1
الفصل 1
يبدو أنَّ خطبًا جسيمًا قد وقع.
هكذا فكرتُ وأنا أتأملُ بذهولٍ تلك الجميلة الشقراء التي تجلس أمامي والبسمةُ ترفُّ على وجهها.
“ما بكِ؟ ألم يُعجبكِ المشروب؟”
“كلا، ليس الأمر كذلك.. فقط كنتُ غارقةً في بعض الأفكار.”
“أفكار؟”
رَمشتْ بأهدابِها الطويلة الفاتنة وهي ترنو إليّ، ثم ما لبثت أن أطلقت شهقةً خفيفة ووضعت الشوكة من يدها.
“لا يعقل.. هل تفكرين في عيد ميلادي القريب؟ هل أنتِ حائرة في اختيار الهدية؟”
ثم انفجرت ضاحكةً كبرعمِ زهرةٍ تفتّح للتوّ، كانت رنّة ضحكتها الصافية من العذوبة بحيث كدتُ أُسقِط الكوب من يدي. حتى المارة في المقهى تسمّروا، وعجزوا عن شَيحِ أبصارهم عنها.
كيف لإنسان أن يكون بهذا القدر من الرقة؟
لقد تجاوزت حدود الجمال لتصل إلى مرحلة تُثير الدهشة؛ لم يكن الأمر مجرد ملامح، بل كانت “كتلةً من اللطافة” بكل ما للكلمة من معنى. وجنتان متوردتان، شعرٌ أشقر يلمع كأنه مدهون بالعسل، وضحكةٌ نقية لا تشوبها شائبة.
كانت تفيض رقةً تجعلك ترغب في احتضانها، والنظرُ إليها وهي تبتسم يزرعُ السكينة في الروح.. وبالفعل، كانت الجملة الوصفية لها في اللعبة تقول:
[الأميرة المحبوبة التي يعشقها الجميع…]
[..والتي يتختطفها ملكة الشياطين.]
قرمشة—!
تحطم مكعب الثلج في فمي وتناثرت أشلاؤه.
المشكلة هي أن ملكة الشياطين تلكَ.. هي أنا.
آهٍ يا لها من حياة!
“كنتُ أظن أنني عشتُ حياتي كإنسانة صالحة….”
“هاه؟ ماذا قلتِ؟”
“لا شيء.. المهم يا تينا، ستكملين عامكِ السادس عشر هذا العام، أليس كذلك؟”
“أجل أجل! لقد تذكرتِ فعلاً!”
غمرت السعادةُ وجه تينا فغطت وجنتيها بيديها، بينما غرزتُ أنا الشوكة في حبة فراولة فوق الكعكة وقذفتُ بها في فمي. وبينما كنتُ أمضغها وأشعر بعصيرها الحلو يملأ جوفي، كانت الظهيرةُ تبدو هادئةً تمامًا….
لولا تلك الجملة من نص اللعبة التي لا تنفكُّ تتردد في رأسي:
[في العام الذي أتمت فيه الأميرةُ ربيعها السادس عشر، ظهر البطلُ كمعجزة، وهزم ملكة الشياطين الشريرة ليُنقذها.]
البطل سيهزم ملكة الشياطين.
ابتلعتُ ما بقي في فمي، ثم همستُ بصوتٍ خفيض:
“.. لقد ضاعت هيبتي حقًا.”
لم أجد كلمةً تصف وضعي الحالي بدقة أكثر من هذه.
***
لقد مرّ وقتٌ طويل منذ أن سُحبتُ إلى داخل هذه اللعبة.
『سيرة نكتار الذاتية』
كانت مجرد لعبة تقمص أدوار (RPG) عادية وغير مشهورة. قصة مبتذلة عن بطل يهزم ملكة الشياطين وينقذ العالم. نظامُها معطوب، جرافيكس متهالك، ومهمات مملة مليئة بالأخطاء البرمجية.. لدرجة أنني كنت أتساءل: من المعتوه الذي يضيع وقته في لعبة كهذه؟
.. حسنًا، ذلك المعتوه كان أنا.
كنتُ لاعبةً شرهة لهذه اللعبة؛ ورغم أنني كنتُ أتمتم يوميًا “لماذا ألعب هذا الهراء؟”، إلا أنني لم أستطع تركها.
وفي اللحظة التي هزمتُ فيها الزعيم الأخير (ملكة الشياطين) ووقفتُ على أعتاب النهاية، سحبني ضوءٌ ساطع إلى داخل اللعبة.
