نظرتُ إلى نظراته المتوسِّلة بذهول، ثم أومأتُ برأسي.
ما دام الأمر قد انكشف بالفعل، فما الذي بقي لإخفائه؟
“بهذا المعنى يا كالي دوبين، أريد أن أطلب منك طلبًا وقحًا قليلًا… هل يمكن أن يَبقى ما رأيته اليوم سرًا……؟”
“سأفعل. لكن بالمقابل، هل لي أن أطلب طلبًا أنا كذلك؟ إن قبلتِ به، فسأنفّذ لكِ أي شيء، آنستي.”
“هاه؟ أ-آه، حسنًا… ما، ما هو؟”
تلعثمت دون قصد أمام تلك الهيبة الغريبة.
ما دام قد وعدَ بالكتمان، فعليّ أن أفكّر بإيجابية مهما كان الطلب……
“أرجوكِ، خذيني كتابع لكِ.”
“دعني أفكّر أولًا…… ها؟”
“اقبلي بخدمة هذا العجوز، يا آنستي!”
طاااااخ!
دوّى صوت هائل في هذا الممر الهادئ.
كان صوت ركبة كالي دوبين وهي ترتطم بالأرض.
م-ماذا أفعل؟! هل تحطّمت رُكبتُه؟!
تخيّلتُ عمره، ومتوسط كثافة العظام في مثل سنّه، فتحوّل وجهي إلى شاحب في لحظة.
“كـ، كالي دوبين! ر، ركبتك! ركبتك!”
“ناديني كال.”
“كال! حسنًا، لكن ركبتُك… هل أنتَ بخير؟”
“هاه؟ هههه، آنستي. رغم مظهري هذا، فقد كنت فارسًا أيضًا. صحيح أنني عجوز، لكن هذا القدر لا يؤثر بي. فقط…… يبدو أن رغبتي في إظهار ولائِي كانت مبالغًا فيها. أعتذر.”
لا، أنتَ ساحر سياف! وقلتَ إنكَ تفضّل السحر! فلماذا طريقة إعلان الولاء هذه فارسيةٌ بلا داعٍ؟!
فتحتُ فمي وأغلقتٌه وأنا أكتمُ كلماتي.
“أ-أجل، حسنًا. طالما أنكَ بخير فهذا مطمئن…… لكن الأهم، هل كنتَ جادًا فيما قلتَه قبل قليل؟”
“نعم، بالطبع. أكان يبدو لكِ كلامًا عابرًا؟”
“لا، لا. ليس كذلك، لكن…….”
أليس هذا مفاجئًا جدًا؟
نظرتُ إليه بعينين متعبتين تحملان هذا المعنى، فبدت على وجه كالي دوبين ملامح إدراك متأخر.
“آه، اسمحي لي أولًا. سأرافقكِ إلى المكتبة. هناك جرعة تعافٍ.”
“……لديكَ شيءٌ كهذا؟”
“نعم. فأنا ساحر أيضًا، كما تعلمين.”
يملك أشياء ثمينة فعلًا.
رمشتُ بعينيّ وأسلمتُ جسدي الضعيف له.
حملني الجدّ بسهولة، وسار بي إلى المكتبة.
كان آيس يطفو بجانبي، لا يعرف ماذا يفعل.
‘لا بأس…….’
وعندما وصلنا إلى المكتبة وشربتُ ذلك السائل الغريب الذي يشبه العصير، استعدتُ قوّتي أخيرًا.
قال إنها جرعة استعادة المانا، وبالفعل شعرتُ بأن رأسي أصبح صافيًا فجأة.
“استخدمتَ شيئًا ثمينًا عليّ. أنا آسفة.”
“لا، أبدًا. أليس ما أملكُه هو ملككِ، آنستي؟”
“……مهلًا، هل أصبح الأمر هكذا فجأة؟”
أنا لم أقل بعد إنني سأقبل بكَ، تعلم؟
مع أنني، بصراحة، لا أملك سببًا مباشرًا للرفض، إلا أن الوضع كان غريبًا.
“فلنسمع السبب أولًا. الأمر مفاجئ جدًا. أنا ما زلتُ مصدومة من انكشاف أمري، لكن تصرّفكَ أربكني أكثر، كال.”
“آه، أتفهم ذلك. لقد تسرّعتُ. فقلبي العجوز كان يخفق بقوة. سحر حقيقي! في بلاك وينتر! بل سحرٌ لم أره قط طوال حياتي!”
