الفصل 59
***
“هووه، أحقًا آل الأمر إلى ذلك؟”
بعد بضعة أيام، في المكتبة. جلستُ في الطابق الأول بدلًا من الذهاب إلى المعلم كعادتي.
‘لم أكن أعلم أن في المكتبة مكانًا كهذا.’
المفاجأة أن داخل المكتبة غرفةَ شاي.
غرفةٌ هادئة تُرى من نافذتها نباتات خضراء تملأ المشهد.
ورغم أن ورق الجدران باهت قليلًا، إلا أن المكان يوحي بعنايةٍ مستمرة.
“كالي دوبين، لماذا تتحدث هكذا؟ في الحقيقة، لا بد أنك كنتَ تعلم كل شيء.”
“هوهوهو.”
ابتسم كالي دوبين الجالس قبالتي ابتسامة ودودة وهو يمسّد ذقنه.
في السابق كنتُ سأتظاهر بالجهل مثله، لكن الأمر لم يعد كذلك.
“حتى لو تقاعدتَ من ‘الحراشف الزرقاء’، فأنا أعلم أن معلوماتك لم تُقطع تمامًا.”
“آنستنا ذكية حقًا. هذا العجوز مسرور للغاية.”
“بما أنك لا تنكر، فلا بد أنك سمعتَ بكل شيء.”
“نعم، كيف لي ألا أعلم؟ حتى لو لم أكن يومًا ضمن تنظيم سري، لكنت قد علمت. فقد انتشر الخبر همسًا بين الناس.”
كان كالي دوبين يُجيد إعداد الشاي. قال إن ذلك هوايته.
هوايةٌ مسالمة جدًا.
ظننته ساحرًا مبارزًا هوايته السحر وموهبته الاغتيال، فإذا به يهوى الشاي.
“خبر المبارزة بين الابن الأكبر والابن الثالث كان مدهشًا ومثيرًا للاهتمام. وكذلك كونها اندلعت بسبب الآنسة.”
“وماذا في ذلك؟ أنت تعلم أن الجميع يكرهني.”
“لكن أحدًا لم يتوقع أن يتجرأ الابن الثالث على مواجهة الابن الأكبر لحماية الآنسة، أليس كذلك؟”
“……هذا صحيح.”
اعترف بهدوء بحقيقة أنني مكروهة.
كان ذلك أفضل بكثير من محاولة إنكار الأمر بدافع المجاملة.
“لم أكن أرتاح إلى احتقار الضعفاء المتجذر في هذه العائلة، لذا يمكنني القول إنني شعرت بشيء من النشوة.”
“حقًا؟”
“نعم. لكن الأكثر إدهاشًا… أن الابن الثالث استطاع صدّ سيف الابن الأكبر.”
“آه، ذلك.”
طرقتُ حافة فنجان الشاي بخفة. على سطح الشاي الأخضر الداكن انعكس وجه جروٍ أسود حزين، ثم تلاشى. كتمتُ ابتسامة.
“هو نفسه عابسٌ جدًا. يقول إنه خسر.”
في الحقيقة، كانت خسارته متوقعة.
لكنه لم يحزن للخسارة بقدر ما حزن لأنه لم يستطع حمايتي، لذا انغمس في التدريب بجنون.
حتى إنه حاول النهوض للتدريب فورًا رغم كسر عظامه، واضطررنا إلى إيقافه.
‘لوڤن تمتم بأن الأمر قاسٍ فعلًا.’
على مدى يومين، اضطر راينانتي ولوڤن إلى كبحه حين بدأ يرهق نفسه بشدة.
في الحقيقة، أنا كنتُ الأكثر قلقًا.
كان واضحًا كم يضغط على نفسه.
“لا حاجة لأن يشعر بذلك إطلاقًا… هوهو، إنه شخص غير عادي.”
“أليس كذلك؟ جروُنا الأسود، أعني أخي الثالث، هكذا قليلًا. ثم إن جسد البلاك وينتر مذهل فعلًا، الجروح تلتئم سريعًا.”
