توقف رومان لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة ذليلة.
“ومن هذا؟ ستيفان؟ أهذا أنت أنت؟ بالأمس لم نتمكن من إلقاء التحية، أليس كذلك؟”
“أهلاً يا أخي! مضى وقت طويل!”
كان رومان يُظهر وجهًا مختلفًا تمامًا عن ذاك الذي أظهره لي.
أما كارون، فكانت عيناه تلمعان كمن التقى نجمًا يعشقه.
أما أنا، فاكتفيت بإصدار همهمة “همم” وأنا أفرك خدي.
ها قد واجهتُ في النهاية أشياء لا أرغب برؤيتها.
‘آيس، هل يمكنك استخدام السحر خِفية؟ أنا ما زلت صغيرة، سيكون أفضل لو استخدمته أنت.’
[تأكيد. يمكن استخدام تعديل سحر [التجميد].
الأثر: تجميد الأرض تحت الأقدام.]
‘أوه، هذا ممتاز، أليس كذلك؟’
بعد أن ينتهوا من التحية ويغادروا، يمكننا استخدامه مرة واحدة……
لكن تلك الفكرة انقطعت عند هذا الحد.
“مـ، ما الذي تفعله؟!”
“أخي!”
فقد تدحرج رومان على الأرض وسط صوت مدوٍّ.
ما خطبه فعلًا؟ هل أكل شيئًا فاسدًا؟
رغم أن المشهد كان مُرضيًا، إلا أنني تساءلت عمّا أغضب ستيفان إلى هذا الحد.
“كح… سـ، ستيفان؟ نحن لسنا في تدريب أو مبارزة… ما الذي تفعله…….”
“آه، آسف. لقد أزعجتَني.”
“كح، ماذا؟ أُغخ!”
“آه. اسحبُ اعتذاري.”
أمسك ستيفان بعنقه، وأمال رأسه يمينًا ويسارًا كما لو كان يتمدد.
كانت حركة كسولة.
ومع ذلك، بدت أنيقة على نحو لافت.
“أنا أضربكم لأنكم أزعجتموني فقط، فما الذي يستدعي الاعتذار؟
خطؤكم ببساطة أنكم أزعجتموني اليوم.”
“مـ، ماذا؟ أنت، أُغ، لماذا فجأة! آااه!”
“أخييي! آااه!”
“كارون، كن ممتنًّا أنك لم تبلغ السنَّ المناسب بعد.”
دوووم.
بدأ كارون يرتجف.
“ومن الأفضل ألا تتأثر كثيرًا بالكلام الذي يخرج من فم أخيك القذر.”
“الأخ سـ، ستيفان ……؟”
لم أستطع سوى رؤية جانب وجه ستيفان.
الأخ الثاني الوحيد ذو الشعر الفضي ابتسم ابتسامة نضرة، كأنه خرج تواً من لوحة مقدسة.
“قد أدوسكَ لأنك أزعجتني، أليس هذا ممكنًا؟”
نظر كارون إلى أثر القدم على أخيه بجانبه، وأخذ يومئ برأسه بجنون.
وسرعان ما رأيت كارون يسند رومان بالكاد، وهما يبتعدان.
استدار ستيفان نحوي.
“……أممم، أخي؟”
أملت رأسي جانبًا.
ترددت قليلًا بين أن أتكلم أو لا، لكنني قررت أن أفعل.
“لماذا ضربتهم ثم بدوتَ هكذا…….”
بوجه بائس؟
“لا أعرف لماذا تبدو وكأنك أنتَ من تعرض للضرب. ما الذي ضايقك لتضربهما؟ هل استفزاك بالأمس؟”
“…….”
“أم لأنك لم تشعر بالارتياح بعد ذلك؟”
تفادى ستيفان نظري. رأيت أسنانه تطبق بقوة.
“لا، لم أشعر بالارتياح إطلاقًا. لكن ماذا عنكِ؟ هل شعرتِ بالارتياح؟”
“لا أفهم لماذا تسألني أنا، لكن إن اضطررتُ للاختيار، فربما نعم. وبصراحة أكثر… لا يهمني.”
سواء ضرب ستيفان رومان لأنه انزعج، أو حتى لو كاد يسحقه، لم يكن ذلك يعنيني.
ثم أن رومان، ذو لسانٍ وقح، ويستحق أن يُضرب أينما ذهب.
“يا، ألا تشعرين بالفضول لمعرفة السبب؟”
“لا أعرف لماذا يجب أن أكون فضولية، لكن… حسنًا، لماذا ضربتهم إذن؟”
حدّق ستيفان فيّ طويلًا، ثم خفض نظره.
