إلى جانبهم، كان لوڤن يوجّه كلامه إلى راينانتي. كان متكئًا، لكنه ما إن رآني حتى اعتدل فورًا.
ثم انحنى بأدب نحوي ونحو ستيفان.
أما روي فكان يخفي جسده بالسحر.
‘وجوه متصلبة.’
على الأرجح، لوڤن لا يفهم إطلاقاً ما جرى بالضبط.
‘لو كنتُ مكانه، لقلتُ: أيّ فوضى هذه؟’
تقدّم راينانتي خطوة واسعة.
“كما قلتُ سابقًا، أتحمّل كامل المسؤولية عمّا حدث اليوم.”
ما إن نطق بذلك حتى بدأ الفرسان يتبادلون النظرات.
وجوههم تقول إن لديهم الكثير ليقولوه، لكنهم يكتمونه.
“سـ، سير راينانتي!”
رفع أكبرهم بنيةً يده بصعوبة.
“لـ، لكن هذا حقًا لا يجوز. لقد خالفتم أمرًا لا ينبغي أبدًا مخالفته الآن—!”
“وماذا؟ ستذهب لتطالب بعقوبة؟”
قاطعه صوتٌ مائل ساخر حديثه.
التفت الفارس مذعورًا، لكنه أغلق فمه فورًا.
“بما أنني قلتُ إن الأمر لا بأس به، فأنا أيضًا أتساءل عمّا تريد قوله.”
قطّب ستيفان حاجبيه بشدّة، فابتلع الفارس شهقته.
ثم ابتسم ستيفان بسخرية، ومرّر إصبعه على عنقه.
“ماذا؟ لا يعجبكَ الأمر؟ إذًا مُت هنا.”
ورسم حركة قطعٍ عبر رقبته.
“اختر. أم ماذا… هل أنتم في صفّ الأخ الأكبر؟”
“…….”
“مع أنكم لو كنتم من صفِّه، لما كنتم هنا أصلًا.”
مرّ على وجه ستيفان طيف مرارة خاطفة، لكنه سرعان ما عاد قاسيًا.
‘حقًا… عندما يكون المجنون في صفي، يصبح الوضع مطمئنًا.’
حين يضايقني يكون مزعجًا لأقصى حد، لكن عندما يزمجر دفاعًا عني… أشعر براحة لا توصف.
“لماذا لا تجيب؟ هل أبدو لكم مضحكًا؟”
“لـ، لا!”
“أبدًا!”
أدرتُ رأسي قليلًا، فرأيت روي يحدّق بهم بنظرة باردة، ويده على سيفه.
“حسنًا.”
ابتسم ستيفان ابتسامة خطرة.
“ما دمتم لستم من أتباع أخي، ولا تنوون الإبلاغ طلبًا للعقاب، فأبقوا أفواهكم مغلقة. سنراقبكم دائمًا.”
طرق بسيفه بإصبعه الطويل.
“صحيح أن ذاك الرجل قال إنه سيتحمل المسؤولية… لكنني أحب أن تكون الأمور نظيفة.”
“…….”
“إن تسرب شيء من هذا، سأبدأ بقتلكم أنتم أولًا.”
قوته المخيفة لا تشبه فتى في الرابعة عشرة إطلاقًا. أعجبتُ حقًا بوقاحته المهيبة.
يا للعجب، رغم أن الخطأ خطؤنا، إلا أننا نبدو كضحايا بفضل هذا القدر من الجرأة!
‘أشفق عليهم قليلًا.’
على أي حال، لن تصلهم شرارة هذا الأمر ما داموا لا يفتحون أفواههم.
غرفة جدي ستعود نظيفة بلا أثر، وأي بقايا سحر لن يكتشفها أحد.
ما فعله ساحر عظيم لا يترك أثرًا يُتتبّع.
أضاف راينانتي بهدوء.
“احفظوا كلمات السيد الثاني جيدًا. إن تسرّب شيء، فلن تروا السيد الشاب أولًا، بل سترونني.”
تدخّل لوڤن بابتسامة ودودة.