“القوة الجسدية الصلبة سمة من سمات البلاك وينتر.”
“نعم، لكنها لم تُمنح لي.”
نظر إليّ كالي دوبين لحظة ثم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها شيء من المرارة.
ثم أنزل نظره قليلًا.
“لا شكّ أن هذه العائلة كانت قاسية على الآنسة.”
لم أجب.
“إذًا، ما هو هدفكِ من الآن فصاعدًا؟ لم أسمع التفاصيل.”
كنتُ قد أخبرته من قبل أنني أريد اقتلاع هذه العائلة من جذورها وإصلاحها.
“سأصبح ربّة العائلة، كالي دوبين.”
“…….”
“وأنتَ لن تستطيع الانسحاب. لقد صعدتَ إلى القارب معي بالفعل.”
جلس آيس فوق إصبعي، وراح يفرك رأسه بظهر يدي بقوة.
لم يُخفِ آيس هيئته أمام كالي دوبين بعدما أدرك أنه أصبح في صفنا.
“بالطبع.”
أومأ كالي دوبين مبتسمًا بلطف.
“لا بد أن تحملي طموحًا كهذا لتستحقي إعلان نفسكِ سيدة ‘الحراشف الزرقاء’.”
“حقًا؟”
ابتسمتُ له بإشراق.
“لن يكون الأمر سهلًا أبدًا.”
“هذا العجوز لم يسلك في حياته إلّا طرقًا شاقة.”
“جيد إذًا، كن مستشارًا صالحًا لي.”
أدرتُ نظري متجاوزةً كالي دوبين إلى النافذة المغمورة بالخضرة خلف كتفه.
قيل إن غرفة الشاي هذه في المكتبة هدية من جدي المقرّب إلى تابعه العزيز كالي دوبين.
مرّ في ذهني مشهد جدي وهو ممدد كالميت.
“……هل كان جدي سيدًا صالحًا لك؟”
“كان سماءًا في نظري. لكن أليس من المفترض أن تصبحي أنتِ تلك السماء الآن، يا آنستي؟”
“الآن بعدما فكرتُ، أليس قرارك سريعًا أكثر من اللازم يا كال؟”
“أبدًا. قبل عقود، حين لامستُ السحر لأول مرة، لم أحتج حتى خمس دقائق لأقرر أن أصبح ساحرًا.”
“…….”
“أؤمن بوجود قدر. وعندما يقترب، يصبح المرء مستعدًا لاتخاذ خيارٍ غير عقلاني برضًا.”
كان الأمر عجيبًا.
الجملة التي قالها الآن… قرأتُ ما يشبهها من قبل.
كانت جملة قالها في هذا الكتاب لاحقًا لبطل القصة.
أدركتُ أنني غيرتُ شيئًا فعلًا.
لا بأس.
“حقًا؟ إذًا يجب أن أتحدث اليوم عمّا لم أستطع قوله آنذاك.”
حوّلتُ نظري، ثم ارتسمت على وجهي ابتسامة ماكرة.
“كنتَ تتساءل عن هذا طوال الوقت، أليس كذلك؟”
رفعتُ يدي وأشرتُ بعيني إلى آيس الجالس على ظهره.
“أتعلم يا كالي دوبين؟ في هذه المكتبة ‘أثر’ صنعه ساحرٌ عظيم.”
قصصتُ عليه بالتفصيل عن المكان الذي يوجد فيه معلمي.
وعن السحر القديم الذي أملكه، وعن آيس كحارس، وكيف اكتشفتُ هذا المكان.
توقعتُ أن يعرف كالي دوبين معلمي جيدًا.
وكما ظننت، لم يُخفِ دهشته.
“أتقصدين ذلك السيد براهم غراتسا، صديق رب العائلة؟ آخر ما سمعته أنه فُقد…… إذًا هكذا كان الأمر…….”
مرّ حزن عابر في عينيه العتيقتين، لكنه لم يدم.