لو كنتُ أعلم أن هذا سيحدث، لعلبتُ لعبةً مليئة بالوسماء على الأقل لأمتع نظري!
بعد أن استوعبتُ حقيقة “التجسد”، كان سؤالي الأول: مَن أنا وسط هؤلاء؟
بما أنني دخلتُ اللعبة أثناء لعبها، فلا بد أنني إحدى الشخصيات، لكنني لم أستطع التخمين.
كل ما أملكه هو شعرٌ فضي، عينان حمراوان، وجمالٌ يفوق الوصف. لم أتذكر شخصية بجمالٍ نادر وشعر فضي هكذا في اللعبة، أضف إلى ذلك أنني استيقظتُ وحيدة في قلعة شاسعة وموحشة.
ظننتُ في البداية أنني مجرد شخصيةٍ جانبية تعمل في القلعة، لكنني سرعان ما نفضتُ الفكرة عن رأسي.
“لا يمكن أن تُمنح شخصية جانبية وجهًا فاتنًا ولون شعرٍ مذهلاً كهذا.”
كان استنتاجًا منطقيًا تمامًا.
وبينما كنتُ غارقة في حيرتي، جاءني الجواب على لسان طفلة صغيرة ظهرت فجأة في القلعة.
“سـ.. سيدتي.. ملكة الشياطين.”
“ملكة الشياطين؟ أنا؟”
أومأت الطفلة برأسها وهي ترتجف خوفًا. ورغم نبرتي العادية، إلا أنها كانت ترتعد بشكل يثير الشفقة. حاولتُ مدّ يدي لأهدئها، لكنها تراجعت بذعر.
“آسفة! أرجوكِ أعذريني يا ملكة الشياطين!”
ثم بدأت بالبكاء والاعتذار بحرقة:
“لقد أخبرتني ألا أخرج وحدي أبدًا.. لكن الحراس اختفوا، وشعرتُ بالخوف الشديد..”
“لا، انتظري، أنا فقط—”
“أخطأتُ، أرجوك سامحني هذه المرة فقط.”
وسط نحيبها، شعرتُ بصدمة زلزلت كياني.
إذن، أنا الآن في جسد ملكة الشياطين؟ تلكَ الزعيم طة التي قتلتُها بيدي؟
في اللعبة، كان ملك الشياطين يرتدي دائمًا قناعًا ورداءً يغطي حتى أطراف شعره، لذا لم يسبق لأحد رؤية وجهه. لم يكن الأمر مستحيلاً.. لكن ما أذهلني حقًا كان شيئًا آخر.
“كيف يمكن لمخلوق أن يكون بهذا الجمال؟”
كانت الطفلة تبدو رثة الثياب، ترتدي فستانًا مهترئًا ووجهها ملطخ قليلاً، ومع ذلك، كانت من الرقة بحيث تمنيتُ ضمّها إلى صدري فورًا.
“أرجوك.. لا تحبسني في الظلام وحدي مرة أخرى!”
.. رغم أن الكلمات التي خرجت من ثغرها الجميل كانت تقطر مأساوية.
انحنيتُ برفق وجلستُ على ركبتي لأصبح بمستوى طولها، وقلت:
“ما اسمكِ يا صغيرة؟”
“هاه؟”
رأيتُ الخوف والريبة يملآن عينيها الواسعتين. بسطتُ كفيّ الفارغتين أمامها وابتسمتُ بأقصى قدر من الحنان لأبدو غير مؤذية.
“قد يبدو الأمر غريبًا، لكن ذاكرتي مشوشة قليلاً. أخبريني، ما اسمكِ؟”
“.. اسمي تينا. كريستينا روتشيسـتين.”
كريستينا.
ما إن نطقت بالاسم حتى تأملتُ وجهها مرة أخرى. الشعر الذهبي الكثيف الذي يحيط بوجنتيها الصغيرتين، والعينان اللتان تشبهان ضوء الشمس الدافئ.
لا شك في ذلك.. هذه الطفلة هي الأميرة التي يُفترض أن يختطفها ملك الشياطين في اللعبة.
“لكنها.. طفلة صغيرة جدًا!”
نظرت إليّ وهي تمسك بطنها الصغيرة وتكاد تبكي:
“سـ.. سيدي ملك الشياطين.. أنا جائعة.”
