صياد مصاصي الدماء دي
الفصل السادس
مع مرور الأجيال، وقد انشغل كل جيلٍ بمجرد البقاء على قيد الحياة، أخذت ذكريات الماضي تبهت شيئًا فشيئًا.
ازداد عدد البشر قليلًا بعد ألف عام، لكن الحضارة نفسها هوت من جديد إلى مستوى العصور الوسطى.
خوفًا من المخلوقات المتحولة التي أنجبتها الإشعاعات والأشعة الكونية، شكّل البشر جماعات صغيرة وانتقلوا إلى السهول والغابات التي استعادت خضرتها تدريجيًا عبر السنين.
وفي صراعهم مع البيئة القاسية، اضطروا أحيانًا إلى قتل أطفالهم حديثي الولادة حفاظًا على ما تبقى من طعامهم القليل.
وفي أوقاتٍ أخرى… كان الرضع أنفسهم يملأون بطون آبائهم الجائعة.
—
وفي تلك الحقبة ظهروا.
في ذلك العالم المظلم الغارق في الخرافات… ظهر مصاصو الدماء.
كيف ظلوا مختبئين عن أعين البشر، يعيشون في الظلال المترفة، لم يكن واضحًا.
لكن طبيعتهم كانت مطابقة تقريبًا لما تصفه الأساطير، وكأنهم الكائنات الأنسب ليتولوا دور السادة الجدد للتاريخ.
خالدون لا يشيخون ما داموا يشربون دماء الكائنات الأخرى، كان مصاصو الدماء يتذكرون حضارةً نسيها البشر تمامًا.
وكانوا يعرفون جيدًا كيف يعيدون بناءها.
قبل الحرب النووية بوقتٍ طويل، كان مصاصو الدماء قد تواصلوا مع أفراد جنسهم المختبئين في ظلمات العالم.
وكان لديهم مصدر طاقة خارق مخفي طوروه سرًا داخل ملاجئ خاصة بهم، إضافة إلى الحد الأدنى من الآلات اللازمة لإعادة بناء الحضارة بعد وقوع أسوأ الكوارث.
لكن هذا لا يعني أنهم هم من تسبب في الحرب النووية.
من خلال الإدراك الخفي، والفنون السوداء، وقدرات نفسية لم يكن البشر يتخيلون أنهم امتلكوها… عرف مصاصو الدماء ببساطة متى سيدمر البشر أنفسهم، وكيف يمكن لهم بعد ذلك إعادة النظام إلى العالم.
وهكذا أعيد بناء الحضارة.
لكن الأدوار انقلبت بين البشر ومصاصي الدماء.
—
لم يمر وقت طويل حتى ظهرت الاحتكاكات والصراعات بين الطرفين.
في غضون ألفي عام فقط من ظهورهم على مسرح التاريخ، منح مصاصو الدماء العالم حضارة هائلة تقوم على العلم الفائق والسحر.
وأطلقوا على أنفسهم لقب النبلاء.
وأخضعوا البشر لحكمهم.
المدينة الآلية ذات العقل الإلكتروني والإرادة الشبحية، والسفن الفضائية العابرة للنجوم، وأجهزة التحكم بالطقس، وتقنيات تحويل المادة لإنتاج كميات لا نهائية من الموارد—كل ذلك وُجد بفضل أفكارهم وأعمالهم وحدهم.
لكن…
من كان ليتخيل أن هذه العصر الذهبي سيتحول خلال خمسة آلاف عام فقط إلى طريقٍ يقودهم إلى الانقراض؟
في النهاية… لم يكن التاريخ ملكهم.
—
كمخلوقات حية، لم يمتلك مصاصو الدماء شرارة البقاء العنيدة التي يملكها البشر.
أو ربما الأصح أن حياتهم احتوت عنصرًا يقود حتمًا إلى دمارهم.
ابتداءً من نهاية الألفية الرابعة للميلاد، بدأت حضارة مصاصي الدماء تفقد طاقتها بشكل مذهل.
ومن هنا بدأت الثورة البشرية الكبرى.
رغم أن مصاصي الدماء كانوا خبراء في فسيولوجيا الدماغ البشري، وطوروا علم النفس إلى حد يمكنهم من التحكم بعقول البشر كما يشاؤون…
فإنهم في النهاية عجزوا عن القضاء على غريزة التمرد الكامنة في أعماق الروح البشرية.
