“إذًا، هل جئتَ لتحذيرنا مما ستفعله من الآن فصاعدًا؟”
“……لا أعلم لماذا ترينني شخصًا شريرًا إلى هذا الحد، لكن هذا ليس السبب أيضًا.”
“همم، لستَ شريرًا، بل تقومُ بواجبك فحسب.”
“هذا لم يعد واجبي.”
“ماذا؟”
رمشتُ بعينيّ على اتساعهما.
تقدّم راينانتي خطوة.
فظهر أمامي ظهران عريضان.
أو بالأحرى، ظهران لصبيّين ما زالا صغيرين.
مشهد ظهري روي وستيفان جعلني أشعر بشيء غريب.
“لا بأس، أخواي روي وستيفان. ماذا تقصد يا سيدي الفارس؟”
تراجعا قليلًا، من دون أن يزيلا حذرهما عنه. وتقدّم راينانتي خطوة أخرى.
“الإبلاغ عمّا حدث اليوم… لم يعد من واجبي منذُ قليل.”
“لا أفهم. هل يمكنك أن تشرح لي بطريقة أبسط؟ أنا ما زلت صغيرة.”
“بالطبع. سأقولها باختصار شديد.”
ثنى إحدى ركبتيه وجثا.
وفي اللحظة نفسها تذكّرت لقاءنا الثاني.
ذلك الشعور حين التقيت أول بالغ لا يتجنّب عينيّ.
“أودّ أن أُسلّم حياتي لكِ.”
اتّسعت عيناي، وانفرج فمي من تلقاء نفسه.
“……في هذا التوقيت؟ أليس هذا اختصارًا مفرطًا؟!”
“أفهم. إذًا سأعيد ما قلتُه.”
رغم أنني كنت أنظر إليه من الأعلى، إلا أنني شعرت لسبب ما وكأنني أنظر إليه من الأسفل.
ربما بسبب وقاره المفرط وهيبته.
“لقد قلتِ لي ذات مرة إنكِ لا تستطيعين طلبي لمرافقتكِ لأن مكانتي وكل ما بنيته قد ينهار.”
كان صوته هادئًا.
“إذًا، إن كنتُ قد عقدت العزم على التخلي عن كل شيء… فهل ستقبلينني؟”
في تلك اللحظة، ارتجفت عيناي قليلًا.
كنتُ دائمًا متماسكة، لكن لم أستطع أن أبقى كذلك الآن.
…لماذا؟
“سأتبع الآنسة بلا قيد أو شرط. وحتى إن انتهت حياتي، سأبقى إلى جانبكِ.”
كان يستند بسيفه إلى الأرض وهو يقسم.
رغم المكان غير الملائم، كان ذلك قسم الفارس الذي أعرفه جيدًا.
حرّكت شفتيّ ببطء.
لنُفكّر بعقلانية.
هذا الرجل فارسٌ كفء.
‘في وقت أحتاج فيه لكل شخص، سيكون من الجيد أن أجمع حلفاء في صفي.’
لكن حين أفكر في الطريق الذي سأمضي فيه، أشعر برغبة في منحه فرصة أخرى.
روي، وذلك ستيفان المزعج، وأنا…
جميعنا مصيرنا الهلاك، ولهذا نسلك طريقًا شاقًا.
كي ننجو ونحظى بمستقبل أفضل.
لكن جرّ شخص وُعد بمستقبل مشرق إلى هذا الطريق… يثقل قلبي.
بصراحة، لأن لطفَ هذا الفارس ووداعته أعجباني.
“أيها الفارس، قد تقول إنك ستتخلى عن كل شيء، لكن قد يُغلق طريقُ ترقيكَ مدى الحياة، أتعلم ذلك؟”
“لا بأس.”
“قد تموت.”
“لا بأس.”
“حقًا؟ حتى لو متَّ بأمري أنا، قد أبقى أنا حيّة. أنا من السلالة المباشرة، وأنتَ مجرد فارس.”
“نعم، لا بأس. فقد أقسمت أن أموت كسيف الآنسة إن كان ذلك قدري.”
“…….”
رفعت بصري.
لم يكن في عيني راينانتي أي تردد.
والآن بعد أن فكرت في الأمر… كان عنيدًا بطبعه.
