3 - ـ"حـــــــــيـــــــــن تــــــــــنـــــــكــــــســـــــر طــــــفــــــــــلة"
الفصل الثالث:
“حين تنكسر طفلة”
كانت الصفعة ما تزال تحرق خدّ “ليا” لكن الألم الحقيقي لم يكن في وجهها كان في قلبها.
كانت تنظر إلى الأرض عيناها فارغتان كأن روحها خرجت منها للحظة.
ثم بدأت الذكريات تنهال عليها.
صوت والدها وهو يضحك معها يده الكبيرة وهي تمسح على رأسها كلماته حين قال لها: “لن أسمح لأي شيء أن يأخذكِ مني.”
ذكريات دافئة مشرقة لكنها الآن تؤلم أكثر من أي شيء.
رفعت رأسها ببطء. وقفت. لم تكن قوية لكنها كانت ثابتة.
انحنت انحناءة صغيرة احترامًا رغم أن قلبها ينزف.
وقالت بصوت هادئ خالٍ من الحياة:
– أعتذر على تطفّلي سمو الارشيدوقة.
نظرت إلى “سيلين” التي كانت ما تزال متجمدة في مكانها غير قادرة على الكلام.
ثم التفتت نحو “ليونارد” الذي كان يقف مذهولًا.
– وشكرًا لك سيد ليونارد على حمايتي.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة ليست ضحكة حقيقية بل محاولة يائسة لربط ما تبقى من نفسها
-ههه لا بأس أولا شكرًا لإعتنائكم بي طوال مرضي
رفعت رأسها قليلًا عيناها محمرّتان لكنها حاولت الابتسام.
– ثانيًا سيد ليونارد. أرجوك احذر من أن تُصاب بأذى أرجوك.
نظرت إليه مباشرة نظرة مليئة بالخوف عليه لا على نفسها
التفتت بعدها نحو والدتها وانحنت مجددًا:
–سيدتي الارشيدوقة آسفة على الإزعاج.
كانت كلماتها رسمية لكنها خرجت كأنها خناجر.
ثم رفعت رأسها وابتسامتها ترتجف:
– وأخيرًا لدي طلب أريد رؤية ليون لآخر مره ولو من بعيد.
تجمدت “سيلين” خطت خطوة نحوها محاولة لمس كتفها محاولة قول شيء أي شيء.
– صغيرتي أنتِ—
لكن “ليانورا” ابتسمت لها ابتسامة حزينة مكسورة ودموعها تنهمر بلا توقف:
– لا تقلقي لقد عرفتُ مكانتي.
كانت تلك الجملة كالسهم في قلب الجميع.
خرجت “ليا” من الغرفة بخطوات متعثرة خدّها ما يزال يحترق من الصفعة وقلبها أثقل من أن يحمل. لكنها لم تسمح لنفسها بالسقوط ليس الآن.
توجهت مباشرة إلى غرفة “ليون”.
فتحت الباب بهدوء فوجدته جالسًا على السرير ملفوفًا ببطانية عيناه متورمتان من البكاء. ما إن رآها حتى ركض نحوها.
– ليا اختي! هل أنتِ بخير؟! خدكِ أحمر!!
ابتسمت له ابتسامة باهتة لكنها حاولت أن تبدو مطمئنة.
جلست أمامه ومسحت دموعه بإبهامها.
– ليون أنا سأغادر.
تجمد “ليون” وقال:
– ماذا ؟ لا! لا تذهبي! أرجوكِ!
هزّت رأسها بلطف رغم أن قلبها كان ينهار.
– يجب أن تكون مهذبًا وأن لا تهرب مجددًا أنت تقلقني وأنا لا أريد أن أراك تتأذى بسببي.
بدأ “ليون” يبكي بصوت مرتجف يمسك بيدها بقوة:
– لا تتركيني أعدك أعدك أنني سأجعلهم يتذكرون! سأخبر أبي! سأخبر أمي!