“هاها، كفى. أظن أنهم فهموا.”
ثم قال بأدب موجّهًا كلامه إلى ستيفان.
“هم شباب أذكياء، ويفهمون نية السيد الثاني. أعرفهم جيدًا يا سيدي.”
وربّت على كتف أحد الفرسان.
“تحدثنا في أمور كثيرة. لا داعي للقلق، أليس كذلك؟”
“…….”
“صحيح؟ فأنا أعرف عائلاتكم أيضًا.”
أجابوا أخيرًا.
كانت أعينهم ترتجف، لكن وجوههم حسمت القرار.
‘لن يتكلموا.’
نظرتُ إلى أولئك الذين تورّطوا لسوء حظهم في هذه المناوبة، ثم تحدّثتُ.
“همم… أولئك الفرسان رفيعو المستوى لا بد أنهم متعبون. ألن نسمح لهم بالراحة؟”
نظر إليّ ستيفان وكأنني أقول هراءً.
روي كان بوجه بريء كما هو، أما راينانتي فنظر إليّ ثم أومأ.
“حسنًا، ليكن كذلك. عودوا أنتم.”
“ماذا؟ لـ، لكن…!”
“آه، صحيح. ما زال وقت طويل حتى تبديل النوبة، أليس كذلك؟ لكن بما أن ما حدث حدث، فلا بد أنكم صُدمتم. كما قال راينانتي، سأسمح لكم بالمغادرة مبكرًا اليوم. اذهبوا واستريحوا.”
تردد الفرسان عند سماع كلام لوڤن، ثم تبادلوا النظرات فيما بينهم واستداروا في النهاية.
وهم يبتعدون، بدت خطواتهم سريعة وبطيئة في آنٍ واحد. لا بد أن مشاعرهم معقدة.
آسفة أيها السادة…
لكنّني سأحرص ألا يصيبكم أذى.
لم أتنفس الصعداء إلا بعد أن اختفوا أسفل الدرج.
“همم، على أي حال أصبحوا شركاء في الجريمة، شئنا أم أبينا.”
“صحيح.”
أومأتُ مجيبة لوڤن.
لم يكن إرجاعهم بدافع الشفقة فقط.
“مغادرتهم قبل موعد تبديل النوبة تُعدّ تركًا للموقع أثناء الخدمة، أليس كذلك؟”
“نعم. يبدو أنكِ تعلمين جيدًا. وبما أن موقع خدمتهم كان حساسًا، فإن انكشف الأمر أو أُثيرت مشكلة، فربما يضطرون للبحث عن وظيفة أخرى.”
إن خطر لهم أن يتصرفوا بسوء نية، فلن تكون حياتهم وحدها على المحك.
حتى لو نجوا، فلن يُسمح لهم بالبقاء فرسانًا.
“وأنت من أعادهم، لكن عند حدوث شيء ستتظاهر بأنك لا تعلم؟”
“أمم… هذا ما أنوي فعله.”
قالها لوڤن بحذر، فابتسمتُ بخفة.
كان ارتباكه واضحًا.
هذا الرجل محيّر. لطالما أحسن إليّ وإلى روي…
صحيح أن راينانتي أقسم الولاء، لكن لوڤن لا يزال في موقع فارس كبير، و الذي يجب أن يبقى عادلًا.
وفوق ذلك، سيغادر قريبًا منصب الحراسة المؤقتة.
ماذا أفعل؟
ساد الصمت في الممر المظلم.
“الآنسة، هل ستعودين إلى غرفتك الآن؟ أيمكنك النزول وحدكِ بأمان؟”
“هم؟ نعم. لحسن الحظ ما زال لدينا متسع من الوقت. يمكننا المغادرة بعد قليل.”
“فهمت.”
نعم. فالمأدبة في يوم المؤتمر ستستمر حتى الفجر.
وإن لزم الأمر، يمكنني الاحتماء بالمكتبة. آنذاك سيساعدني كال أيضًا.