“وبما أنني ذكرت القسم، هناك أمر يجب أن أقوله أيضًا. عادةً، عند الانضمام إلى فرسان بلاك، يُخفى اللقب أو يُتخلى عنه. لكن بما أنني أعرّف نفسي الآن كأحد أتباعكِ، فهناك ما ينبغي إبلاغكِ به.”
“……وما هو؟”
سألت آيس في داخلي عن الوقت.
لا يزال أمامنا متسع قبل موعد الهروب.
“اسمي راينانتي شوباستيهين.”
“آه… في هذا الوضع الاسم ليس مهمًا، أليس كذلك؟ انتظر… ماذا قلت؟”
لحظة.
لحظة، ماذا قال؟
تجمّدتُ مكاني.
شوباستيهين… الآن؟
لماذا يظهر هذا الاسم هنا؟
هزّ راينانتي رأسه بهدوء.
“صحيح. قد لا يكون اسمي مهمًا بحد ذاته، لكن إن قبلتِني، فهناك أمر متعلق بلقبي يجب أن يُقال.”
اشتدّ صوته وقارًا.
“أنا من حماة أحد سيوف الأساطير الثمانية من العصور القديمة.
ومن بينهم، حامي سيف الموجة، شوباستيهين. ونحن اثنان فقط بقينا أحياء في تلك القرية.”
“…….”
“بعبارة أخرى، أملك السيف الأسطوري الذي تبحث عنه هذه الإمبراطورية والقارة بأكملها بجنون.”
…أعرف ذلك جيدًا.
فالبطل يجوب القارة بحثًا عنه!
‘ماذا يُفترض بي أن أقول الآن…’
وأردف راينانتي بهدوء أنّ الناجي الآخر الوحيد… هو شقيقه الأصغر.
أعرف من يكون ذلك الشخص. فهو شخصية ظهرت في الكتاب.
شوباستيهين. كما قال هذا الفارس، أحد السيوف الثمانية القديمة المنتشرة في القارة.
لكن القرية التي حمت هذا السيف لم تكن مشهورة بالفرسان.
بل على العكس…
‘كانت قرية حدّادين.’
وإن لم تخنّي ذاكرتي، فشقيق هذا الرجل هو الحداد العبقري الذي يظهر في الرواية.
وأدركت فورًا سبب عدم ظهور هذا الرجل في أحداث الكتاب.
في الرواية، كان سيف شوباستيهين بحوزة شقيقه الأصغر.
ويعترف الشقيق حينها بأن أخاه الأكبر كان فارساً بارعاً، مات وحيداً وهو يحاول القضاء على شيطان برتبة كونت لإنقاذ المدنيين.
ويُذكر أنه كان فارسًا بالغ التميز.
‘ويَمنح ذلك السيف الأسطوري لرفيق البطل… أليس كذلك؟’
تنفست بعمق دون وعي وانفرج فمي.
فإن كان شيطانًا برتبة بارون أو كونت، فمن الصعب إسقاطه بمفردك. ولو بقي حيًّا، لكان ذلك دليلًا على أنه فارس عظيم.
لو كان حيًا في أحداث الرواية الأصلية.
‘ياللهول، حقاً، لماذا يستمر الأشخاص الذين يجب أن يموتوا في الظهور في حياتي…….’
لا يوجد سبب لرفضه.
بهذا، تكون آخر نقطة كانت تزعجني قد تمّ سدّها.
لو شبّهته بلعبة، لكان راينانتي شخصية مخفية!
‘يا إلهي… هذا أشبه بهدية سقطت من السماء.’
…لن أختنق بها وأنا أبتلعها، أليس كذلك؟
لا، لن أخاف المستقبل.
ألم أكن أعلم منذ البداية أن الطريق الذي سأسلكه سيتغير كثيرًا وسيكون وعرًا؟
“أيها الفارس، أعتذر حقًا، لكن…”
نظرت إليه وقلت ببطء. لمحتُ في عينيه توتر عابر.
“ليس لدينا وقت.”
حتى هذا الفارس الجامد يعرف التوتر إذًا. ابتسمت.
“لذا، لنَقم بالقَسم بشكل مختصر. يومًا ما سأهيئ لك مقامًا رسميًا لتؤديه كما يجب.”
