وسرعان ما، بعد أن تفحّصت محتواه، أطلقت ضحكةً خفيفة واستدارت لتُدخل تاهيز إلى الداخل.
“لم أكن أظنّ أنّني سأتلقّى طعامًا هنا أيضًا. دعوتك إلى برج السحرة، ومع ذلك لا أستطيع حتى أن أُرشدك أو أُحسن ضيافتك كما ينبغي، أنا آسفة.”
“أبدًا. من الأفضل لي أن آكل طعامًا مألوفًا.”
ما أرقّ هذه الكلمات.
ضحكت كلوي بخفّة، وقادت تاهيز إلى طاولةٍ في زاوية المختبر.
وبإشارةٍ يسيرة، انفتحت خزانٌة، واندفعت أدوات الطعام طائرةً نحوهما.
وبينما كانت تُخرج الطعام من الجراب قطعةً تلو أخرى، توقّفت عند صوت تاهيز.
“لا حاجة لترتيبه. سلّمتُك الجراب لتأكلي وأنتِ تعملين.”
“أتمزح، أليس كذلك؟“
سألت كلوي بنصف ابتسامة، لكنها أطبقت فمها عند رؤيتها وجه تاهيز الجادّ.
وما الذي كان يفكّر فيه، وهو يُخرج كومةً من الوثائق من حقيبته وينشرها في موضعٍ خالٍ على الطاولة؟
“أنا جادّ. لديّ أمورٌ متراكمة للمراجعة، فسأكون ممتنًّا إن استطعنا أن نعمل من غير أن نقلق أحدنا على الآخر.”
رمشت كلوي سريعًا.
‘أهذا حقًّا مقبول؟‘
راقبته صعودًا وهبوطًا في شيءٍ من التردّد، ثم ابتسمت ببطءٍ ابتسامةً مشرقة.
“حسنًا. حظًّا موفقًا، هيز. استمتع بغدائك.”
“نعم، كلوي. وأرجو لكِ وقتًا طيبًا أيضًا.”
وهكذا افترق الزوجان المزيّفان، وشرع كلٌّ منهما في مهمّته.
كان الطعام في الجراب مُعبّأً بقطعٍ صغيرة يمكن أكلها من غير حاجةٍ إلى كثيرٍ من الأدوات.
انغمست كلوي سريعًا في بحثها، وكانت بين الحين والآخر تغرز الشوكة في الطعام وهي تُراجع ملاحظاتها التجريبية.
وقد بدت على وجهها مسحةُ الجدّ وهي تدوّن نتائج تنقية المواد المختلفة ودمجها عبر فنّ الخيمياء.
‘لم أكن أتصوّر أن ينتهي الأمر إلى هذا.’
ألقى تاهيز نظرةً إلى كلوي من فوق الوثائق.
لم يُقلب في يده صفحةٌ واحدة.
فمن البداية إلى النهاية، ظلّ انتباهه مشدودًا إليها.
‘لم أتوقّع أن تقبل اقتراحي كما هو.’
تحوّلت عيناه الزرقاوان إلى الرفّ القريب من كلوي.
قطعةُ خبزٍ عليها آثارُ عضّات، باقيةٌ من فطورها، كانت ملقاةً في شيءٍ من الإهمال.
كان واضحًا أنها تُركّز على عملها الرئيسي هنا، حتى إنها تختزل وقت الوجبات.
لذلك اختار تاهيز أن يعمل هو أيضًا بعد قدومه إلى برج السحرة.
لم يُرِد أن ترى كلوي لقاءهما مضيعةً للوقت أو عبئًا.
‘ما دام الأمر قد آل إلى هذا، فحريٌّ بي أن أُمعن النظر في الوثائق.’
راح تاهيز يمضغ آليًّا قطع اللحم الصغيرة، وهو يتصفّح النصوص بعينيه.
أخرج مجموعة أدوات الكتابة التي أحضرها، ووقّع بخطٍّ حادّ، وكان يدوّن بين الحين والآخر ملاحظاتٍ أنيقة في خانة التعليقات وهو يُقلّب الصفحات.
صوتُ فَوَرانِ الجرعاتِ السِّحريّة وهي تغلي. وصوتُ أزيزِ التفاعلات. وصوتُ خَدشِ القلمِ وهو يكتب. ويُضافُ إلى ذلك صوتُ خَفَقانِ الأوراقِ وهي تُقلَّب.
وكانت العينان الزرقاوان تلتفتان بين حينٍ وآخر إلى الساحرة، لكن لم تُتبادَل كلمات.
اكتفى بمشاهدتها وهي تنهمك في بحثها باجتهاد، ثم عاد إلى وثائقه.
ساد المختبرَ صمتٌ مريح.
واستمرّ ذلك حتى غادر تاهيز الغرفة في هدوء عائدًا.
“لا بدّ أنني مجنونة، حقًّا…”
أدركت كلوي متأخرةً أن تاهيز قد اختفى، فأطلقت أنّةً مكتومة.
ومهما بلغت درجة تركيزها في تجاربها، فقد شعرت بسوءٍ لأنها ودّعت ضيفًا دعتْه من غير كلمة.
‘لِمَ لم يُلقِ عليّ كلمةَ وداع؟‘
حاولت أن تُلقي اللوم عليه، لكنها لم تكن من السذاجة بحيث لا تدرك أنه فعل ذلك مراعاةً لها.
وبفضله، كانت قد أتمّت للتوّ تركيبًا مهمًّا.
وهي تتنهّد، سحبت كلوي رقعةً وكتبت رسالةً إلى تاهيز.
وأرسلتها مرفقةً بدعوةٍ جديدة، غير واعيةٍ أن تلك كانت المرة الأولى التي تبادر فيها بالتواصل.
