الفصل 45
“أنتِ…! من أين جئتِ بهذا، بهذا الشيء اللعين؟!”
“همم، لا أظن أن لديك وقتاً للكلام.”
بااام!
“حطّابي صديقٌ ممتاز، بل ويجيد القتال التلقائيَّ أيضًا.”
وبرغم قولي ذلك، كنت أراقب وليّ العهد بعناية. في هذه المرحلة، لا يجوز إعطاء حامل السيف أي وقت.
ثم إنَّ الوقت أصلًا كان ضيقًا. وفوق ذلك، كنتُ دائمًا عاجزة عن تجاوز الفصل الأول من الحكاية.
‘الآن فهمت أخيرًا. هذه هي طريقة تجاوز الفصل الأول.’
— يا إلهي! الحطّاب الطيب كان يقطع الخشب قرب البركة، لكنه أسقط فأسَه في الماء عن غير قصد!
كنت بحاجة إلى ‘خصم حقيقي’. خصمٍ حيّ، لا وهمي. الآن فقط فهمت لماذا كان المعلّم يصرّ دائمًا على القتال العملي.
طار الفأس في الهواء، واصطدم مقبضه بسيف وليّ العهد. ترنّح الفتى وسقط أرضًا.
وعندما رفع رأسه— كان حطّابي قد ظهر من العدم، ممسكًا بفأس جديد ومصوّبهًا نحوه.
“……ساحرة؟”
“أمم، نعم. يُنادى عليَّ بذلك حاليًا.”
تقدّمت بخطوات ثابتة، وابتسمت من خلف الحطّاب.
“سقطتَ مرة أخرى، أليس كذلك؟”
“…….”
“ما رأيكَ؟ إن شعرتَ بالظلم، هل ننتظر قليلًا حتى يأتي والدي، وتُخبره بنفسك بكل ذنوبي؟ كيف أنّني أسقطتُ سموّ وليّ العهد بِحركتين فقط، و—”
“ا- اخرسي! إياكِ أن تقولي ذلك! جربي فقط، وسأقتلكِ!”
“همم، كلماتٌ قاسية على طفل صغير……”
“وأنتِ أيضًا صغيرة!”
هذا صحيح. أومأت برأسي ورفعتُ يديّ.
“حسنًا، ليس كلامًا خاطئًا. وبصراحة، قد لا تصدّقني، لكنني لم أكن أرغب أصلًا في القتال مع سموّ وليّ العهد.”
“سخيف! تقولين هذا بعدما سحقتِني هكذا!”
“ذلك لأنكَ ضعيف يا صاحب السموّ. أن تجثو هكذا أمام مجرَّد ساحرة.”
“…….”
كنتُ أعلم أنني أتجاوز الحد، لكنني لم أطلق تلك الكلمات اعتباطًا.
كلما استفزَزتُ وليّ العهد أكثر، ازداد يقيني بأنه لن يَذكر أمري لأحد.
تمامًا كما لم فعَل بشأن روي حتى الآن.
نظرتُ إليه من أعلى وابتسمت ابتسامة جميلة.
“من هذا الارتفاع، تبدو أجمل. تذكّر هذا اليوم جيدًا، يا صاحب السموّ.”
“……لن أنساه. لن أنساه أبدًا!”
“حسنًا حسنًا. آملُ ألّا نلتقي مرة أخرى.”
وبينما أبتسم، استدعيتُ آيس.
‘آيس، هل تستطيع إعادَة ملء الأرض المنهارة؟’
[نعم. يتطلب طاقة المالكة، والطاقة المتبقية كافية! جارٍ التنفيذ.]
لمحتُ الأرض وهي تُرمَّم، ثم تراجعت ببطء. لم أرخِ حذري، ولم ألغِ استدعاء الحطّاب.
“أتمنى في المرة القادمة ألّا تحاول التحدّث إليّ.”
…أرجوك، لنتجنّبْ اللقاء في المستقبل.
اليوم أنَا من انتصرتْ، لكن لا أحد يعلم كيف سينمو هذا الفتى لاحقًا.
“أنا لا أحبُّ التحدّث مع من هم أضعف مني.”
الأعداء كلما قلّوا كان أفضل، لكن بما أننا أصبحنا أعداء بالفعل، فالأجدر أن أترك أثرًا لا يُمحى.
رأيتُ في عيني الصبي ظلًا أسود صغيرًا. كان ذلك… خوفًا.
نعم، حتى لو خفتَ مني فقط، أتمنى حقًا ألّا تظهر أمامي مرة أخرى.