“آه…… أفهم شغفُكَ بالسحر أكثر من اللازم، أعرف. لكن هل يمكنكَ أن تشرح السبب الآن؟”
“كح كح…… تعود هذه القصة إلى زمن بعيد. حين التقطني سيد العائلة الراحل، وسلكتُ طريق ساحر سيّاف. آنذاك كان يفكّر في الوريث، وسألني أيّ الشبان سأخدُم.”
والدي، وعمّي الأكبر، وعمّي الأصغر.
يبدو أنه كان عليه أن يختار واحدًا من الثلاثة.
“وفي ذلك الوقت، قلتُ لسيد العائلة ما يلي: لن أختار أحدًا منهم.”
“……وماذا ستختار؟”
“بدلًا من ذلك، إن وُلد في بلاك وينتر شخصٌ يملك موهبة السحر، فسأخدمُه طوال حياتي.”
“……معذرة، لكن أليس هذا نوعًا من عدم الولاء؟”
أليس هذا تصريحًا بعدم الولاء؟
ضحك كالي دوبين ضحكة عالية.
“قد يبدو الأمر كذلك، لكن من يدري؟ ثم إن سيِّد العائلة ضحك بدوره وقَبِل الأمر بسخاء.”
توقّف لحظة، ثم زال الضحك عن وجهه.
“هذا الوعد استمر حتى بعد تقاعدي من المنظمة السرية التابعة للعائلة ‘الحراشف الزرقاء’. وها قد حان الوقت للوفاء بهذا الوعد القديم.”
كنت أظنّه مجرد اندفاع من عاشقٍ للسحر، لكن اتضح أن القصة أقدم مما توقعت.
“لديّ سؤال واحد…… هذا ‘الحراشف الزرقاء’، أليس تنظيم اغتيالات؟”
“ههه، إنه سرّ، لكن لا يمكنني نفي ذلك.”
تقاعدَ إذًا.
‘لهذا كان يدخل المكتبة ويخرج منها دون أن يلاحظه أحد.’
كنت أظنه وحيدًا على نحوٍ مفرط.
‘إذن، في القصة الأصلية، لأنه كان متقاعدًا، تبِع البطل دون تردّد؟’
سيد العائلة لم يستفق، وبدا أن بلاك وينتر لن تُنجب موهبة سحرية أبدًا.
“إذًا، سأطرحُ سؤالًا أخيرًا.”
“تفضّلي، كما تشائين.”
ابتسمتُ ابتسامة جميلة، وقد عاد الدم إلى وجهي.
“إن أخذتُك كتابعٍ لي، هل سأحصل أيضًا على ‘الحراشف الزرقاء’؟”
تجمّد كال لحظة.
اختفى التعبير اللطيف عن وجهه لبرهة قصيرة جدًا.
ثم، في غمضة عين، عادت تلكَ الابتسامة الودودة إلى وجه.
“سؤال مدهش فعلًا، آنستي.”
“إيه، أنا أعرف إنني مميزة، حتى بدون مبالغة. في الحقيقة، باستثناء أنني لا أُجيد استخدام السيف، فأنا شخص موهوبٌ جدًا.”
كان ذلك تبجّحًا. وكنتُ أعلم أيضًا أن كلامي لا يشبه كلام طفل في مثل عمري.
لكن هذه العائلة كانت من الأماكن التي يسطع فيها الأطفال أكثر كلما لم يتصرفوا كأطفال.
وكالي دوبين، في النهاية، لا بدَّ أنه واحد من رجال بلاك وينتر.
لمع شيء غريب في عيني الشيخ.
“حسنًا. بدلًا من الاكتفاء بالإدعاء بأن الأمر سري، سأخبرك بالحقيقة كاملة. هذا الجسد العجوز متقاعد.”
“…….”
“لكن أطفال ‘الحرشف الأزرق’…… هم تلاميذي. على الأقل، القادة منهم كذلك.”
رمشتُ بعيني بهدوء. تلاقت نظراتنا.
“لو حاولنا عدّ من قد يصغي لكلام هذا المعلم…… دعيني أرى، واحد، اثنان، ثلاثة…… من النخبة، عشرة على الأقل همْ تحت أوامرك.”
التعليقات لهذا الفصل " 46"