الفصل 62
“مرحبًا، أخي! أنتَ الأخ الثالث، صحيح؟”
كانت هذه الطفلة ما تزال تبدو مريضة كما كانت في ذلك اليوم حين جاءت تبحث عن روي لأول مرة وهي في الثامنة.
ومع ذلك، كانت جميلة كدمية، لطيفةً ومحبوبة.
“كنتَ تتدرّب هنا اليوم أيضًا؟”
كان صوتها مليئًا بالحيوية.
لكن روي كان أحيانًا يشعر أن أخته الصغيرة تشبه طائرًا سقط من عشه.
صغيرة ومحبوبة، لكنها مثيرة للشفقة، كفرخٍ مريض لم يكتمل نموّه بعد.
في الحقيقة، كانت هذه الفتاة الصغيرة تنجز الكثير بجسدها الضئيل، إلا أن إحساس روي لم يتغيّر.
“سمعتُ من السير راينانتي أن مهاراتكَ تحسّنت كثيرًا!”
“قال… ذلك أيضًا قبل شهر….”
“نعم، هو ليس ممن يجاملون بالكلام. أنا سعيدة.”
مرّ عام، فازداد طول روي بأكثر من شبرين، بينما لم يزد طول رايا سوى قبضة يد.
تفحّصت رايا روي بعناية، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة. كانت تتأكد من عدم وجود إصابات.
“ستصبحُ أكثر روعةً يا أخي!”
شعر روي بالقلق قليلًا.
…إنّها صغيرة جدًا.
بهذا المعدل، حتى حين يبلغ هو سن الرشد، ألن تبقى صغيرة كما هي؟
عندها، فكّر، سيحمل أخته بين ذراعيه إن لزم الأمر.
“أخي، تعلّمتُ شيئًا مذهلًا اليوم، هل تريد أن ترى؟”
أومأ روي.
أحيانًا، كان يتذكّر الصوت الأخير الذي تركه معلّمه السابق.
“لقد تمّ التخلّي عنكَ لأن مهاراتك لا تساوي شيئًا.”
كان روي بلاك وينتر يرى نفسه طفلًا عديم الفائدة.
منذ السابعة وحتى بلغ الثالثة عشرة، ظلّ كذلك.
“وسيظل الأمر كذلك غالبًا. أقول هذا لمصلحتكَ، يا سيدي الشاب. لا حاجة في هذه العائلة لوريثٍ غير كايل بلاك وينتر. بل لا سبب لبقائكَ حيًا….”
تلك الكلمات التي طبعها في ذاكرته أكثر شخصٍ أحبه ما زالت حيّة. لذلك ظلّ يرى نفسه بلا قيمة.
لكن إن كانت أخته التي أمامه هي من أعادت إليه تلك القيمة، فقد رأى روي بلاك وينتر أن العيش لأجلها ليس خيارًا سيئًا.
كانت مشاعره عمياء، كحيوانٍ فتح عينيه لتوّه وانطبع على أول ما رآه.
لأن…
بدل أن يُكمل فكرته، رفع رأسه.
“انظر!”
سقط شيء بارد على وجنته.
“إنه ثلج. أليس جميلًا؟”
من السماء الصافية تمامًا، بدأت رقاقات ثلجٍ تتساقط حقًا.
لكنها لم تتساقط إلا فوق المكان الذي يقفان فيه هما فقط.
“…….”
لم تتساقط إلا بضع رقاقات قبل أن تتوقف، لكن ملمسها الرطب كان واضحًا على خدّه.
“ما الأمر؟ لماذا لا تردّ؟ أليس جميلًا؟ أليس كذلك؟ مذهل، أليس كذلك؟”
“……نعم.”
فكّر روي.
في حياته القصيرة، لم يكن هناك ما هو لطيف أو محبوب أو جميل.
لم يكن هناك سوى أشياء كئيبة وباردة، مثل لون شعره.
ولهذا كانت أخته الصغيرة—كفرخٍ بالكاد يحتضنه كفّاه—ثمينة.
لم يُرِد أن يفقد دفئها ولا لطفها.
“في المرة القادمة سأريكَ شيئًا أروع.”
“حسنًا. أحبُّ ذلك.”
في الحقيقة، في هذه اللحظة، كانت رايا بلاك وينتر تظن أنه منذ أن قرر روي اتباعها، فقد خرج عن الدور المحدد له في القصة.
من دور “الشرير الذي يغويه الشيطان بسبب عقدة النقص فينضم إلى معسكره”.
“إن كان منكِ، فأيّ شيء يعجبني.”
