الفصل 55
“صحيح.”
أجاب لوڤن وراينانتي بالتناوب.
وبينما كانا يتحدثان، بدا أن كليهما لا يحملان أي اهتمام يُذكر بالفعالية التي ستقام بعد قليل.
“همم، عند هذا الحد بدأت أشعر بالفضول بشأن ماضيكما حقًا. حسنًا، لا بأس. أخبراني تدريجيًا كيف انتهى بكما الأمر إلى أن تُنبذا بتلك الصورة.”
“هاهاها، أ، أنا لا ذنب لي. خطيئتي الوحيدة أنني اتخذت صديقًا سيئًا.”
“لم أطلب من لوڤن أن يكون صديقًا يتلقى العقوبات معي.”
“يا، يا… إن قلتَها هكذا فماذا أكون أنا؟”
راقبتُ الاثنين وهما يتشاجران بخفة وكتمت ضحكتي.
حسنًا، أفهم أنكما لا ترغبان في الحديث الآن.
“حسنًا إذن. آه، حان الوقت، سأذهب الآن. يجب أن أحضر.”
لا أعلم حقًا لماذا عليّ أن أكون حاضرة في مراسم توديع الزوار.
“إذن سنرافقكِ.”
“كحارسين شخصيين لي؟ بشأن ذلك… ابقيا هنا. لا، هذا أمر. ابقيا هنا.”
“نعم؟”
“ولماذا؟”
“إذا ظهرت فجأة ومعي أنتما، فبعض التابعين سينظرون إلينا باستغراب. لا أريد لفت الأنظار بلا داعٍ.”
هززت رأسي وأنا أتذكر ما حدث العام الماضي.
“تفهمان قصدي، أليس كذلك؟ أنتما من ستحميانني مستقبلًا.”
“نعم. بالطبع.”
“صحيح. أود أن يُعرف بأقصى قدر ممكن من التأخير أنكما أقسمتما لي بالولاء.”
على الأقل بعد أن أرسخ نفسي أكثر.
حدق راينانتي إليّ بوجهه الجامد ثم أومأ بخفة.
“نعم، فهمت.”
“جيد. على أي حال، لا يوجد ما يدعو للخطر في المجلس الذي سأحضره الآن، أليس كذلك؟”
“مع ذلك، آمل أن تستدعينا في المرة القادمة. لأي أمر كان.”
“…حسنًا، اتفقنا.”
انحنى الاثنان لي باحترام.
شعرت بالارتياح لأنّ تركهما هنا كان أسهل مما توقعت.
‘ربما هما لا يعلمان.’
يبدو أنهما لم يحضرا اليوم التالي للمؤتمر لا العام الماضي ولا الذي قبله.
إذًا لا بد أن نبذهما يعود إلى سنتين على الأقل.
وبينما كنت أهمُّ بالاستدارة، فتح راينانتي فمه.
“ما هدفك يا آنسة؟”
كنت على وشك المغادرة بلا تردد لأن الوقت بدأ يداهمني، لكنّ هذا كان سؤالًا لا يمكن تجاهله.
أدرت رأسي، فرأيت فارسيَّ واقفين شامخين تحت الضوء.
“هدف؟ فجأة؟”
“تبدين وكأنك تخططين لشيء ما. والآن أعتقد أنني أستطيع المشاركة في تلك الخطة.”
كانت عينا راينانتي هادئتين.
والتفكير بأن ما يملؤهما بإحكام هو الثقة بي منحني شعورًا غريبًا.
“همم، هل كنتَ تحدق بي وحدي؟ لا أدري إن كان ينبغي أن أقول إنك سريع البديهة.”
“…….”
“سأخبركَ قريبًا.”
عندها قال راينانتي مرة أخرى.
“هل اللورد كالي دوبين أيضًا من الأشخاص الذين سيشاركون في تلك الخطة؟”
“ماذا؟”
“آه، ليس بعد إذًا.”
ما الذي يعنيه هذا؟ رمشت قليلًا ثم استعَدت هدوئي سريعًا.
كيف عرف؟
“وكيف عرفتَ ذلك؟”
“لأن نظرته إلى الآنسة مختلفة نوعًا ما. كما أنني رأيتُه مرة واحدة فقط حين كان رب الأسرة لا يزال معافًى.”
“آه…”
أظنني أدركت تقريبًا أي موقف يقصده، أو أي جانب من كالي دوبين يعني.
