62
بدأت مانا مهدِّدة تتدفَّق حول إدريس.
ارتجف رجال ديون غريزيًّا عند رؤيتهم لذلك.
“اتركوه يذهب.”
جاء الأمر من ديون من داخل المكتب.
ابتلع التابعون ريقهم بصعوبة، وهم يراقبون إدريس الذي اختفت ابتسامته الباردة، ثم تراجعوا إلى الخلف.
مرَّ إدريس من بينهم واختفى بهدوء في الممر.
طق، طق…
مع تلاشي صوت الخطوات تدريجيًّا، تشوَّه وجه ديون – الذي حافظ على تعبير محايد طوال الوقت – بانفعال واضح.
‘لقد أصبح الأمر مزعجًا الآن.’
بما أن إدريس انتبه، سيكون من الصعب التخطيط للخطوة التالية لفترة من الوقت.
على الأقل حتى يتم تشتيت انتباه إدريس.
‘لا بد أن أجد طريقة أخرى.’
طق، طق، طق…
ظل صوت الطرق على مسند الذراع يملأ المكتب لوقت طويل.
بعد أيام عدة.
“يا آنسة! وصلت دعوة من القصر الإمبراطوري! دعوة وصلت!”
صرخت إيرين وهي تقتحم الباب. كانت تمسك بظرف أنيق يرفرف في يدها.
‘همم، ما كان لا بد أن يأتي قد أتى أخيرًا.’
كانت دعوة لحفلة شاي جلالة الإمبراطورة.
في اليوم الذي دعتْني فيه الإمبراطورة إلى القصر الإمبراطوري، تحدثت عن خططها.
“عندما تستعد ليتيسيا، أعتقد أن علينا عقد حفلة شاي الربيع.”
كل ربيع، كانت الإمبراطورة تدعو السيدات النبيلات في الإمبراطورية إلى حفلة شاي كحدث سنوي.
تمامًا كما يعقد الرجال مسابقات الصيد لبناء الروابط، كانت النساء أيضًا يجتمعن لبناء العلاقات ومناقشة مستقبل الإمبراطورية.
لكن بعد ولادة لوديان، ضعفت صحة الإمبراطورة، وبوفاة الإمبراطورة الأرملة الكبرى التي كانت تستضيف حفلات الشاي، لم تُعقَد المناسبة منذ عامين.
في هذا الوضع، تقدَّمت الإمبراطورة لإحياء حفلة الشاي مجددًا.
“هل أنتِ متأكدة أن هذا مناسب؟ بالنظر إلى صحة جلالتك، والأجواء الاجتماعية ليست هادئة تمامًا بعد.”
“هذا من أجل لودياننا، وليس من أجل ليتيسيا فقط.”
كان عزم الإمبراطورة حازمًا.
يبدو أنها استنتجت أن لوديان تعرَّض للخطر في مهرجان التأسيس لأن القوى الداعمة له كانت ضعيفة.
لذلك لم أمنعها.
‘وأنا أيضًا لديَّ رغبة شخصية في أن يُحترَم قائد حكيم بهذه الصفات أكثر.’
بعد سماع خطتها، طلبتُ منها إرسال دعوة حفلة الشاي قريبًا دون تأخير إضافي.
“هل تمَّ إعداد الأدلة التي ستُثير فضيحة بين إليزا والدوق؟”
“لا، لم يتم بعد. لكن الأمر لن يطول.”
كنتُ أعرف خطط إليزا كلها مسبقًا على أي حال.
عادةً ما تُرسَل دعوة حفلة الشاي قبل أسبوعين لزيادة نسبة الحضور.
‘ستضطر إليزا لإنهاء الأمر قبل أن يظهر حملها، فلن تستطيع المماطلة أكثر من ذلك.’
كان أسبوعان كافيين لكي تتحرك إليزا.
وهكذا، في الليلة التي تسبق حفلة الشاي.
تحركتُ حسب الخطة.
مع حلول الغسق.
وجدتُ نفسي مع ويغ في متجر مهترئ يقع في أزقة العاصمة الخلفية.
‘…هل هذا المكان مفتوح حتى؟’
راودتني الشكوك للحظة، لكن ضوءًا خافتًا يتسرب من الداخل جاء لينفي ذلك.
“هذا هو المكان، أليس كذلك؟”
“نعم، بلا شك!”
أومأ ويغ دون تردد وفتح باب المتجر.
بدَّدتُ شكوكي، فرفعتُ غطاء رأسي ودخلتُ المتجر.
في داخل المتجر كانت هناك أسلحة صيد معروضة: أقواس، خناجر، سيوف طويلة.
تجاوزنا خزانات العرض حتى وصلنا إلى المنضدة، حيث وقف رجلان يرتديان عباءات سوداء وغطاء الرأس مسدلٌ.
“أهلًا بالزبونة. ما الذي تبحثين عنه؟”
بدت الواجهة وكأنها تبيع أسلحة صيد للوهلة الأولى.
لكن ما يبيعونه حقًّا ليس الأسلحة.
“أود شراء شيء لا يُباع لأي شخص.”
بينما كنتُ أتحدث، وضع ويغ كيسًا من الدنانير الذهبية على المنضدة.