قاطعه عندما رفعت يدها تمسح دموعه.
لكن هذه المرة كانت يدها باردة. وصوتها بارد لأول مرة.
– لا يا ليون أنا لن أعود مجددًا.
اتسعت عيناه رعبًا.
– ليا لا لا تقولي هذا
ابتسمت ابتسامة حزينة لكنها ثابتة:
– لا أريد أن أتألم أكثر يكفي ما حدث اليوم.
مسحت دموعها بسرعة رغم أنها لم تتوقف نظرت إلى “ليون” قبلت جبينه ثم همست له:
– سامحني يجب أن أذهب.
حاول “ليون” الإمساك بيدها لكنّها حررت يدها بلطف وابتسامة مكسورة على شفتيها.
ثم التفتت نظرة واحدة فقط نظرة وداع.
وبخطوات متعثرة لكنها مصممة اتجهت نحو الباب.
وفي تلك اللحظة كان هناك شخص يقف خلف الباب يسمع كل كلمة.
“أدريان.”
لم يتحرك. لم يتنفس. كان واقفًا كتمثال
خرجت “ليا” بهدوء تمسح دموعها تحاول أن تبدو قوية. لكن عندما رفعت رأسها
وجدت “أدريان” واقفًا أمامها.
ارتجفت يداها. لكنها انحنت فورًا احترامًا رغم الألم.
– سمو الارشيدوق أعتذر إن سببتُ أي إزعاج شكرا لك.
كانت تحاول أن تبدو ثابتة لكن صوتها كان يرتجف وجسدها كله كان يرتعش.
لم يردّ “أدريان”. كان ينظر إليها فقط عيناه مضطربتان كأن شيئًا بداخله ينهار.
لكن “ليا” لم تنتظر. ركضت ركضت بكل ما تبقى لها من قوة إلى خارج القصر.
في الأسفل عند المدخل الرئيسي للدوقية
كانت تركض وهي تمسح دموعها لا ترى الطريق أمامها. وفجأة اصطدمت بشخص طويل قوي البنية.
رفعت رأسها
الإمبراطور “ألكساندر”.
تجمدت. شهقت. ثم همست:
– عمي
لكن قبل أن تكمل أمسك أحد الحراس بذراعها بقسوة:
– ألا تعرفين من هذا أظهري احترامكِ لجلالة الإمبراطور!
نظرت “ليا” إلى الإمبراطور إلى الرجل الذي كان يحملها على كتفيه الذي كان يشتري لها الحلوى سرًا الذي كان يقول لها دائمًا: “أنتِ أميرة قلبي يا صغيرة.”
لكن الآن عيناه كانتا فارغتين. لا يعرفها لا يتذكرها.
همست بصوت متألم محطم:
– إذًا أنت أيضًا لا تتذكرني.
انحنت بعمق انحناءة رسمية باردة خالية من الروح.
ثم ركضت ركضت خارج القصر خارج الدوقية خارج كل شيء.
كانت فقط تهرب.
تهرب من الألم من الرفض ومن الحقيقة التي كسرت قلبها.
كانت “ليا” تركض تركض دون أن ترى الطريق دموعها تغطي وجهها وصوت قلبها يصرخ:
“لماذا لا يتذكرونني؟ لماذا أنا لوحدي؟”
خرجت من بوابة الدوقية إلى الطريق الحجري الطويل المؤدي للغابة.
توقفت فجأة وضعت يدها على صدرها أنفاسها تتقطع.
– أنا لست قوية بما يكفي لماذا كل هذا الألم ؟
تذكرت صفعة والدها نظرة أمها الفارغة ارتباك “ليونارد” صوت الإمبراطور وهو لا يعرفها
ركعت على الأرض ثم سقطت على ركبتيها تمامًا.
– لماذا لا أحد لا أحد يتذكرني؟
رفعت رأسها نحو السماء والدموع تنهمر بلا توقف.
