2 - "انــــتِ لـــــــســــــــــتِ ابــــــــــنــــــــــتـــــــي"
✩°。⋆༺☆༻⋆。°✩
الفصل الثاني:
“انــــتِ لـــــــســــــــــتِ ابــــــــــنــــــــــتـــــــي”
فتحت “ليانورا” عينيها ببطء. كانت في غرفة صغيرة سقفها متشقق ورائحة قديمة تملأ المكان.
جلست تنظر حولها بخوف.
دخلت امرأة في الثلاثينات ترتدي ثوبًا بسيطًا وقالت بابتسامة:
– آه استيقظتِ أخيرًا يا آريا.
تجمدت “ليانورا”.
–آريا؟ لكن أين أمي؟ أين أبي؟ أين عائلتي؟
نظرت إليها المرأة باستغراب وقالت:
– يا ابنتي انتِ هنا منذ ان كنتِ رضيعة.
صدمت “ليانورا” وقالت وعيناها تدمعان:
– أين أنا؟ من أنتِ ايتها السيدة؟ ولماذا انا هنا؟ اين ابي وامي واخوتي؟
قلقت المرأة وقالت:
– ماذا تقولين؟ انتِ في دار ايتام فالوريا. لقد وجدتكِ أمام باب الملجأ قبل عشرة سنوات. يبدوا ان مرضكِ أثر عليكِ لذا ارتاحي.
وضعت “ليا” يديها على اذنيها وصرخت قائلة:
-لا لا انتِ تكذبين أنا ليانورا فالدير ابنة الارشيدوق أدريان فالدير أبي قال انه لن يتخلى عني أبدًا.
حاولت المرأة تهدئتها لكنها كانت منهارة ثم أمسكتها من ردائها وقالت:
– ان لم أكن ابنتهم أخبريني كم عدد افراد عائلتهم.
ردت المرأة:
– عائلة الارشيدوق تتكون من الارشيدوق أدريان الارشيدوقة سيلين الوريث ليونارد والسيد الصغير ليون فقط كانت لديهم طفلة لكنها ماتت منذ سنوات.
قالت بصوت مرتجف:
– أنا لست آريا اسمي ليانورا فالدير ابنة الارشيدوق أدريان أمي سيلين إخوتي ليونارد وليون
لكن المرأة ضحكت ضحكة قصيرة وكأنها تسمع خيال طفلة:
– يا ابنتي يبدو أنكِ ما زلتِ متعبة. أنتِ تعيشين معي منذ كنتِ رضيعة لا عائلة لكِ غيري.
تجمدت “ليانورا“. كلمات المرأة كانت كالسكاكين باردة حادة لا ترحم.
دموعها انهمرت و شعرت “ليانورا” بأن الهواء يختفي من حولها
هل تخلّى عنها أهلها؟
هل تركوها هنا لأنها مريضة؟
لأنها عبء؟
لأنها كانت ستموت؟
وضعت يدها على صدرها تتذكر الألم السم دموع والدها صرخة “ليونارد” ثم الظلام.
همست بصوت مرتجف:
– هل تركوني؟ هل لم يريدوني بعد الآن؟
نظرت إليها المديرة بحزن عميق:
– لا أعرف ما حدث لكِ يا آريا لكنني متأكدة من شيء واحد: أنتِ لستِ طفلة تُترك بسهولة.
لم يمرّ سوى يومين على وجود “ليانورا” في الملجأ
الأطفال هنا لم يكونوا جميعهم لطفاء بعضهم كان يحمل قسوة العالم على كتفيه ويصبّها على من حوله.
في صباح بارد كانت “ليانورا” تجلس وحدها في ساحة الملجأ تحاول ترتيب أفكارها.
كانت تحدّق في الأرض تفكر في عائلتها وفي اسمها الذي لم يعد أحد يناديها به.