“كان هذا موفقًا. إذًا يمكننا أن نراه معًا في المرة القادمة. ويجب أن نتبادل التحية أيضًا.”
لابد أنكَ أدركت أن كالي دوبين كان فارسًا، ومع ذلك كان شخصًا يعشق السحر.
لهذا، عندما سمع راينانتي أنني ساحرة، عرفَ أن الحديث بيني وبينه سيكون منسجمًا.
‘كنتُ أعلم بالفعل أنه فارس نخبة…… لكن هل هذا هو مستوى كبار الفرسان؟’
إثبات كل شيء بمهارة السيف وحدها يقتصر على الفرسان رفيعي المستوى.
أما فارس النخبة، فيُطلب منه، إضافة إلى مهارته البارزة، قدرات تمكّنه من تولّي القيادة في الحروب والمعارك عند الطوارئ.
‘لا أظن أن لوڤن كذلك، لكن راينانتي كلما رأيته بدا أقرب إلى ضابط.’
نظرتُه للأوضاع ليست سيئة، وكلما تأملته شعرت حقًا أنني قمت باختيار بطولي مذهل.
“حسنًا، فلنؤجل بقية الحديث إلى الغد. أراكم لاحقًا.”
“نعم، رافقتكِ السلامة.”
“آه، رافقتكِ السلامة، آنستي!”
استدرت في مكاني. بل حاولت أن أستدير.
لولا الجرو الأسود الذي لحق بي مسرعًا بخطوات متتابعة.
“همم؟ أخي روي؟”
“سأوصلكِ.”
“آه، حسنًا.”
لم أرد أن آخذ روي إلى ذلك المكان. لكنني اطمأننت لكلماته وسِرت معه.
غير أن راينانتي، الذي التقت عيناه بعيني لوهلة، بدا على وجهه الارتباك.
وكأنه يقول للوڤن: ‘كان هناك مثل هذه الطريقة…….’
انفجرت ضاحكة وأنا أتابع السير.
***
عندما دخلت الممر، أدرت رأسي نحو جروِي الأسود.
توقفت خطواتي تلقائيًا.
“أخي، يكفي أن توصلني إلى هنا.”
إذا واصلنا السير في هذا الاتجاه، فسنصل على الأرجح إلى ساحة التدريب الأولى حيث يجتمع الجميع.
وكأنما لتأكيد ذلك، بدأت تُسمع من بعيد ضحكات الناس وأحاديثهم.
لكن روي نظر إليّ بوجه متجهم، ثم أمسكَ يدي بحذر.
“لنذهب معًا.”
همم، هذا الجرو يغير كلامه؟
‘لا ينبغي أن أرفض. لا يبدو أنه سيستمع.’
ألم أختبر عناده من قبل؟
أنهيت تفكيري.
فحتى لو أبعدته، يبدو أنه سيتبعني سرًا.
“حسنًا، فهمت. لنذهب معًا إذًا.”
“……حقًا!”
“نعم. كنتَ ستتبعني حتى لو أبعدتك.”
“صحيح!”
“لا تجب بهذه الصراحة…… هاه، إذًا عدني بشيء واحد.”
ما الذي يأكله هذا الجرو ليكون لطيفًا هكذا؟
يليق به أن يكون الوحيد الذي ينافس آيس خاصتي في اللطافة.
مددت إصبعي الصغير.
“مهما سمعتَ هناك، ابقَ هادئًا.”
“……”
“……أنتَ تعلم أيضًا أننا لسنا مرحبًا بنا في هذا البيت بعد.”
قلتُ ذلك مبتسمة بخفة، لكنه في الحقيقة كان كلامًا موجهًا إليّ.
أعرف مسبقًا ما سأسمعه فور وصولي.
“……”
أمسك روي إصبعي الصغير بإحكام. لم يؤلمني.
لم يُجب في النهاية، لكنني اعتبرت تعبيره موافقة.
“شكرًا، لنذهب إذًا. في الحقيقة ربما لا داعي أن تأتي معي.”
“سآتي.”
“نعم. حسنًا، لنذهب.”
سرتُ أنا وروي جنبًا إلى جنب ممسكين الأيادي.
وبعد عبور الممر الطويل، انكشفت أمامنا أخيرًا ساحة تدريب ضخمة.
ساحة مربعة الشكل، وحولها تجمع الناس بانتظام.
لاحظنا بعض الواقفين عند الأطراف، فأضاءت عيونهم عند رؤيتنا. وبعضهم بدا متفاجئًا.