“راينانتي… لا أعلم إن كان من اللائق أن أسأل الآن، لكن هل تشرح لي ما الذي يحدث؟ ما هذا كله أصلًا…؟”
تجهم لوڤن. آه، عاد ذلك الوجه الذي رأيته في ساحة التدريب.
“الأمر بسيط.”
“ما البسيط فيه؟”
“قررتُ أن أخدم الآنسة كسيدتي من الآن فصاعدًا. أقسمتُ لها الولاء.”
“آه، حسنًا سيدتك هي الآنسة… مهلاً! هذا ليس بسيطًا إطلاقًا!”
“اخفض صوتك.”
حدّق لوڤن بي مذهولًا. بدا وكأنه يطلب تفسيرًا.
“صحيح. بطريقة ما حصلتُ على فارس، لوڤن.”
“حتى الآنسة…! أنا لا أفهم شيئًا. لماذا كنتِ مع السيد الثاني هنا! وما تلك الكتلة الجليدية التي رأيتها قبل قليل…!”
“من الأفضل لكَ ألا تفهم.”
“ماذا؟”
أملتُ رأسي قليلًا.
“فارس لوڤن، إن فهمتَ فستصبح أحد اثنين: إما عدوي، أو حليفي.”
“……”
“وللعلم، إن أصبحتَ حليفًا، فستُرهن حياتك مثل هذا الفارس هنا. ولن أتركك.”
مع كلماتي الواضحة، تغيّر لون وجه لوڤن بين الشحوب والزرقة.
ارتباك، دهشة، صدمة. ملامحه معقدة.
مرر يده على وجهه مرارًا.
“لا، حقًا… راينانتي، أمر بهذه الأهمية ولم تخبرني به مسبقًا… يا إلهي.”
“لم أكن أعلم أنّه سيكون اليوم. لكن حتى لو لم يكن اليوم، أظن أن الأمر كان سيؤول إلى هذا.”
“وكأنك تفتخر…!”
ظل لوڤن ينظر إلى راينانتي طويلًا، ثم إليّ.
في عينيه الواسعتين مرّت أفكار كثيرة.
حين صارت نظرته جادة، أدركت أنه ليس مجرد فارس طيب القلب.
فهو في النهاية فارس من الفرقة الأولى، وطريقته في التعامل مع الفرسان قبل قليل لم تكن عادية.
“نظرًا لما بيننا حتى الآن، لن أقطعك بسيفي، لوڤن. فقط أبقِ فمك مغلقًا.”
“هذا يعني أنه إن تكلمتُ فسأصبح عدوًا، أليس كذلك؟”
“ذكي.”
“آه يا إلهي!”
بعثر لوڤن شعره بعنف ثم رفع رأسه فجأة.
“آه، سأفعلها أنا أيضاً! سأنضم! لا يخفى على أحد أنني وأنت منبوذان بين فرسان النخبة! وتعييننا في هذا المكان يثبت ذلك.”
اليوم هو يوم المؤتمر، وفرسان الفرقة الأولى-النخبة من القوة الأساسية.
أما المقرّبون، فهم في المأدبة المتلألئة هناك.
قطع الأحجية التي تراكمت في رأسي وجدتْ مكانها الآن. فهمتُ وضعهم.
‘لهذا كان يقوم بدورية في مبنى غير مهم رغم كونه فارسًا نخبة.’
تردد لوڤن قليلًا ثم نظر إليّ.
“إذًا… هل، هل تقبلينني أيضًا، آنستي؟”
“بعيداً عن القبول من عدمه، أشعر وكأنني في سوق وأتلقى عروض زهيدة.”
“مستحيل!”
نقر ستيفان بلسانه ساخرًا.
“بل ممكن. من وجهة نظري، يبدو أنك تتبع صديقكَ دون تفكير.”
“أخي، لا تقل ذلك.”
“تسك.”
رمشتُ بعيني.
“فارس لوڤن، هذا ليس قرارًا يُتخذ بعجلة. إن كنت تحتاج إلى وقت، سأمنحه لكُ.”
التعليقات لهذا الفصل " 52"