اقترب منها ثلاثة أطفال أكبر سنًا يتقدمهم صبي يُدعى “مارك” معروف بين الجميع بأنه الأقوى والأكثر إزعاجًا.
قال “مارك” وهو يعقد ذراعيه:
– ها هي آريا الغريبة سمعتِ أنها فقدت عقلها بعد الحمى؟
ضحك الطفلان خلفه بينما بقيت “ليانورا” صامتة تنظر إليهم بعينين فارغتين.
اقترب “مارك” أكثر وانحنى نحوها:
– لماذا تنظرين إلينا هكذا؟ هل تظنين نفسكِ أفضل منا؟
لم تجب. كانت الكلمات تتلاشى قبل أن تصل إلى لسانها.
مدّ “مارك” يده ودفع كتفها بقوة:
– تكلمي! أم أنكِ خرساء أيضًا؟
كادت “ليانورا” تسقط لكنها تماسكت. رفعت رأسها ببطء وفي عينيها حزن عميق لا يشبه حزن الأطفال.
قبل أن يلمسها “مارك” مرة أخرى جاء صوت حاد من الخلف:
– اتركها يا مارك.
التفت الجميع. كان فتى في عمرها تقريبًا شعره أسود فاحم وعيناه رماديتان. وقف بثبات رغم أنه لم يكن أطول أو أقوى من “مارك”.
قال “مارك” بسخرية:
– وما شأنك أنت يا ريفين؟
رفع الفتى ذقنه بثقة:
– شأني أنني لا أحب رؤية ثلاثة جبناء يضايقون فتاة واحدة.
احمرّ وجه “مارك” غضبًا لكنه تراجع خطوة. كان يعرف أن “ريفين” لا يخاف أحدًا وأنه رغم هدوئه لا يتراجع إذا تعلق الأمر بالظلم.
تقدم “ريفين” ووقف أمام “ليانورا“:
– هل أنتِ بخير؟
غادر “مارك” ومن معه بعد أن تمتموا بكلمات غاضبة تاركين الساحة.
جلس “ريفين” بجانبها على الأرض.
قال بهدوء:
– لا تهتمي بهم. إنهم يضايقون الجميع ليس أنتِ فقط.
ظلت صامتة للحظة ثم همست:
– لماذا دافعت عني؟
ابتسم ابتسامة صغيرة:
– لأنني لا احب ان يتنمر احد على شخصٍ أضعف منه.
نظرت إليه فتابع بصوت منخفض:
– لستِ لوحدكِ من تعانين أنا هنا منذ أن وُلدت.
لم أرَ والديّ يومًا ولا أعرف حتى كيف يبدوان.
خفضت “ليانورا” رأسها ثم ضمت قدميها إلى صدرها ووضعت ذقنها عليهما.
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
– أما أنا فأعرف عائلتي. أعرف وجوههم أصواتهم دفء حضنهم.
رفعت عينيها نحوه والدموع تلمع فيهما:
– أليس قاسيًا أن تعرف عائلتك ثم يتخلّوا عنك بسبب المرض؟ لكنني لم أعد مريضة. فلماذا تركوني؟
ساد الصمت بينهما.
ثم قال أخيرًا:
– لا أظن أن هذا خطأهم إن كانوا يحبونك حقًا. ربما لم يكن لديهم خيار.
تذكرت كلمات والدها “ لن أسمح لأي شيء أن يأخذكِ مني.”
“سأجد العلاج حتى لو كلفني حياتي.”
شعرت بحرارة في صدرها كأن شيئًا يضيء داخلها.
مسحت دموعها ونظرت إلى “ريفين” بابتسامة صغيرة:
– شكرًا كلامك جعلني أشعر بتحسن.
وقف “ريفين” ومدّ يده لها لتنهض.
كانت الليلة هادئة على غير العادة والملجأ غارق في صمت ثقيل لا يقطعه سوى أنفاس الأطفال النائمين.