في تلك اللحظة، توقفت حواسي عن العمل. تباً للتجسد وتباً لكل شيء! هرعتُ أفتش القلعة كالمجنونة؛ فمَن يرى الدموع في عينيها ولا يسعى لتقديم كل ما يُؤكل تحت قدميها؟
حين قدمتُ لها الطعام، بدأت تحشو فمها وتلوكه بسرعة كأنها سنجاب صغير.
“يا إلهي، يبدو أنكِ كنتِ جائعةً حقًا.”
“أجل.. أجل..”
“مَن الأحمق الذي ترك طفلة مثلكِ تتضور جوعًا؟”
“أنت.. سيدي ملك الشياطين.”
“…”
لجمتني الصدمة.
ظلت تينا تأكل بجد حتى انتفخت وجنتاها، ثم نظرت إليّ بحذر وهي تفرك يديها الصغيرتين.
“هل.. هل يجب أن أغني لك تهويدة النوم الليلة أيضًا؟”
“ماذا؟”
“لقد كنتَ تطلب ذلك دائمًا.. تقول إن صداعك يشتد ولا تنام إلا بصوتي..”
في القصة الأصلية، اختطف ملك الشياطين الأميرة بسبب قواها السحرية الكامنة في صوتها، حيث يزداد سحرها أضعافًا حين تغني، وأبرز قواها كان “سحر الشفاء”. إذن، اختطفها لتكون معالجته الخاصة.
“لاحظتُ أن صوتها مبحوح قليلاً..”
أمسكتُ يديها الصغيرتين وسألتها بلهفة:
“هل كنتُ.. أعني، هل كنتُ أجبركِ على الغناء لي كل ليلة؟”
“أجل..”
“حتى حين تكونين متعبة أو تشعرين بألم في حنجرتكِ؟”
“…”
لم تجب، بل اكتفت بالصمت، وكان صمتها أبلغ رد.
“يا للمصيبة!” ضربتُ جبهتي بيدي. كدتُ أشتم لولا وجودها أمامي. بدلاً من ذلك، جذبتُها إليّ وعانقتُها بقوة؛ كانت دافئة وناعمة كغيمة.
“أين كان ذلك البطل اللعين؟ ولماذا لم ينقذها حتى الآن؟”
لم ألم البطل وحده، بل والديها أيضًا. كيف تُختطف ابنة رقيقة كهذه ولا يسيّرون الجيوش فورًا لاستعادتها؟ أعلم أن لكل منهما ظروفه في اللعبة، لكن قلبي كان ينفطر رؤية هذه الطفلة.
حاولتُ معاملتها بلطف، لكن الخوف ظل يسكن قلبها. وحين حل الليل، ورغم رفضي القاطع، أتت إلى غرفتي.
“أنا.. لستُ متعبة الليلة! وقد أطعمتني جيدًا، لذا سأغني لك ببراعة!”
“لا داعي لذلك يا تينا..”
“حنجرتي لا تؤلمني أبدًا. قد لا أستطيع الغناء لأربع ساعات كما في السابق، لكن ساعة أو ساعتين..”
لم تحتمل نفسي سماع المزيد. كانت تحاول إرضائي بشتى السبل خوفًا من بطشي، وهذا ما جعلني أشعر بضيق أكبر.
“تعالي إلى هنا يا تينا.”
جذبتُها إلى حضني. شعرتُ بجسدها يتصلب ذعرًا، لكنها لم تتراجع.
“تينا، لن أجبركِ على الغناء بعد الآن.”
“لماذا؟”
“لأنني.. أستطيع النوم دون تهويدات. لستُ أكره صوتكِ، بل أكره أن أراكِ تتألمين. ثم إن التهويدة يجب أن تُغنى للصغار مثلكِ، لا العكس.”
“لكن..”
لم تستوعب التغير المفاجئ في معاملتي. وضعتُها برفق على سريري الضخم الذي ابتلع جسدها الصغير، وبدأتُ أمسح على شعرها الذهبي وأنا أغمض عينيّ وأدندن:
“نم يا صغيري.. نم..”
بدأتُ أغني لها أشهر تهويدة عرفتُها. تملكتها الدهشة وهي تراقبني بعينيها الواسعتين، لكن سرعان ما بدأ النعاس يداعب أجفانها.
“لقد كانت منهكة فعلاً..”
ابتسمتُ وأنا أكمل الغناء، بينما كنتُ أربتُ على كتفها وأبعد خصلات شعرها عن وجهها، حتى غطت في نومٍ عميق، ولم يمضِ وقت طويل حتى استسلمتُ أنا الأخرى لسلطان النوم بجانبها.
التعليقات لهذا الفصل " 1"