“……تعلمتُ أساسيات الفنون القتالية من أمي. إلاَّ أن الرمح لم يناسبني، فاتبعتُ طريق السيف.”
“أعرف ذلك جيدًا. وما علاقة هذا بالأمر؟”
كانت والدته، التي يجري في عروقها دم الجنيات بقوة، ترغب في جعله وريث ديندراين.
لكن شخصيته لم تناسب الرمح إطلاقًا، فتخلّت عن الفكرة سريعًا.
غطّى ستيفان وجهه بيده للحظة، ثم تنهد.
“تحمّلكِ لكل تلك المعاملة القذرة حتى الآن… لا بد أن لي نصيبًا من الذنب في ذلك. اللعنة! نعم، لقد أخطأت أنا أيضًا! ولهذا…… لن أترك الأمر يستمر بعد الآن.”
كان وجهه الذي رأيته للحظة يبدو كمن شارف على البكاء،
أو كطفل تائه لا يعرف الطريق.
خلال أيام قليلة فقط، شعرتُ أنني أرى وجوهًا كثيرة لهذا الأخ الثاني.
“فلسفة ديندراين هي ألا نعتذر أبدًا إن كان الاعتذار من أجل أنفسنا. لا نقبل اعتذارًا من الجاني يهدف فقط إلى إراحة نفسه.”
“هاه؟”
“لذلك أنا… أنا لستُ آسفًا لكِ.”
“أه…….”
“ولا أندم على ما فعلته بكِ…….”
مسح ستيفان عينيه بظهر يده.
كانت هذه هي المرة الثانية التي أرى فيها دموع أخٍ أكبر مني، بعد جروي الأسود، ومع ذلك لم أشعر بشيء يُذكر.
لأنني لم أفهم لماذا يتصرف هكذا فجأة.
“لكنني أعرف ما الذي أخطأتُ فيه. لذلك لن أقدم اعتذارًا من أجل نفسي.”
“…….”
“عندما يأتي اليوم الذي تريدين فيه اعتذارًا، أخبريني.”
لكنني لم أستطع متابعة الكلام عندما جاءت الجملة التالية.
فهذا… كان أول اعتذار أتلقاه في حياتي.
من بين كل أولئك الذين رمونيّ بالكلمات، لم يعتذر لي شخص واحد قط، لأنني كنتُ شخصًا يُسمح بالتعامل معه هكذا.
قشرة فارغة، ناقصة، قمامة العائلة.
رمشتُ بعيني.
“……لماذا الآن؟”
“لأنني أدركتُه قبل أن يفوت الأوان. وأريد أن أصحح الأمر، ولو الآن.”
“…….”
“رايا.”
كم مرة نُودي اسمي من قِبل الآخرين؟
حين نظرتُ إلى هذا الأخ الثاني، غشا بصري للحظة، لكنني لم أُظهر ذلك على وجهي.
“هذا غريب فعلًا. قبل مدة قصيرة فقط، لم يكن هناك من يناديني باسمي، ولا من يهتم لأمري، ولا من يعتذر لي…….”
قبضتُ يدي بقوة ثم فتحتها.
“الكثير من الأشياء تغيّرت.”
قفز آيس والتصق بخدي، ثم ألصق رأسه بي وراح يفركه بسرعة غير معتادة.
[المالكة، المالكة! مستوى الحزن شديد! تحتاجين إلى مواساة!]
كان باردًا ويؤلم قليلًا، لكنه كان بخير.
لا بد أنهُ عزاء هذا الحارس الصغير.
“افعل ما تشاء يا أخي. سواء اعتذرت أم لا، سواء بقيت تحوم حولي من الآن فصاعدًا أو حاولت التكفير… قبول ذلك أو رفضه هو قراري أنا.”
“…….”
“لكن إن كنتَ ستبقى بجانبي، فلا تنادني بالقشرة مرة أخرى.”
“أنتِ…….”
“على أي حال، يبدو أنك كنتَ في وضع مشابه. آه، طبعًا، كنتَ أفضل حالًا مني.”
رمشتُ بعينيّ على اتساعهما.
أنا وروي وستيفان، كلٌّ منا شعر بالبؤس لأسباب مختلفة، ولا أرغب في مقارنة من كان أكثر ألما.
وبصراحة، لو قارنا فعلًا، فربما أنا أو روي كنَّا الأكثر معاناة.
“الاعتذار يمكن أن يأتي لاحقًا، ولحينها كن دعامة لي.”
“……ما هذا، تريدين ممسحة أقدام؟”
“آه، كنتُ سأقول ذلك، لكنني لطّفتُ العبارة.”
ابتسم ستيفان ابتسامة خفيفة بعينين محمرّتين، ثم مسحهما مرة أخرى.
التعليقات لهذا الفصل " 42"