.
داهمها الدوار.
ندمت على دخولها.
لكنّ بصرها توقّف عند حجرٍ سحريّ على الطاولة، وبجواره دفتر صغير.
مدّت يدها، كأنّها مسلوبة الإرادة.
فتحت الدفتر.
[- 10 نيسان 543 بالتقويم الإمبراطوري
وصلتُ إلى العاصمة للقاء زوجتي.
كان زواحا رتبه أخي الأكبر.
جينايدا هارمون… لا، جينايدا آرثر الآن.
حين أنظر إلى عينيها الزرقاوين العميقتين، يختنق نفسي.]
[- 3 أيار 543
تناولت الطعام مع زوجتي للمرّة الأولى.
ظننتها تتجنّبني، لكنّها لم تكن تعرف آداب المائدة.
علّمتها بلطف.
كان خجلها… لطيفا.]
[- 24 حزيران 543
عدتُ بعد مصالحة ملك الإلف.
لكن… ماذا تحبّ زوجتي؟
عيد ميلادها قريب، الجميع يعرف، إلا أنا.
أنا زوجها.]
[- 12 تشرين الأوّل 543
قلتُ لها إنّي أحبّها.
ربّما ليس للمرّة الأولى.
هل تتذكّر؟
كانت المرّة الثانية.]
[- 15 كانون الأوّل 543
لا تزال لا تتذكّرني.
وربّما… هذا أفضل.
لا خير من الاقتراب من شخصٍ مشؤوم مثلي.]
انتهت اليوميّات هنا.
وفي اليوم التالي… قتلته جينايدا.
سقطت دموعها على الورق.
همست:
“لا…”
“…أتذكّر. كلّ شيء.”
الاعترافات.
مهرجان الألعاب الناريّة في طفولتهما.
لكنّ الثلج المتساقط… جعلها تريد أن تتخلّى عن كلّ شيء.
“ما اسمك؟”
“كايدِن… وأنتِ؟”
أنا فارسة الإمبراطور.
سيفه.
لكن آثار القلعة تشبّثت بقلبها.
ضربت صدرها بقبضتها.
لم يكن أحد يخنقها، ومع ذلك لم تستطع التنفّس.
“…أنا… أخطأت…”
وفجأة، دخل أحدهم.
الإمبراطور منحها أجنحة.
والبابا أنقذ حياتها.
احتضن وجهها بكفّين دافئتين.
فانهارت.
“أنا أتألّم…”
ثم…
طعنة.
“صدر أمرٌ بقتلك.”
وأضاف بهدوءٍ قاتل:
“وقد وافقتُ عليه.”
———
عدنا بقصة جديدة وكالعادة بطلتها مش طبيعية☝🏼
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"