أما “ليانورا” فكانت تتقلب في فراشها جبينها متعرّق ووجهها شاحب ثم فجأة
رأت كابوسًا “ليونارد” أمامها يقف في ممر مظلم داخل القصر.
كان يناديها صوته مبحوحًا يمد يده نحوها.
ثم ظهر ظلّ طويل خلفه سيف يلمع وصوت ارتطام حاد رأت دم ورأت أخاها يسقط.
صرخت:
– ليونارد!!
واستيقظت مفزوعة شهقتها عالية ودموعها تنهمر بلا توقف. وضعت يدها على صدرها قلبها يخفق بقوة.
نظرت حولها الجميع نائم.
الليل في منتصفه. لكن الخوف كان أكبر من أن تتجاهله.
مسحت دموعها بيد مرتجفة ثم نهضت من سريرها. ارتدت معطفًا رقيقًا وفتحت باب الغرفة بهدوء شديد. كانت قدماها ترتجفان لكن شيئًا ما في داخلها كان يدفعها للخروج
– أخي في خطر يجب أن أذهب إليه يجب أن أحميه.
خرجت من باب الملجأ والهواء الليلي البارد ضرب وجهها. رفعت رأسها نحو السماء المظلمة وبدأت تمشي بخطوات سريعة رغم أنها لا تعرف الطريق بدقة.
كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط: يجب أن تصل إلى الدوقية.
ليس فقط لإنقاذ “ليونارد” بل لتسألهم السؤال الذي يحرق قلبها: لماذا تخلّيتم عني؟
كانت الشوارع خالية والبرد يلسع أصابعها
لكنها لم تتوقف.
كانت تمشي وكأن شيئًا يسحبها نحو الأمام
توقفت فجأة عندما سمعت صوتًا خلفها.
– إلى أين تذهبين في هذا الوقت؟
التفتت بسرعة كان “ريفين” يقف هناك شعره الأسود مبعثر من النوم وعيناه الرماديتان تلمعان في الظلام.
اقترب منها بخطوات سريعة:
– هل جننتِ؟ الخروج في منتصف الليل خطر ماذا حدث؟
لم تستطع منع دموعها من الانهمار مجددًا.
–رأيت أخي كان سيُقتل يجب أن أذهب إليه يجب أن أحذّره
نظر إليها ريفين بقلق حقيقي ثم قال بهدوء:
– الكوابيس ليست حقيقة يا آريا.
صرخت:
– اسمي ليس آريا!
ثم خفضت صوتها وهي ترتجف:
– أنا ليانورا أعرف عائلتي أعرفهم جيدًا لكنهم تخلّوا عني.
ثم ركضت مبتعدة عنه وهي لا تنظر امامها حتى .
في هذه الاثناء في دوقية رينفال
في تلك الليلة كان القصر غارقًا في صمت ثقيل.
لكن في غرفة صغيرة في الطابق العلوي كان هناك طفل يبكي.
جلس “ليون” على سريره يحتضن دبه ودموعه تنهمر بلا توقف.
لم يكن يبكي خوفًا ولا ألمًا بل شوقًا.
همس بصوت حزين
– ليا أختي أين ذهبتي؟
كان يتذكر كل شيء.
ضحكتها يدها وهي تمسك يده كيف كانت تقرأ له القصص كيف كانت تحميه من الظلام
لم تُمحَ أي ذكرى من قلبه
فسحر “ماريون” لم يستطع لمس روحه الصغيرة وبراءته .
مرت ثلاثة أسابيع على اختفاء “ليانورا” من حياة عائلتها ثلاثة أسابيع فقط لكنها كانت كافية لتحويل حياة “ليون” الصغير إلى جحيم.
كان يبكي كل ليلة حتى ينام من التعب.
لكن كان يعرف الحقيقة: أخته لم تمت بل اختفت.