ولهذا… لم تكن رايا تعلم.
بل لم تكن تعلم إطلاقًا.
أن “الشيطان” وجودٌ أعظم بكثير مما تتخيّل.
-كِكِك.
ما الذي نشأ روي بلاك وينتر وهو يسمعه؟
وما الذي ما زال يسمعه حتى هذه اللحظة؟
لم تكن رايا تعلم.
-أتريد أن تصبح أقوى؟ إذًا تقبّلني.
تردّد في أذن روي صوتُ ضحكٍ خافت.
-روي، إن قبلتَ قوتي، ستصبح أقوى.
شعر روي بغريزته.
-ألا تريد أن تحصل على كل شيء بسهولة؟ انظر إليّ.
كان الصوت يهمس كما لو أنه بجانبه مباشرة.
-الشيطان يستطيع فعل أي شيء.
لكي يحافظ على هذا السلام، عليه أن يرفض هذا الصوت.
تحمّل.
كما فعل دائمًا.
-سأنتظركْ.
2. رأس المال ينفع في كل مكان، أحيانًا حتى مع البطل
-بعد عامين.
في يومٍ تتفتح فيه الأزهار وتتمايل برفق، رفعتُ رأسي أحدّق طويلًا في بتلاتها ثم عطست بقوة.
“أتشو! أتشو! أتشو!”
“آه، آنستي…! هل أنتِ بخير؟”
“ممم، أنا بخير. يبدو أن الزكام لم يُشفَ تمامًا بعد.”
أمسكتُ بمنديل ونفخت أنفي.
’أفرطتُ في التدرب على تعويذة مذهلة مؤخرًا…’
[تدريب مفرط! يسبب انخفاضًا في القدرة البدنية! الحارسُ يعارض التدريب المفرط!]
بما أنها تعويذة تُخفض درجة حرارة المحيط فجأة، فقد أُصبتُ بالزكام بسببها.
[الحارس قلق على سيدته! قلق جدًا!]
’ممم، آسفة آسفة.’
ولأنّ الزكام لم يختفِ بسهولة، اضطررتُ لرؤية شخصٍ لا أطيقه.
وهو طبيبي الخاص.
’لا بد أنني سأراه بعد غياب…’
عبست.
’لسانه بذيء جدًا.’
على الأقل، خلال العامين الماضيين، لم أمرض على نحوٍ يثير الريبة.
ولذلك لم أحتج لرؤيته.
وبما أنه من أشهر الأطباء في القارة، كان مشغولًا يُستدعى إلى كل مكان، وحتى فحوصاتي الدورية كان يرسل تلميذه بدلًا منه.
“أين ليفي؟”
“آه، أظنها مع السيد كالي دوبين. هل أستدعيها؟”
“لا، لا. سيكونان مشغولين. سألتُ بدافع الفضول فقط.”
ارتشفتُ الشاي وابتسمتُ بخفة.
“هل العمل يسير بشكل جيد معها؟ لم أرها منذ أيام.”
“مم… لا أعرف إن كان يصح لي قول هذا، لكنها تشتم رئيسها وهي نائمة.”
“رئيسها؟ ليفي ليس لديها سوى رئيس واحد…”
“نعم…”
بعد أن عرّفتُ ليفي على كالي دوبين قبل عامين، بدأ العمل بحماس.
لكن بعد أقل من عشرة أيام، ظهرت بوجهٍ شاحب.
“آنستي، رئيسي… ماذا كان يعمل سابقًا…؟”
بما أن عدد أفراد منظمة المعلومات كان اثنين فقط، طلبتُ من كالي دوبين أن يعلّمها جيدًا…
يبدو أن جدّنا العجوز، المهووس بالسحر والمغتال السابق، اندفع بحماسٍ زائد.
“أم، مغتالٌ سابق…؟”
“لكن لماذا هو بارع إلى هذا الحد في تزوير الوثائق والابتزاز؟! والاستخبارات والتعذيب— لا، لا شيء….”
كانت ليفي على وشك البكاء. لكن منذ يومٍ ما، بدأ بريق حاد يظهر في عينيها.
ثم صارت تحتفظ بورقة داخل صدرها.
وعندما سألت، قال إنها “استمارة استقالة من المنظمة”.
يبدو أن الاحتفاظ بطلب استقالة في الصدر يجعل العمل يسير أفضل…
’وقتها فكرتُ فعلًا إن كان عليّ أن أسمح لليفي بالاستقالة.’
لكن عندما سألتها بقلق، قالت إنّ الأمر ليس كذلك. قالت إنه سيجعل رئيسها يعترف بها.