“……”
“……أم أنكَ لا تريد؟”
“……كيف يمكن أن أرفض؟ مستحيل.”
“جيد. إذًا أدِّ القسم هنا.”
بدا كأنه ألقى نظرة نحو جدي. ارتسم على وجهه تردد حذر.
“هل هذا مناسب؟”
“نعم، لا بأس. أظن أن من الجيد أن يرى جدي هذا المشهد.”
حسنًا، قد لا يستطيع رؤيته… لكن من يدري؟
“وإن كان يسمع ولو صدفة، ألن أصبح حفيدته التي يفخر بها؟”
أنزلت نظري إلى الأرض ثم ابتسمت.
“لم يحبّني أحد من قبل. حين يستيقظ لاحقًا، قد أطلب منه أن يدلّلني قليلًا.”
كنتُ أتحدث عن اللحظة التي سيتذكر فيها ما حدث اليوم.
“……”
انحنى راينانتي بعمق.
ثم سحب سيفه من غمده ورفع المقبض نحوي.
تسلمت السيف.
‘ثقيل.’
كان أثقل من أن أرفعه بسهولة.
لكن لا بأس.
فهو ليس أثقل من حياتي.
رفعتُ السيف عن طيب خاطر، واستقبلت تابعًا جديدًا.
“ورطتكَ، سيدي الفراس. لقد رهنتَ حياتك الآن.”
“……”
“لذا لا تمت بإرادتك أبدًا.”
وللمرة الأولى، رأيت ابتسامة لطيفة ترتسم على وجهه الجامد.
“نعم، سيدتي.”
***
قاعة احتفال صاخبة في الهواء الطلق.
كما يليق بعائلة بلاك وينتر العريقة، كان المكان واسعًا ومهيبًا.
التمثال القائم في الوسط بدا كأنه سيتحرك وينطق في أي لحظة.
“هاهاها! يبدو من حاله أن عائلة لوسبن ما زالت بعيدة جدًا.”
“وهل تظن أنهم قادرون على مجاراة فنون السيف التقليدية أصلًا؟”
من بين الحاضرين من يعلم أن هذا المجلس العظيم، الذي يجتمع فيه كل التابعين والفروع الجانبية وحتى العائلة الإمبراطورية، لم يعد يتمتع بالهيبة التي كان عليها في أوج أيامه.
في مركز القاعة ساحةُ تدريب ضخمة.
وفي وسطها رجل ممدد بملابس ممزقة، كان قبل لحظات مادة التسلية في هذا التجمع.
اختيار أبناء العائلات التابعة أو الفرسان الواعدين وجعلهم يخوضون قتالًا دمويًا تحت اسم “مبارزة” لم يكن يختلف عن حلبة مصارعة كلاب يتحمس لها العامة.
تساءل بعضهم كيف أن تايتان بلاك وينتر، الوكيل الذي كان يكره مثل هذه الأمور في شبابه، يتركها تمر دون تدخل.
أحد الجالسين في المقاعد العليا أدار رأسه وحدّق في البعيد.
“هيهيهي، السيد الشاب، ما أقوله… سيدي الشاب؟”
كايل بلاك وينتر.
عيناه الزرقاوان لم تنفصلا عن نقطة بعيدة.
حتى إنّ التابع الذي كان يثرثر توقف وتراجع حين لاحظ تجاهله.
بعد لحظات، أدار سيد هذا المكان، المتسلط المطلق على العائلة، تايتان بلاك وينتر، رأسه نحو ابنه.
“ما الأمر؟”
“آه، أبي.”
أدار كايل رأسه أخيرًا.
“لا شيء.”
هزّ رأسه قليلًا.
وجه جميل حدّ البرودة، كتمثال منحوت.
“مجرد ذبابة، على ما أظن.”
تبع تايتان نظره للحظة.
كان ذلك اتجاه غرفة والده، رب العائلة المحتضر، كرونوس بلاك وينتر.
ثم أعاد نظره.
“لا شكّ من ذلك.”
لكن ما إن أشاح والده بوجهه، حتى عادت عينا كايل إلى المبنى ذاته.
أولًا إلى الطابق العلوي، ثم الذي تحته، ثم الذي يليه…
التعليقات لهذا الفصل " 51"