في تلك الليلة انتظر “ليون” حتى نام الجميع. مسح دموعه بكمّ قميصه ثم فتح خزانته الصغيرة وأخرج حقيبة قماشية. وضع فيها:
– قطعة خبز – عباءة صغيرة – دميته
وقف أمام المرآة وعيناه ممتلئتان بالعزم رغم صغر سنه.
– ليا أنا قادم.
فتح باب غرفته بهدوء وخرج إلى الممر الطويل. كان القصر مظلمًا والهواء باردًا لكن قلبه كان يشتعل.
وصل إلى الباب الخلفي للقصر مدّ يده الصغيرة نحو المقبض لكن قبل أن يفتحه سمع صوتًا خلفه:
– ليون ماذا تفعل؟
تجمد الطفل. التفت ببطء فرأى “ليونارد” يقف خلفه شعره مبعثر ووجهه شاحب.
قال “ليونارد” بصوت منخفض:
– لماذا تحمل حقيبة؟ إلى أين ستذهب؟
امتلأت عينا “ليون” بالدموع فورًا:
– سأذهب لأبحث عن ليا أنتم أنتم تركتموها!
اقترب “ليونارد” بسرعة وجثا أمامه واضعًا يديه على كتفيه.
– ليون لا يوجد أحد بهذا الاسم. أنت تتوهم.
صرخ “ليون”:
– لا! أنت الذي نسي أنت كنت تحبها! كنت تحميها دائمًا كيف كيف نسيتها بهذه السهولة؟!
كان “ليون” قد فقد صبره وهرب من “ليونارد”
وفي تلك الليلة العاصفة تسلل إلى الحديقة الخلفية.
هناك خلف شجرة قديمة كانت توجد فتحة صغيرة في الجدار الحجري فتحة كان يستخدمها للخروج سرًا للعب عندما كانت “ليانورا” تمسك بيده وتقول:
– لا تبتعد عني يا ليون.
لم يستطع منع دموعه وهو يلمس الحجر البارد.
– ليا انتظريني.
زحف من الفتحة وركض في الظلام ركض دون توقف ركض حتى اختفى عن الأنظار.
بعد ثلاثة أيام
كانت “ليانورا” قد وصلت إلى أطراف العاصمة الإمبراطورية. كانت متعبة جائعة وملابسها متسخة من السفر الطويل. لكنها لم تتوقف.
– يجب أن أصل يجب أن أعرف الحقيقة.
بينما كانت تمر في أحد الأزقة الضيقة سمعت صوتًا خافتًا أنينًا صغيرًا كأنه صوت طفل يبكي من الألم.
توقفت. التفتت حولها. ثم رأت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
طفل صغير ملقى على الأرض يرتجف وجهه شاحب وملابسه ممزقة.
ركضت نحوه بسرعة ركعت بجانبه وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
– هل أنت بخير؟! هل تسمعني؟!
رفع الطفل رأسه بصعوبة وعندما رأته اتسعت عيناه.
همس بصوت مكسور:
– ليا ؟
تجمدت “ليانورا“. ذلك الصوت ذلك الوجه تلك العيون الزرقاء
– ليون ؟
– أختي أخيرًا وجدتك
ثم فقد وعيه بين ذراعيها.
صرخت “ليانورا” وهي تهزه برفق:
– ليون! ليون لا تنم! أرجوك!
لكن جسده كان باردًا ضعيفًا وكأنه لم يأكل منذ أيام.
احتضنته بقوة ودموعها تتساقط على شعره.
– لماذا خرجت وحدك؟ لماذا لماذا أنت هنا؟!
لكنها لم تحصل على إجابة.
وقفت بصعوبة تحمل جسده الصغير بين ذراعيها.
– سأعيدك سأعيدك للمنزل حتى لو لم يريدوني لن أتركك أبدًا.
وبخطوات متعثرة ودموع لا تتوقف بدأت “ليانورا” رحلتها نحو دوقية رينفال.
لم تكن تعلم أن وصولها سيقلب الدوقية رأسًا على عقب.