– أريد فقط أن يعود كل شيء لطبيعته أريد فقط أن لا أكون وحيدة
ثم فقدت قوتها. جسدها الصغير مال إلى الجانب وسقطت على الأرض الباردة.
أغمضت عينيها وانطفأ وعيها.
كانت آخر كلمة همست بها:
– أبي
كان الليل قد بدأ يزحف ببطء على الطريق الحجري المؤدي إلى غابة رينفال.
الريح الباردة تحرك أوراق الأشجار وصوتها يشبه همسات بعيدة كأن الغابة نفسها تتساءل: كيف انتهت طفلة هنا وحدها؟
كانت “ليانورا” ممددة على الأرض جسدها الصغير ساكن كدمية منسية.
وجهها شاحب ودموعها الجافة تركت خطوطًا على خديها.
مرّت دقائق أو ربما ساعات.
ثم سُمعت خطوات فوق الحصى.
توقف رجل عندها.
عباءة سوداء طويلة وشعر أسود ينسدل على كتفيه وعينان بنفسجيتان تلمعان في الظلام.
“ماريون”
انحنى قليلًا ينظر إليها بصمت.
– هممم
ابتسم ابتسامة خفيفة ليست قاسية لكنها ليست رحيمة أيضًا.
– يبدو أن الصفقة بدأت تؤتي ثمارها.
رفع يدًا واحدة فتجمّع ضوء أزرق خافت حول جسدها.
ارتفع شعرها الفضي قليلًا في الهواء.
راقبها لحظة ثم قال بنبرة هادئة:
– يا لها من مفارقة غريبة العائلة التي كانت ستضحي بالعالم من أجلك أصبحت الآن السبب في كسرك.
فتح عينيه أكثر قليلًا كأنه يفكر في شيء.
– البشر مخلوقات عجيبة حقًا.
ثم فجأة عبس.
– لكن هذه النهاية مملة.
خفض يده فتلاشى الضوء الأزرق.
اقترب أكثر وانحنى حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها.
– لو تركتك تموتين هنا لن يكون في هذا أي متعة.
رفعها بسهولة بين ذراعيه كأنها لا تزن شيئًا.
– إذًا لنرَ إلى أين ستقودنا هذه القصة يا ليانورا فالدير.
اختفى جسدهما في دوامة بنفسجية واختفى الطريق مرة أخرى في صمت الغابة.
كان الفجر بالكاد قد بدأ يلوّن السماء بخيطٍ رمادي باهت.
الهواء بارد والطريق صامت والمدينة ما تزال نائمة.
فتحت “ليانورا” عينيها ببطء.
كان رأسها يؤلمها وجسدها ثقيلًا كأنها سقطت من مكانٍ عالٍ. حاولت أن تتحرك لكنها توقفت عندما رأت ما أمامها.
بوابة خشبية قديمة.
طلاءها متشقق والاسم المكتوب فوقها بالكاد يُقرأ:
دار أيتام فالوريا.
تجمدت.
حدّقت في الكلمات طويلاً وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.
– كيف ؟
همست بصوت ضعيف.
آخر ما تتذكره هو الطريق خارج دوقية رينفال.
وضعت يدها على رأسها تحاول التذكر.
لكن الذكريات كانت ضبابية وكأن الليل نفسه ابتلعها.
تنفست ببطء ثم نهضت بصعوبة من الأرض.
قدماها كانتا ترتجفان لكن عينيها أصبحتا هادئتين بشكلٍ غريب.
لم تعد تلك الطفلة التي ركضت خارج القصر وهي تبكي.
شيء ما انكسر داخلها تلك الليلة.
اقتربت خطوة من البوابة.
كان المكان كما تتذكره تمامًا.
الجدران الرمادية النافذة الصغيرة في الطابق الثاني والساحة الترابية حيث كان الأطفال يلعبون.
لكن شعورها تجاه المكان لم يكن كما كان.
لم يعد “منزلًا“.