ثُمَّ—
دوَّى صوت ثقيل على المنضدة، فذهب أحد الرجلين – بعد أن حدَّق في الكيس – إلى الخلف وأحضر صندوقًا من المخمل.
داخل الصندوق كان هناك خنجر زخرفي مرصَّع بالجواهر.
لكنني هززتُ رأسي.
أومأتُ لويغ الذي وضع كيسين ذهبيين إضافيين.
“أليس هذا كافيًا؟”
“…”
بعد تبادل نظرات للحظة، سألاني أخيرًا السؤال الذي كنتُ أنتظره.
“أي نوع من الحيوانات تحاولين صيده؟”
“أحاول اصطياد غزال.”
نوع الحيوان يحدد قوة السم.
“هل تريدين شيئًا يقتل فورًا؟ أم شيئًا يسبب الموت تدريجيًّا؟”
“شيء يسبب الموت تدريجيًّا، لكن بمفعول فوري، سيكون مثاليًّا.”
طريقة القتل تشير إلى نوع السم.
نعم، تمامًا. ما يبيعونه هو…
السموم.
بما أنه من الخطر السماح للتجار العاديين بتوزيع السموم بحرية، فإن الشركات المرخصة فقط هي التي يُسمح لها بالتعامل بها.
لكنها لا تزال تُتداول سرًّا في الأزقة الخلفية التي لا تصلها يد القانون.
وفي حياتي السابقة، اشترت إليزا سمًّا من هنا.
‘بالطبع، من المحتمل أنها فعلت الشيء نفسه في هذه الحياة أيضًا.’
كما لو أن تخميني كان صحيحًا، ابتسم أحد الرجلين واستدار ليبحث عن السم.
“لقد حالفكِ الحظ يا زبونة. يصدف أن لدينا واحدًا متبقيًا—”
في تلك اللحظة أضفتُ:
“كنتُ أعلم أنكم تبيعونه هنا.”
“ماذا؟”
“ما أريد شراءه ليس ‘ذلك الشيء’، بل إيصال الشخص الذي اشترى هذا الشيء مؤخرًا.”
ابتسمتُ وأشرتُ إلى كيس الدنانير الذهبية أمامي.
“ما رأيكم؟ كم سيكلف؟”
حدَّق الرجلان مذهولين ولم يجيبا فورًا، بل تبادلا النظرات.
كان من النادر أصلًا أن يعرف أحد بوجود هذه الشركة، فكيف بزبونة تأتي بعد أيام قليلة وتطلب إيصال الزبون السابق؟ لا بد أن يثير ذلك الريبة.
على أي حال، من رد فعلهما يبدو أن إليزا قد زارت المكان فعلًا.
‘كيف يمكن أن يكون هناك انحرافٌ قليلٌ لهذه الدرجة؟’
بعد التأكد من أن إليزا تخطط للشيء نفسه كما في حياتي السابقة، شعرتُ بشيء من الإرهاق.
ليس أن هناك ما يمكن أن يُخيب أملي أكثر، لكن كأن آخر ذرة إنسانية قد اختفت…
“سلموني إيصال تلك الشخصية. وسأعطيكم ضعف ما عرضته.”
بعد تردد قصير، فتح الرجلان أفواههما كمن اتفقا.
“نعتذر، لكننا لا نبيع معلومات زبائننا أبدًا مهما كان العرض.”
“ثلاثة أضعاف.”
“…”
“أليس ذلك كافيًا؟ ماذا عن خمسة أضعاف؟”
رغم المبلغ الهائل، لم يتزحزحا.
دهشتُ من هذا الإخلاص للزبائن.
‘يتاجرون بشكل غير قانوني، ومع ذلك يضعون الثقة مع الزبائن في المقام الأول…؟’
حسنًا، لو كانوا يبيعون معلومات جميع زبائنهم، لما نما عملهم إلى هذا الحجم.
لكانوا قد انكشفوا واقتُلعوا من جذوره قبل ذلك.
‘ظننتُ أن كل شيء يُحل بالمال… هذا أصبح مزعجًا.’
كنتُ بحاجة إلى دليل على أن إليزا اشترت سمًّا لكي أفضح مسرحيتها الذاتية وأقلب الطاولة.
لكن بعد العثور على المتجر، اصطدمتُ بعائق غير متوقع.
‘ماذا أفعل الآن؟’
عضضتُ شفتي.
شعرتُ بويغ بجانبي يراقب رد فعلي.
دفعتُ ذراع ويغ بمرفقي وقلتُ:
“لنذهب الآن.”
“انتبهي في طريق العودة يا زبونة.”
تبعني ويغ مسرعًا وأنا أستدير.
ثم ما إن خرجنا من المتجر حتى سألني:
“هل ستتخلين عن الأمر هكذا؟”
“لا، بالطبع لا.”
“إذن ماذا ستفعلين؟”
في تلك اللحظة، لمحتُ القماش الذي يغطي جانب العربة.
كنتُ قد غطَّيته لأنني لم أرد زيارة متجر غير قانوني وشعار عائلة دلوا بارزًا عليه.
عندما رأيته، خطرت لي الفكرة.
ابتسمتُ وأجبتُ:
“إذا لم ينجح الأمر بالمال، فسأضطر لكسب قلوبهم بشيء آخر.”
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل "62"