كانت “ليانورا” تركض بكل ما تبقى لها من قوة تحمل جسد “ليون” الصغير بين ذراعيها.
كان رأسه مستندًا على كتفها أنفاسه ضعيفة ووجهه شاحب كأنه ورقة بيضاء.
– اصمد اصمد يا ليون أرجوك
كانت قد وصلت أخيرًا إلى بوابة دوقية رينفال. الحراس صدموا عندما رأوا فتاة صغيرة متسخة منهكة تحمل ابن الارشيدوق بين ذراعيها.
صرخ أحدهم:
– الأمير ليون! افتحوا البوابة فورًا!
لم تشعر “ليا” بشيء بعد ذلك. كل شيء كان ضبابيًا أصوات صراخ خطوات مسرعة ثم يدان قويتان أخذتا ليون من بين ذراعيها.
ابتسمت “ليا” ابتسامة صغيرة مطمئنة
– بخير أخي بخير
ثم سقطت على الأرض وفقدت وعيها.
بعد ساعات
استيقظت “ليا” ببطء. كانت مستلقية على سرير ناعم في غرفة واسعة ذات ستائر حريرية.
فتحت عينيها فرأت امرأة تقف قرب السرير.
امرأة جميلة شعرها السماوي منسدل على كتفيها وعيناها الزرقاوان تشعّان قلقًا.
الارشيدوقة “سيلين “أمها.
بمجرد أن رأتها “ليا” ركضت نحوها وضمتها ودموعها انهمرت دون إرادة.
– أمي !
وقفت “سيلين” مكانها .
لكن “ليا” لم تنتظر وهي تضمها وتبكي بحرقة:
– أمي لماذا تركتِني؟ هل هل كنتُ عبئًا عليكِ؟ هل لم تريديني؟
“سيلين” لم تفهم.
رفعت حاجبها بارتباك و ابعدتها عنها ثم قالت بصوت هادئ لكنه بارد:
– صغيرتي أشكرك على إنقاذ ابني ليون لكن أنا لست والدتك.
تجمدت “ليا” كأن أحدهم سحب الهواء من رئتيها.
تابعت “سيلين” بنبرة رسمية:
– يبدو أنكِ خلطتِ بيني وبين والدتك الحقيقية من أنتِ؟ وكيف وجدتِ ابني ؟
كانت كلماتها كأنها صفعة.
غطّت “ليا” فمها بيدها وانفجرت بالبكاء.
– أمي أنا لست مخطئة أنا ابنتك أنا ليا ليانورا فالدير
لكن “سيلين” لم تقترب. كانت تنظر إليها بقلق وبشيء من الحذر.
– صغيرتي أنتِ متعبة ربما تتوهمين.
صرخت “ليا”:
– لا! أنا لا أتوهّم! انا ليانورا يا امي ابنتكِ!
ساد الصمت.
صمت ثقيل مؤلم كأن الزمن توقف بينهما.
وفي تلك اللحظة فُتح الباب فجأة.
ودخل شخص عيناه حمراوان من البكاء وجهه شاحب وصدره يعلو ويهبط بسرعة.
“ليونارد”
وعندما رأى “ليا” شعر بشيء غريب
فُتح الباب بقوة ودخل “ليونارد”. كان يلهث وكأنه ركض من طرف القصر إلى هنا دون توقف. عيناه حمراوان من السهر والبكاء وصدره يعلو ويهبط بعنف.
لكن ما إن وقعت عيناه على الفتاة الجالسة على السرير حتى تجمد مكانه.
شعرها الفضي وعيناها الزرقاوان ملامحها الصغيرة التي كان يظن أنه نسيها لكن قلبه لم ينسَ.
وقف بلا حركة
همست “ليا” وصوتها يخرج بصعوبة:
– ليو هل انت بخير؟
ارتجف جسده.
اقترب خطوة ثم خطوة حتى أصبح أمامها مباشرة.