—
أضعفتهم الانتفاضات المتتالية.
ودخل النبلاء في عشرات اتفاقيات الهدنة مع البشر، وكان كل اتفاق يحفظ السلام لفترة قصيرة فقط.
ثم بدأ النبلاء يختفون تدريجيًا… كعدميين نبلاء أدركوا مصيرهم.
بعضهم انتحر.
وبعضهم دخل في سباتٍ سيستمر حتى نهاية الزمن.
وقلة قليلة غادرت إلى أعماق الفضاء، رغم أن معظم مصاصي الدماء لم يرغبوا في العيش خارج الأرض.
ومهما يكن…
فإن أعدادهم كانت تتناقص باستمرار.
وفي النهاية تفرقوا أمام مطاردة البشر.
وبحلول عام 12090 ميلادية، لم يعد لمصاصي الدماء دور سوى إرهاب البشر في مناطق التخوم.
ومع ذلك…
وبسبب هذا الدور تحديدًا، ظل البشر يشعرون تجاههم برعبٍ خاص يهز أعماق أرواحهم.
—
بصراحة، كان من المعجزة أن يتمكن البشر أصلًا من التخطيط لثورة وتنفيذها.
فالرعب الذي كان الجميع يشعرون به تجاه مصاصي الدماء—الذين ينامون نهارًا ويستيقظون ليلًا ليمتصوا دماء البشر ويضمنوا خلودهم—أصبح جزءًا من أساطيرهم.
إلى جانب الحكايات القديمة عن تحولهم إلى خفافيش أو ذئاب، وقدرتهم على التحكم بعناصر الطبيعة.
وبفضل التلاعب النفسي المستمر طوال هذا العصر الآلي، ترسخ هذا الرعب في أعمق طبقات النفس البشرية.
يقال إن المرة الأولى التي وقع فيها البشر هدنة مع حكامهم من مصاصي الدماء، كان جميع ممثلي البشر تقريبًا—عدا واحدًا—يرتجفون حتى اصطكت أسنانهم.
وحتى بعد اختفاء مصاصي الدماء من العاصمة، احتاج البشر قرابة ثلاثمئة عام ليتفقدوا كل شارع وكل مبنى فيها.
—
لكن يبقى سؤال أبدي:
لماذا لم يقم مصاصو الدماء بإبادة الجنس البشري تمامًا؟
لم يكن الأمر خوفًا من فقدان مصدر الدم، فهم أتقنوا تصنيع الدم البشري صناعيًا منذ بداية حضارتهم.
كما أنهم امتلكوا من الروبوتات ما يكفي للقيام بكل الأعمال اليدوية.
فلماذا إذن سمحوا للبشر بالبقاء، حتى بوصفهم تابعين؟
هذا لغز.
ربما كان بسبب شعور بالتفوق…
أو بدافع الشفقة.
—
لم يعد البشر يرون مصاصي الدماء كثيرًا.
لكن الخوف بقي.
في حالات نادرة للغاية كانوا يظهرون من أعماق الظلام، ويتركون عضتهم الدنيئة على أعناق ضحاياهم الشاحبة.
أحيانًا يخرج إنسان لمطاردتهم وهو يحمل وتدًا خشبيًا كالممسوس.
وأحيانًا أخرى يطرد البشر الضحية من بينهم… وهم يصلّون بصدق ألا يعود مصاصو الدماء مرة أخرى.
—
ومن هذا الخوف وُلد الصيادون.
بسبب قوتهم الهائلة، لم يكن مصاصو الدماء مهتمين بالقضاء على المخلوقات المتحولة التي خاف منها البشر بعد الحرب.
بل على العكس…
كانوا يحبون تلك الوحوش.
ربوها… بل وخلقوا غيرها بأيديهم.
بفضل معرفتهم العظيمة بعلم الأحياء والهندسة الوراثية، أطلق مصاصو الدماء على عالم البشر وحشًا أسطوريًا تلو الآخر:
المستذئبون، نمور البشر، رجال الأفاعي، الغولم، الجنيات، كائنات البحر، العفاريت، الراكشاس، الغيلان، الزومبي، البانشي، تنانين النار، السلمندرات المقاومة للهب، الغريفين، الكراكن… وغير ذلك الكثير.