بل مجرد مكان وجدت نفسها فيه.
فتحت البوابة ببطء.
صرير الخشب كسر الصمت.
دخلت الساحة.
بعض الأطفال كانوا قد استيقظوا مبكرًا وعندما رأوها اتسعت أعينهم.
– آريا؟!
ركض أحدهم نحو الداخل وهو يصرخ:
– السيدة ماريا! آريا عادت!
بعد لحظات خرجت المديرة مسرعة من المبنى.
كانت ما تزال ترتدي عباءتها الصباحية وشعرها غير مرتب من النوم.
لكن عندما رأت الفتاة أمامها توقفت فجأة.
– آريا ؟!
اقتربت منها بسرعة تمسك كتفيها بقلق.
– أين كنتِ؟! لقد اختفيتِ طويلا ! أبلغت الحراس!
نظرت “ليانورا” إليها بصمت.
عيناها كانتا هادئتين هدوء غريب لطفلة في العاشرة.
ثم قالت بصوت منخفض:
– كنت في مكان يجب ألا أذهب إليه.
لكن قبل أن تسأل شيئًا قاطعتها.
– لا تقلقي لن أهرب مجددًا.
نظرت إليها المديرة باستغراب.
لم يكن صوتها مثل السابق.
لم يكن فيه ارتباك ولا خوف فقط تعب.
تنهدت المديرة أخيرًا وربتت على رأسها.
– حسنًا المهم أنكِ عدتِ سالمة. تعالي إلى الداخل ستصابين بالبرد.
هزّت “ليانورا” رأسها ببطء.
ثم تبعتها إلى داخل المبنى.
الأطفال كانوا يهمسون عندما مرّت بينهم.
– هل كانت حقًا تبحث عن عائلتها؟
– قالت إنها أميرة
– ربما فقدت عقلها
لكن “ليانورا” لم تنظر إليهم حتى.
دخلت غرفتها الصغيرة.
السقف المتشقق.
السرير الخشبي.
النافذة الضيقة.
كل شيء كما تركته.
جلست على السرير ببطء ووضعت يديها على حجرها.
ثم نظرت إلى كفيها.
كانت فارغتين.
السوار البنفسجي لم يعد هناك.
خفضت رأسها قليلاً.
وهمست بصوت بالكاد يُسمع:
– فهمت الآن.
صمتت لحظة.
ثم أغلقت عينيها.
– أنا لست ليانورا فالدير بعد الآن.
فتحت عينيها مجددًا.
لكن النظرة فيهما لم تعد نظرة طفلة ضائعة.
كانت نظرة شخص فهم شيئًا قاسيًا جدًا في سنٍ مبكرة جدًا.
وقفت ببطء.
ثم اقتربت من النافذة.
الشمس بدأت تشرق فوق المدينة.
قالت بهدوء:
– اسمي آريا.
لكن في مكان بعيد
داخل برجٍ أسود في الشمال
كان “ماريون” يقف أمام مرآة سحرية.
ابتسم عندما رأى الفتاة الصغيرة تقف أمام النافذة.
– جيد جدًا.
أدار المرآة بيده فتلاشت الصورة.
ثم قال بصوت خافت:
– المرحلة الأولى انتهت.
رفع عينيه البنفسجيتين نحو السماء.
– لنرَ يا ليانورا هل ستبقين آريا
Chapters
Comments
- 3 - ـ"حـــــــــيـــــــــن تــــــــــنـــــــكــــــســـــــر طــــــفــــــــــلة" منذ ساعتين
- 2 - "انــــتِ لـــــــســــــــــتِ ابــــــــــنــــــــــتـــــــي" منذ 7 ساعات
- 1 - الفصل الأول: "ســتــــــعــــيـــــش لــــــــكـــــــن بــــــثــــــــــــمـــــــــــن" 2026-02-21
- 0 - المـــقــــدمــــة الفصل التمهيدي 2026-02-17
التعليقات لهذا الفصل " 3"