قال بصوت مرتجف:
– أنتِ أنتِ من ؟
لكن قبل أن يكمل قاطعته “سيلين” بحدة:
– ليونارد هذه الفتاة أنقذت أخاك لكنها تعتقد أننا عائلتها يبدو أنها مشوشة.
التفت “ليونارد” نحو أمه ثم عاد ينظر إلى “ليا”.
قالت “ليا” وهي تبكي:
– ليو أنت تتذكرني صحيح؟ أنت كنت دائمًا تحميني كنت تقول إنني أثمن شيء لديك
ارتجفت يداه. وضع يده على رأسه كأن الألم عاد فجأة.
“سيلين” اقتربت منه بقلق:
– ليونارد! ما بك؟!
لكن “ليا” كانت تنظر إليه فقط تنتظر تتوسل تريد أن ترى في عينيه أي بقايا من ذكراها.
همست:
– ليو أنا ليا أختك أرجوك لا تقل إنك لا تعرفني
رفع “ليونارد” رأسه ببطء. عيناه كانتا ممتلئتين بالدموع وصوته خرج مبحوحًا:
– اعتذر فأنا لا اعرفك .
ليا انهارت بالبكاء وقالت:
– لا لا مستحيل
لكن قبل أن يقول أي كلمة دخل شخص آخر الغرفة.
الارشيدوق “أدريان”.
وعندما رأى الفتاة تجمد كما تجمد الجميع.
عيناه اتسعتا قلبه خفق بقوة
قال بصوت منخفض:
– من هذه الفتاة؟
التفتت “ليا” نحوه. وعندما رأته لم تستطع الوقوف.
سقطت على ركبتيها تبكي بصوت موجوع:
– أبي ماذا لماذا تركتني؟ هل كنتُ مجرد عبء عليك؟ هل لم تحبني يومًا؟
كانت كلماتها كالسكاكين كل كلمة كانت تطعن قلب أدريان دون أن يفهم السبب.
تراجع خطوة يده ترتجف وعيناه تلمعان بدموع لم يفهم مصدرها.
– أنا لست والدكِ لا أعرفكِ يا صغيرة انتِ لستِ ابنتي
صرخت “ليا” :
– أنت تكذب! أنت أبي! أنت من كان يحملني عندما أمرض أنت من كان يقول لي: “لن أسمح لي شيء أن يأخذكِ مني“!
ليا سقطت على الأرض تبكي بلا توقف.
– لماذا لماذا لا تتذكرونني لماذا تركتموني وحدي؟
وفي تلك اللحظة دخل الطبيب مسرعًا.
– سمو الارشيدوق! الأمير ليون استيقظ!
التفت الجميع نحو الباب.
لكن صوتًا صغيرًا ضعيفًا جاء من الممر:
– ليا ؟
ظهر “ليون” مستندًا على الحائط وجهه شاحب لكنه يقاوم.
– ليا لا تبكي أنا أنا أتذكرك
ركضت نحوه واحتضنته بقوة تبكي على كتفه.
أما “أدريان” فقد وضع يده على قلبه وشعر بألم حاد كأن شيئًا بداخله يحاول العودة للحياة.
تحرك “أدريان” بسرعة نحو ابنه. اخذه من “ليا” وحمله بين ذراعيه وخرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه.
لكن قبل أن يغلق الباب التفت إلى “ليا” .
كانت جالسة على الأرض تبكي ووجهها شاحب من الألم.
أغلق الباب خلفه.
بعد دقائق
عاد “أدريان” إلى الغرفة وحده هذه المرة. وقف أمام ليا وقفته تلك التي يعرفها كل نبلاء الإمبراطورية: وقفة الارشيدوق البارد الحاكم الذي لا يرحم.
كانت “ليا” تنظر إليه بعينين دامعتين تنتظر كلمة أي كلمة تدل على أنه تذكرها.
لكن ما جاء منها كان عكس ما تمنته.