تذكرتُ ذلك فانفجرتُ ضاحكة.
“سمعتُ أنّ أحد المرؤوسين انضم مؤخرًا، يبدو أنه مستمتع.”
“آه، يقول إن… متعة تشغيله موجودة نوعًا ما….”
لهذا أقول إن حبّ الكبار للصغار مخيف. أم يجب أن أقول… تنمّر الكبار؟
هززتُ رأسي وأنا أفكر في العميل الجديد الذي انضم تحت ليفي.
“الآنسة الشابة، وصل الضيف.”
دخل أحدهم إلى الشرفة وخاطبني. أدرتُ رأسي، فرأيتُ راينانتي ينحني لي باحترام.
نظرتُ إليه بدهشة.
“سيدي، لماذا تقوم بعمل الخدم؟”
“كنتُ في الرواق، فنقلتُ الرسالة بدلًا منهم. ثم هل أسمح لخادمٍ بالاقتراب منكِ آنستي؟”
“ولِمَ لا؟”
“سيتلوث الهواء.”
“…أتمزح؟”
كان وجه راينانتي جامدًا كعادته. أعرف الآن أنه يقول النكات بوجهٍ جاد.
لكن هذه المرة بدا جادًا فعلًا.
“لماذا تتحول أكثر فأكثر إلى مربيةٍ مفرطة بدل أن تكون حارسًا خلال هذين العامين؟”
“حقًا؟ إذًا سأقوم بالأعمال التي لا يقوم بها أحد.”
“ومن قال لا أحد؟ لدينا يوري.”
“إذًا سأتولى منصب كبير الخدم أيضًا.”
“لن أعيّنك، لن أفعل.”
أي استبدادٍ هذا، أن أجعل فارسًا من النخبة يعمل خادمًا؟
عندما رددتُ بتهكم، ابتسم راينانتي ابتسامة خفيفة. أحيانًا أشعر أنه تعلّم تلك الابتسامة اللطيفة من كالي دوبين.
“هل لوڤن مع الأخ روي؟”
“نعم. اليوم دور لوڤن. أظنهما يتبارزان مع السيد ستيفان.”
“اليوم أيضًا؟”
“نعم، أعتقد أن اليوم هو النزال رقم 600.”
“والنتائج؟”
“حتى الآن، السيد ستيفان متقدم قليلًا.”
قليلًا…
ستيفان وروي بينهما سنة واحدة فقط.
لكن نظرًا للنمو السريع لعائلة بلاك وينتر، كان الفارق الجسدي بينهما أكبر بكثير من سنة.
ومع ذلك، إن كان روي قد لحق به حتى هذا الحد…
فهذا يعني أن موهبته مذهلة حقًا.
’سأذهب لأشاهد لاحقًا.’
لو خسر ستيفان، فمشاهدته وهو يثور ستكون ممتعة.
“إذًا، من الضيف؟”
“يقول إنه طبيبكِ الخاص.”
“آه.”
…حقًا، ما إن تذكر النمر حتى يظهر.
تجهم وجهي فورًا.
بدت الدهشة على يوري وراينانتي. آه، هذان لم يلتقيا بالطبيب بعد.
“دعه يدخل.”
“نعم.”
فُتح الباب، ودخل رجل.
كان ذا لحية طويلة كمدير مدرسة في فيلمٍ عن أكاديمية سحرية من حياتي السابقة.
لكن الفرق أن لحيته كانت مدببة كشارب فأر. مما منحه مظهرًا ماكرًا.
“مرّ وقت طويل، آنسة بلاك وينتر.”
“…نعم.”
نظرتُ إلى قمة رأسه بامتعاض، ثم أخفيتُ انزعاجي.
“انشغلتُ مؤخرًا، فلم أتمكن من زيارتكِ.”
وكنتُ ممتنة لذلك. لم أشتق لرؤيته.
“في الحقيقة، من الأفضل لكِ يا آنسة، ألاّ تريني. لذلك يسرّني أنكِ كنتِ بصحة جيدة.”
كانت ابتسامته ودودة ومقنعة. بل بدا طيبًا ودافئًا.
وهذا أحد أسباب كرهي له.
ثم، وكأنه كان ينتظر، أكمل كلامه.
“بالطبع، حقيقة أنكِ ستموتين مبكرًا لا تتغير.”
❝ ── ✧ ── ❞
الفصول المتقدمة على قناة التلغرام فالتعليق المثبت أو واتباد ki_lon2 .
التعليقات لهذا الفصل " 62"