بالطبع، وبالنظر إلى طبيعته، لا أحد يعلم ما سيحدث لاحقًا، لكن على الأقل، سيعمّ الهدوء لفترة.
نظرتُ إلى الأرض وقد اكتمل ترميمها، ثم أدرتُ ظهري. الحطّاب، الذي بقي مكاني، ظلّ يحدّق في الصبي طويلًا، ثم تلاشى كالدخان.
أما أنا، فكنت قد اختفيت خلف الزاوية منذ فترة.
***
نظر وليّ العهد هيليوس إلى يده.
لم يستطع تصديق المشهد الذي يراه أمام عينيه.
‘هاه، أنا الآن… أنا نفسي…… أرتجف؟’
كانت يده ترتعش ارتعاشًا خفيفًا.
ومع ذلك، لم يترك السيف حتى النهاية، لأنَّ ذلك كان كبرياءَه الذي لم يستطع التخلِي عنه.
حتى شفتاه كانتا ترتجفان. إهانةٌ لا يمكنُ ابتلاعها سيطرت على جسده كلِّه.
“أنا لا أحبُّ التحدّث مع من هم أضعف مني.”
كانت كلمات الفتاة كافية لسحقه من رأسه حتى قدميه.
وجود يُدعى هيليوس كان قلعةً شُيّدت بطوب الموهبة. واسم تلك القلعة كان الغرور، بل الاستبداد بعينه.
قبض هيليوس بقوة على نصل سيفه. سال الدم، لكنه لم يُبالِ.
“في المرة القادمة، أتمنى ألا تحاول التحدّث إليّ.”
كلمات الفتاة التي تعني ‘دعنا لا نلتقي مجددًا’ انغرست، على العكس، بقوة في قلبه.
أكانت كوشمٍ لا يمكن نزعه؟
“راا بلاك وينتر…….”
هيليوس، الذي كان يطحن أسنانه غيظًا، أمسك فجأة بوجهه.
لماذا احمرّ وجهه إلى هذا الحد؟ ولماذا لا يغادره ذلك الوجه المتألّق حدّ الارتجاف؟ بل ازداد وجهه احمرارًا أكثر فأكثر.
نعم، لا بدّ أن هذا غضب فاض بعدما تجاوزت الإهانة حدّها.
عضّ وليّ العهد على أسنانه ونهض من مكانه.
هزيمة اليوم، كما في السابق، لا يمكنُه أن يخبر بِها أحدًا.
لكنّه لن ينسى هذا اليوم أبدًا! وسيُعيدها لها لا محالة.
نهض واستدار.
“……رايا بلاك وينتر!”
كان هيليوس، وقد احمرّت أذناه وعنقه، لا يفهم لماذا يلتفت إلى الخلف مرارًا.
***
“آآه، سأموت…….”
تعثّرت في مشيي، ثم عجزت أخيرًا عن الصمود وجلست على الأرض.
أوه، حقًا سأموت.
في الحقيقة، كنتُ قد تظاهرت بالقوة أمام وليّ العهد قبل قليل، لكنني كنت قد وصلتُ حدّي الأقصى أساسًا.
“تسك تسك، أكبر عيب في سحركِ هو استهلاكُهُ الهائل للمانا.”
إنه يمتصّ المانا بلا رحمة.
لم يكن عليّ فقط استدعاء الحطّاب من الحكاية كما في ساحة التدريب، بل كان عليّ أيضًا أن أكلّف آيس بسحر العزل الصوتي وأعمال الترميم.
استخدمتُ طاقة الحارس، لكن النقص عوّضته من طاقتي الخاصة، فشعرت وكأن روحي تُستنزف.
وفوق ذلك، استخدمت السحر بدقّة خوفًا من أن يلاحظني أحد، فظهر الحطّاب أصغر من متوسط حجم رجل بالغ.
وبفضل ذلك، ازداد إرهاقي الآن.
أوغ، غدًا يومٌ مهم، لا ينبغي أن أكون بهذا الإرهاق……
ولحسن الحظ، لم تظهر عليّ علامات المرض.
عادةً ما أشعر مسبقًا إن كنتُ سأسقط طريحة الفراش، لكن لم يكن هناك أي مؤشر على ذلك.
“هاه…… لو أستطيع النوم هكذا فقط.”
لكن للأسف، كانت غرفتي لا تزال بعيدة، فنحن بجوار المكتبة.
نهضت مترنّحة، أتحسّس الجدار بالكاد وأنا أمشي.
[المالكة! مستوى الإرهاق متراكم! الحارس يشعر بالقلق!]