وقف الارشيدوق “أدريان” أمام “ليا” عيناه باردتان كالجليد وصوته خالٍ من أي دفء:
– أولًا وجدتِ ابني في مكان خطير ثانيًا تدّعين أنكِ ابنتي والآن أظن أنكِ مجرد جاسوسة من أحد النبلاء.
تراجعت ليا خطوة للخلف الخوف يتسلل إلى قلبها جاسوسة؟ أنا أنا لست—
قاطعها “أدريان” ويده تقترب من سيفه:
– بل ربما أنتِ من خطف ابني أصلًا.
شهقت “ليا” ووضعت يدها على صدرها.
– لا لا! مستحيل ان افعل هذا بأخي! لماذا لماذا تقول هذا؟!
تقدم خطوة وصوته أصبح أكثر حدة:
– فتاة مجهولة تظهر فجأة تحمل ابني وتدّعي أنها من عائلتي؟ هذا وحده كافٍ لقطع رأسكِ.
ارتجفت “ليا” ورفعت يديها بخوف وفي تلك اللحظة لمع شيء على معصمها.
سوار بنفسجي. السوار الذي لا يملكه إلا أفراد عائلة فالدير.
أمسك “أدريان” يدها بعنف كأن النار اشتعلت داخله.
– من أين لكِ بهذا؟!
صرخت “ليا” من الألم:
– أنت أنت من أعطيتني إياه في عيد ميلادي الثامن قلتَ إنه سيحميني دائمًا
اتسعت عينا “أدريان” لكن البرود عاد بسرعة. هزّ رأسه بقسوة:
– كذب.
ثم حاول انتزاع السوار من يدها بالقوة.
– هذا ليس لكِ! من أعطاكِ إياه من أرسلكِ؟!
– لا! أرجوك! إنه إنه لي! أنت من—
لكن قبل أن تكمل صفعها.
صفعة قوية. قاسية. مفاجئة.
ارتدّ رأس “ليا” إلى الجانب وتجمّدت في مكانها. لم تتحرك. لم تصرخ. لم تبكِ.
كانت الصدمة أكبر من الألم.
“سيلين” شهقت وضعت يدها على فمها “ليونارد” تحرك دون تفكير.
أمسك ذراع والده بقوة ودفعه بعيدًا عن “ليا”.
– أبي! توقف!
نظر إليه “أدريان” بحدة:
– ابتعد يا ليونارد. هذه الفتاة—
صرخ “ليونارد”:
– إنها طفلة! كيف تضربها هكذا؟!
لكن “أدريان” لم يسمع. كان الغضب والخوف والارتباك يشتعل داخله دون أن يفهم السبب.
أما “ليا” فقد سقطت على الأرض يدها على خدها وعيناها فارغتان.
لم تستوعب ما حدث. لم تستوعب أن يد والدها هي التي ضربتها.
كانت تنظر إلى الأرض ثم إلى يدها التي لم يعد السوار فيها ثم إلى “أدريان” الذي خرج من الغرفة السوار في يده.
خرج بخطوات سريعة لكن عندما وصل إلى الممر توقف.
نظر إلى السوار في يده. يده كانت ترتجف.
همس لنفسه بصوت لا يسمعه أحد:
– لماذا لماذا أشعر أنني ارتكبت خطأً فادحًا؟
Chapters
Comments
- 3 - ـ"حـــــــــيـــــــــن تــــــــــنـــــــكــــــســـــــر طــــــفــــــــــلة" منذ ساعتين
- 2 - "انــــتِ لـــــــســــــــــتِ ابــــــــــنــــــــــتـــــــي" منذ 7 ساعات
- 1 - الفصل الأول: "ســتــــــعــــيـــــش لــــــــكـــــــن بــــــثــــــــــــمـــــــــــن" 2026-02-21
- 0 - المـــقــــدمــــة الفصل التمهيدي 2026-02-17
التعليقات لهذا الفصل " 2"