[هيز،
أعتذر لأنني اكتفيتُ بتوديعك هكذا. لقد انغمستُ في عملي حتى إنني لم ألحظ مغادرتك.
بفضلك تناولتُ غداءً طيبًا. وبما أنني دعوتك ثم تركتُك وحدك، فسأصحبك في المرة القادمة في جولةٍ لائقة في برج السحرة وجزيرة السماء. بعد أن أُنجز البحث الذي أعمل عليه حاليًا. إنه مهمٌّ بالنسبة إليّ، لذا أرجو أن تتفهم أنني لا أستطيع تخصيص وقتٍ الآن.]
وجاء ردّه سريعًا.
[كلوي،
ألم يكن التركيز على عملكِ طلبي أنا؟ لقد غادرتُ في هدوء عن قصد، فلا تُثقلي نفسكِ بذلك.
أستلّمتُ الدعوة الجديدة التي أرسلتِها. إن لم يطرأ أمرٌ آخر، فسأستخدمها لموعدنا القادم.
لم يُزعجني أن أراجع الوثائق في مختبركِ. فأنا مشغولٌ أيضًا. وإن وجدتِ صعوبةً في تخصيص وقتٍ في المرة المقبلة، فلنفعل ذلك.
مستحضرًا الوقت الذي قضيته معكِ.
تاهيز إسكالانتي]
نظرت كلوي إلى رسالة تاهيز وحسبت التواريخ على عجل.
ورغم أن بحثها كان يوشك على نهايته، فإن موعد تسليم أطروحتها ظلّ غير مؤكّد.
حتى بأسرع وتيرة، كان الأمر سيستغرق نحو شهر، فقرّرت أن تُخادع ضميرها لحظةً.
وأجلت الهدية التي وعدت بإعدادها، ومعها دَين الامتنان.
كانت الرسائل القصيرة التي تبادلاها بعد ذلك ذات مضمونٍ بسيط.
اتفقا على أن يلتقيا في مختبر كلوي ويؤدّي كلٌّ منهما عمله في الوقت الراهن، مع تقليل وتيرة اللقاءات.
كان ترتيبًا ذا منفعةٍ متبادلة من نواحٍ كثيرة.
يُظهر علاقةً وثيقة، ويُتيح في الوقت ذاته استثمار الوقت بكفاءة.
الشيء الوحيد الذي أقلقها هو أن تاهيز كان عليه تفعيل بوابة الانتقال بأحجار المانا.
وعلى خلافها، فهي ساحرة، أما هو فكان يدفع ثمنًا باهظًا للتنقّل.
‘لو كنتُ أعلم أن الأمر سينتهي إلى هذا، لأخذتُ عددًا أقلّ من أحجار المانا.’
كانت كلوي قلقةً من أن يزور تاهيز برج السحرة على نفقته في كل مرة، لكن لم يكن بيدها حيلة.
كان خروجه إليها أفضل من أن تعود هي فتُحضره وتُعيده بنفسها.
وكان خيارًا لا ترغب في التفكير فيه الآن.
‘الدَّين يتراكم.’
تنهدت.
لسببٍ ما، شعرت أن دينها تجاه تاهيز يزداد باستمرار.
كلما ظنّت أنها سدّدته، عاد فازداد، مما جعلها تخشى ما قد يحدث إن واصلت تأجيله.
وكان الأصل أن يتحمّل هو جميع تكاليف لقاءاتهما وفقًا للعقد، لذا فليس دَينًا من الناحية التقنية، ومع ذلك بدا كذلك.
“…ينبغي أن أُنهي بحثي أولًا.”
تمتمت كلوي بوعي.
مستعينةً بالقوة الكامنة في الكلمات دافعًا، مدت يدها إلى المواد المبعثرة في فوضى.
فلا يزال أمامها طريقٌ طويل قبل أن تستسلم للتأمّل.
***
“مرحبًا، هيز.”
“مساء الخير، كلوي.”
كان الاثنان يُظهران نمطًا رتيبًا في كل لقاءٍ أسبوعي.
كان تاهيز، بعد أن يُسلّم أكثر من نصف الطعام إلى كلوي، يجلس في زاوية المختبر ويشرع في معالجة الوثائق.
وأما كلوي، فكانت تأكل الغداء الذي أحضره، ثم تنغمس في تجاربها.
وبينما كانت الريشة منهمكةً في كتابة الأطروحة، كان تاهيز يراقبها.
وسط الدخان المتصاعد أحيانًا، كان شيءٌ ما يلمع، أهو مادّة أم سحر.
وكانت مراقبة كلوي، التي تبتسم أحيانًا ابتساامة رضى وهي تتابع مجرى التجربة بوجهٍ ثابت، متعةً له.
كلما صفّقت بأصابعها، قفز شيءٌ من المخزن وسقط ضحيةً لها.
ومع ريشةٍ ترقص في الهواء بلا انقطاع، كانت الصورة صورةَ ساحرةٍ على النحو المألوف.
وحين تشعر بشيءٍ غريب فتدير رأسها، كان قد سبقها إلى النظر في الوثيقة التالية.
يوقّع ويقلّب الصفحات بوجهه المعتاد الخالي من التعبير، ثم يمضي تاهيز ساعتين ويغادر المختبر في هدوء.
“أحضرتَ شيئًا لتعمل عليه اليوم أيضًا؟“
“نعم، كلوي.”
ومن غير أن يشعرَا، أصبحت وتيرة لقاءاتهما غير منتظمة.
مرةً كل أربعة أيام، ومرةً في الأسبوع. وأحيانًا مرةً كل ثلاثة أيام.
التعليقات لهذا الفصل " 43"