‘همم، ما زلتُ بخير… ما زلت……’
ذاك اللعين ولي العهد، سأحسقه إن التقيته مجدداً.
على الأقل، لن يكون لي به شأن بعد انتهاء يوم المؤتمر.
فجسدي ضعيف، ولا أحضر تجمعات العائلة أساسًا……
وفي اللحظة التي استدرت فيها عند الزاوية، رفعت رأسي نحو الظل الساقط عليّ.
“آه.”
رمشت بعينيّ على اتساعهما وأنا أنظر إلى الشيخ الواقف أمامي.
“كالي دوبين؟”
لعلها المرة الأولى التي أرى فيها وجهه بلا تعبير ودود تجاهي.
شعرت بنفور غريب.
كان يبدو كفارسٍ مخضرم، أو كحكيمٍ يحمل الكثير من الحكمة…
لكن نظرته المصقولة كانت كالنصل.
حينها فقط أدركت حقيقة أنه كان عبقريَّ اغتيال في القصة الأصلية.
لماذا يحدّق بي هكذا؟ لا تقل لي…… أنه سيقضي عليّ؟ لا، لا سبب لذلك.
ما الدافع لاغتيال ابنة نبيلة بلا نفوذ ولا قوة؟
أو لعلني أتوهم بسبب الإرهاق… لا، هذا غير محتمل.
فتح فمه أخيرًا بعد أن ظلّ يحدّق بي.
“كان هناك جزء من الأرض لم يُرمَّم بعد، فتولّى هذا العجوز إصلاحه، آنستي.”
“……ماذا؟ أ-أم…؟”
“آه، بالطبع عالجت الأمر بعد عودة سموّ وليّ العهد، فلا داعي للقلق بشأن الشهود.”
ترددتُ للحظة، لكن وجهي ظلّ هادئًا.
لم يكن في يدي لا العصا ولا كتاب الحكاية، وكان آيس غير مرئي إلا لي.
“همم؟ لا أفهم عمّا تتحدّث…… كالي دوبين. جسدي ليس بخير الآن، كح كح.”
تظاهرت بالسعال ببرود لأُظهر حالتي.
أيها الجد، أعتذر، لكن هل يمكنك إيصالي إلى غرفتي؟
“آه، ويبدو أنكِ لم تنتبهي إلى موجات المانا. فإن بقي أثرها، تَكْشِفُ بالكامل نطاق هجوم الساحر ونوع سحرِه، أي إنها تحمل الكثير من المعلومات.”
“……كالي دوبين؟”
“وقد بعثرتُها أنا أيضًا، لذا حتى إن اكتشفها أحد، فسيظنها مجرد تصادم لهالات السيوف بين مبارزين.”
“……”
سكت.
…حسنًا، ماذا أفعل الآن؟
هذا العجوز أعطاني خيارًا واحدًا لا ثاني له. وبعد تفكير، أطلقت زفرة عميقة.
“……من أين بدأتَ بالمشاهدة؟”
“للأسف، من منتصف الأمر. مشهد الفأس الضخم وهو يطير كان لافتًا.”
“همم……”
هذا يعني أنه رأى كل شيء تقريبًا.
حتى وقاحتي مع وليّ العهد في النهاية رآها.
لم يحمرّ وجهي… بل شعرت بأن رأسي يدور.
‘لا يجب أن يُكشف أمري كساحرةٍ بعد. هذا مبكر جدًا.’
كنت واثقة من عدم انكشاف أمري من قِبلِ وليّ العهد، لكنني لم أتوقع أن يُكشف لهذا الرجل.
فهو شخص لا يغادر المكتبة أبدًا. كان ذلك خطأً مني.
“هل لي أن أسألكِ سؤالًا واحدًا؟”
“……لا أرغب في السماع، لكن تفضل.”
كيف يمكنني إغلاق فم هذا الرجل؟
“……هل أنتِ ساحرة، آنستي؟”
“……ماذا؟ ألم تقل إنكَ رأيت كل شيء؟”
“أعلم أن السؤال غريب، لكنه مهم جدًا بالنسبة لهذا العجوز……”
عندها فقط أدركت أن حالته كانت غريبة بعض الشيء.
قبل قليل ظننت أن ملامحه توحي بأنه سيقضي على شخص دون تردد، لكنني الآن رأيت عينيه ترتجفان قليلًا.
جفونه المتجعّدة، شفتيه، وحتى وجنتاه المترهّلتان قليلًا بفعل الزمن.
“نعم، صحيح. أنا ساحرة.”
التعليقات لهذا الفصل " 45"