ورغم أن خالقيها كانوا يقتربون من الانقراض، ما زالت هذه المخلوقات تعيث فسادًا في السهول والجبال.
—
عمل البشر الأرض بالآلات القليلة التي سمح بها النبلاء.
ودافعوا عن أنفسهم بنسخٍ بدائية من أسلحة البارود القديمة، أو بسيوفٍ ورماح صنعوها بأيديهم.
وعبر أجيال طويلة درسوا طبيعة تلك الوحوش المصطنعة، وتعلموا قواها ونقاط ضعفها.
ومع مرور الوقت، بدأ بعض الناس يكرسون حياتهم لصناعة الأسلحة وابتكار طرق لقتلها.
من بينهم من تخصص في صناعة الأسلحة الأكثر فاعلية.
ومن بينهم من امتلك قوة ورشاقة خارقة فتدرب على استخدامها.
وكان هؤلاء المحاربون الاستثنائيون… أول الصيادين.
ومع الزمن ظهرت تخصصات أدق:
صيادو نمور البشر، صيادو الجنيات…
لكن بين الجميع كان صيادو مصاصي الدماء يُعترف بهم كأقوى وأذكى الجميع، وبإرادةٍ فولاذية لا تخضع للرعب الذي يلقيه الحكام السابقون في قلوب الآخرين.
—
صباح اليوم التالي
في صباح اليوم التالي، استيقظت دوريس على صهيلٍ حاد لحصان.
اخترق الضوء الأبيض نافذتها، معلنًا بداية يومٍ جديد.
كانت مستلقية على السرير بملابسها نفسها التي كانت ترتديها عندما أفقدها دي وعيها.
في الحقيقة، كان دي قد حملها إلى السرير بعد انتهاء اشتباكه الأول.
كانت أعصابها مرهقة من القلق بعد هجوم مصاص الدماء عليها، ومتعبة من بحثها الطويل عن صياد.
لكن عندما أنامتها قوة يد دي اليسرى…
غمرها سلام كامل، فنامت بعمق حتى الصباح.
—
لمست حلقها غريزيًا.
وتذكرت ما حدث الليلة الماضية.
ماذا حدث بينما كنت نائمة؟
قال إن لدينا ضيفًا… لا بد أنه هو.
تساءلت بقلق:
كيف كانت نتيجة القتال بالنسبة إلى دي؟
قفزت من السرير مذعورة.
لكن تعبيرها أشرق فجأة.
كانت تشعر ببعض الكسل، لكن جسدها لم يكن فيه شيء غير طبيعي.
لقد حماها دي.
تذكرت فجأة أنها لم تخبره حتى بمكان غرفته.
مررت يدها في شعرها المبعثر من النوم، وهرعت خارج غرفتها.
—
كانت الستائر الثقيلة في غرفة المعيشة مسدلة تمامًا.
وعند طرف الغرفة المعتمة كان هناك أريكة… تتدلى من نهايتها زوج من الأحذية.
قالت بفرح:
“دي، لقد نجحت حقًا، أليس كذلك؟
كنت أعلم أن توظيفك كان القرار الصحيح!”
ومن تحت قبعة المسافر التي كانت تغطي وجهه جاء صوته المنخفض المعتاد:
“أنا فقط أقوم بعملي.
آسف… يبدو أنني نسيت إعادة الحاجز.”
قالت دوريس بحماس وهي تنظر إلى الساعة فوق المدفأة:
“لا تقلق بشأن ذلك.
إنها السابعة وخمس دقائق صباحًا فقط. عد إلى النوم قليلًا. سأحضر فطورك فورًا… وسأجعله أفضل ما أستطيع.”
في الخارج صهل الحصان بصوت عالٍ مرة أخرى.
تذكرت دوريس أن لديها زائرًا.
تمتمت بضيق:
“من يكون هذا الذي يحدث كل هذا الضجيج في هذا الوقت المبكر؟”
اتجهت نحو النافذة، وكانت على وشك رفع الستارة—
حين جاءها صوت حاد:
“لا!”
فتجمدت يدها في مكانها.
ــــــ
ترجمة: ريوس
حسابي على الانستكرام: l_5mnq
رابط تلجرام: https://t.me/Vampire_Hunter12
تنزل هناك فصول اول باول
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"