“يحزنني أنني لا أستطيع لقاءه. لقد طلبتُ منه يومًا أن يعلمني السحر……. لكنه رفضني بقسوة.”
بالنسبة لمن حلم بأن يصبح ساحرًا، بدا أن معلمي كان أشبه بنجمٍ محبوب أو قدوة عظيمة.
“همم، حاولتُ لاحقًا أن أسأله عن السحر أو أطلب تعاليمه، لكن النتائج لم تكن طيبة.”
تدفقت من فم كالي دوبين حكايات صغيرة عن معلمي.
“ذات مرة علّقني على حافة جرف لأنه انزعج مني. هوهو، ظننتُ حقًا أنني سأموت. بالطبع كان شرفًا أن أتبادل معه الحديث.”
همم… معلمي لم يكن لطيف الطبع، لكن يبدو أنه في شبابه كان أشد.
“هاها، أظن أنه لن يكون صعبًا إيصال الخبر……. سأخبر المعلم عنك.”
كنتُ أقولها بخفة، لكن دوّى صوت ارتطام.
قفز كالي دوبين واقفًا فسقط الكرسي.
هاه؟
اختفى الجو الجاد، وأمام عينيّ وقف شيخ تلمع عيناه كطفل في روضة.
“حقًا، حقًا؟”
“أمم…….”
“أحقًا ستنقلين قصتي؟ وإذا طرحتُ أسئلة لاحقًا، هل سأتلقى إجابة؟ هل يمكنكِ إيصال رسالتي؟”
“أه؟ أأم… نعم. إن وصلني رد فسأنقله لكَ…….”
“يا آنستي، سأخلص لكِ حقًا. خذي حياتي هذه واستخدميها ما حييتِ!”
هاه؟ لهذا السبب فقط؟
فتحتُ فمي بدهشة.
أما كالي دوبين فكان بوجه حالِم كمن فاز بلقاء توقيع مغنّيه المفضل.
…لهذا يقال إن الهوس مخيف. لعلني أخطأتُ في كلامي؟
“أحم، لنعد إلى الحديث. سأحتاج إلى منظمة تساعدني، كالي دوبين.”
بينما كنتُ أصفّي صوتي، ارتفع الكرسي في الهواء وعاد إلى مكانه من تلقاء نفسه.
لا بد أنه فعل كالي دوبين، فقد جلس طبيعيًا.
لكن ملامحه بقيت مشرقة بالحماس.
“منظمة؟ بما أنكِ فاتحتِ هذا العجوز بالأمر، فهل تقصدين جهة سرية كالتنظيم الذي كنتُ أنتمي إليه، ‘الحراشف الزرقاء’؟”
“نعم. لكن لا حاجة للاغتيال. ما أحتاجه هو ‘المعلومات’.”
أو بالأحرى ‘الاستخبارات’.
فهم قصدي، فارتسمت الجدية على وجهه.
“فهمت.”
“نعم، لكن حتى بوجودكَ إلى جانبي… من الصعب عليّ استخدام ‘الحراشف الزرقاء’. في نظر الآخرين ما زلتُ آنسة ضعيفة عديمة الفائدة.”
“……لا حاجة لأن تصفِي نفسكِ هكذا.”
“أعني في نظرهم. أنا لا أستخف بنفسي.”
لانَت ملامحه قليلًا.
“لذا أحتاج إلى جهة أستطيع استخدامها حتى أنمو بما يكفي لإغواء ‘الحراشف الزرقاء’. وأريدكَ أن تكون قائدها.”
يمكنني الاستعانة بنقابة معلومات، لكن لا ضمان أن أيدي كايل أو والدي لن تصل إليها.
بما أنني أبدأ من الصفر، فعليّ تحمّل المشقة.
“أعرف شخصًا موهوبًا ويجيد التعامل مع المعلومات، سأعرّفك به. هل يمكنكَ أن تدير الأمر بينكما مؤقتًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 59"