“أوه، يا لهذا. نحيّي الآنسة…….”
انحنوا لي.
لكن ضحكات مكتومة ترددت من كل جانب. تحية ساخرة لا طائل منها.
“هل أنتِ بصحة جيدة هذا العام؟ كان مشهد العام الماضي، حين تقيأت سليلة بلاك وينتر دمًا في هذا المكان نادرًا للغاية. هه هه هه.”
“بل قيل حتى إنها ليست من دم بلاك وينتر أصلًا. فلا يعقل أن يكون دم وكيل رب الأسرة العظيم هكذا…….”
“مهلًا، يا هذا، أليس في ذلك إهانة لوكيل رب الأسرة؟ انتبه لكلامك. هههه. هل كانت الآنسة ترغب أن تولد هكذا؟”
سرت بثبات بينهم. كنت قد أطلقت يد روي دون أن أشعر، لكنه كان يتبعني جيدًا.
“أوه، ومَن هذا؟ أليس الابن الثالث؟”
“نحيي الابن الثالث.”
نظرت إليه بطرف عيني، فكان وجه روي متجمدًا.
أسرعت في المشي حتى ابتعدنا مسافة لا بأس بها. كان المكان أقل ازدحامًا ومظللًا.
“أأنت بخير، أخي؟ هنا لا يوجد كثير من الناس، سيكون الأمر أفضل.”
“……”
بدلًا من الرد، أمسك روي بكتفي بقوة.
“نعم، أعلم. هناك من يثرثر بكلام تافه، أليس كذلك؟ لكن يكفي ألا نرد عليهم.”
في الحقيقة، كان هذا المستوى لا يزال مقبولًا. قبضت يدي ثم أرخيتها، وربتُّ بها على يد روي.
“لن نعيش مثل هذه اللحظات إلى الأبد، لذا لا بأس.”
ثم حولت نظري.
كان هذا المكان خاليًا لأنه مظلل بشدة، لكنه أيضًا يقع خلف المقعد المخصص بوكيل رب الأسرة، تايتان بلاك وينتر.
في العام الماضي، حدّد لي والدي هذا المكان بنفسه.
حول ساحة التدريب، كان الناس يتحدثون بلا توقف. كان من الجيد أننا ابتعدنا سريعًا.
لو علق بنا أحد التابعين المزعجين، لكنا محاطين بالناس نتعرض للسخرية دون مهرب.
“صاخب جدًا، أليس كذلك.”
“……نعم.”
أنا وروي معتادان على ساحة التدريب الثالثة الهادئة، ولسنا مِن مَن يستمتع بساحة التدريب المزدحمة هذه.
“آه، أخي، هل تعرف ما هذا الحدث؟”
“همم……. لا. لا أهتم.”
“صحيح، يبدو أنك مهتم بالسيف فقط. في اليوم التالي للمؤتمر، تُقام مبارزة.”
ابتسمت وأنا أومئ برأسي، ثم أشرت بإصبعي نحو الساحة.
وفي تلك اللحظة، صعد شخص إلى ساحة التدريب. وجه مألوف جدًا.
الأخ الأكبر، كايل بلاك وينتر.
“إنها منازلة تُعرض أمام الزوار قبل مغادرتهم. وبالتحديد، يُختار أفضل فارسين أداءً هذا العام ليتبارزا.”
لم يكن الأمر مجرد مراسم وداع من رب الأسرة.
بل إظهار مهارة الأفضل أمام التابعين والأقارب الجانبيين المجتمعين هنا لإثبات قوة العائلة…….
‘وتحذيرٌ لمَن تسوّل له نفسه أمرًا آخر.’
لذلك، أحيانًا يُختار خصم من ورثة التابعين أو فرسانهم، أو من أقارب الفرع الجانبي أو فرسانهم.
أما هذا العام، فقد صعد كايل بلاك وينتر. كما في العامين الماضيين.
خصمه هذا العام كان وجهًا أراه لأول مرة. ومن لون زيه بدا أنه ليس من فرسان بلاك وينتر.
كان الخوف بادٍ عليه، يتخلله شعور بالغبن. من المؤكد أنه من جهة التابعين.
‘إنه تحذير إذًا.’
يبدو أن أحدهم ارتكب ما أزعج وكيل رب الأسرة.
وفي تلك اللحظة، وصلت بوضوح أصوات بعض المتفرجين القريبين.
التعليقات لهذا الفصل " 55"