لسببٍ ما شعرتُ بالتعب طوال الطريق من ساحة تدريب روي إلى غرفتي، وحين اقتربنا من الوصول كنتُ أكاد أغفو وأنا على ظهر راينانتي.
كان راينانتي يمشي بحذرٍ أشد حتى لا يوقظني. ولم أدرك ذلك إلا حين استفقتُ قليلًا في منتصف الطريق.
يمشي بهذه العناية، لكنه حين أنزلني نظر إليّ وكأن تعابير وجهه تقول. ‘أرأيتِ؟ لقد كان من الجيد أن أحملكِ، أليس كذلك؟’.. يا له من رجل غير صريح.
“هاااه.”
كنتُ متعبة أكثر من اللازم، وكان لديّ تخمين واضح للسبب.
‘يبدو أن ذلك القياس أو الاختبار الذي أجراه لي المعلم هو السبب… فقد واجهتُ أوركًا كاملًا…’
حتى أنا وجدتُ الأمر غير قابل للتصديق.
بدأت عيناي تُطبقان تدريجيًا، لكن هذا الإحساس لم يكن غريبًا عليّ.
بما أن لياقتي ضعيفة أصلًا، فحتى دون مجهود كبير كنتُ أُصاب بالوهن فجأة في مواسم تبدّل الطقس أو أشعر بإرهاقٍ حاد.
بل إنني شعرتُ أن هذا القدر من التعب لم أشعر به منذ زمن.
[تحذير! الحارس قلق بشأن ضعف لياقة المالك المفرط.]
‘أمم، شكرًا يا آيس. لكنني هكذا في الأصل…’
رغم كلماته الجامدة، أخذ آيس يفرك رأسه بذقني، ثم ينظر إلى وجهي مرة، ويعاود فركه مرة أخرى.
[تحذير! الحارس تعرّف على حالة لياقة المالك!]
يبدو أنه كان قلقًا حقًا بطريقته الخاصة. لا عجب، فمالكه السابق كان ساحرًا عظيمًا.
وفوق ذلك، يبدو أنه كان رفيق مغامرات لجدّي أيضًا…
لو كان كذلك، فلا بد أن لياقته كانت جيدة حتى مقارنة بالسحرة.
وحتى لو لم يكن كذلك، فقد كان رجلًا بالغًا، ولا مجال للمقارنة بينه وبيني.
فهمتُ لماذا يقلق هذا الآيس الصغير هكذا.
“آنسة!”
عادةً ما أودّع راينانتي عند باب الغرفة، لكن ربما لأنني جئتُ محمولةً على ظهره لليوم الثاني على التوالي، هرعت يوري نحوي بخطوة واحدة.
بدت قلقة ما إن رأتني، فبادرتُ إلى طمأنتها.
كان في الغرفة امرأة أخرى تبدو في حيرة.
آه، لا بد أنها زميلة يوري؟
يبدو أنها الخادمة التي طلبتُها هذا الصباح.
“شكرًا لك، سير راينانتي. آه، لم أقدّمها أمس، أليس كذلك؟ هذه يوري، أصبحتْ خادمتي ابتداءً من اليوم.”
توقفت يوري قبل أن تقترب مني، ثم اعتدلت في وقفتها.
وانحنت لراينانتي بانضباطٍ شديد.
همم؟ لكن طريقة التحية هذه… فيها حزم؟
هل أتخيل؟
“خادمة؟ ومن اليوم؟”
“نعم، من اليوم. ستلتقيان كثيرًا، فألق التّحيَّة.”
صمت راينانتي قليلًا، ثم أومأ ليوري تحيةً متحفّظة. وبعدها حدّق فيها بنظرة غريبة.
“اختيار غير مألوف لخادمة. لكن هذا أيضًا ضمن حكمتكِ، آنسة.”
“نعم؟”
“سأستأذن. أراكِ غدًا في الوقت نفسه.”
“آه، أ— نعم.”
غير مألوف؟ أي جزء يقصد؟
آه… هل يعرف راينانتي من أي عائلة نُقلت يوري؟ لكن كيف لفارسٍ أن يعرف أصل خادمة؟
راقبتُ الباب وهو يُغلق، ثم التفتُّ.
“يوري، هل تعرفين الفارس راينانتي؟”
“ماذا؟ لا. رأيته لأول مرة أمس. آه! هل هو شخص مهم؟ هل أسأتُ الأدب…؟”
“لا، لا، لا. ليس هذا.”
سألتُ فقط لأن ردّة فعله كانت غريبة. ويوري بدت غير مُدركة تمامًا.
بدل الاستفسار أكثر، نظرتُ إلى الخادمة الجديدة.
كانت شابة لطيفة ذات شعر بني قصير يصل حتى أسفل أذنيها، وتبدو في عمرٍ قريب من عمر يوري.
“تشرفتُ بلقائكِ، آنسة!”
تحيتها كانت مليئة بالحيوية، كجنديٍّ مشدود الأعصاب، فابتسمتُ دون قصد.
“نعم، أهلًا. ما اسمكِ؟”
“ليفي.”
“أهلًا يا ليفي. لا داعي للتشدّد، عامِليني براحة.”
نظرتُ إلى الغرفة شبه الخالية وقلتُ.
“يبدو أنكِ ستكونين الخادمة الوحيدة التي سترافقني من الآن فصاعدًا.”
“ماذا؟ آنسة! ماذا تعنين بذلك؟”
قاطعتني يوري فجأة.
“أقصد ما قلته حرفيًا. الآن وقد صار لديّ خادمة، لن أزيد العدد أكثر. آه، أم أن هناك صديقة أخرى لكِ ما زالت في هذا القصر؟”
“لا، لا. ليس الأمر كذلك، لكن…….”
“إذًا انتهى الأمر.”
على أي حال، كثرة الخادمات لا تؤدي في النهاية سوى إلى خلق أسباب للاستبدال في منتصف الطريق.
كنتُ أعرف ذلك جيدًا من خبرتي السابقة.
حدث مرة أن تم تبديل الخادمات بسبب شجارٍ بينهن.
ما كان السبب حينها؟
آه، صحيح. تشاجرن حول من سيحرس الغرفة أثناء نومي.
قيل إن الحراسة الليلية مخيفة جدًا. وكأنني مصابة بمرضٍ معدٍ! كان الأمر مبالغًا فيه حقًا.
“على كل حال، وصول ليفي اليوم مباشرة يدل على أن كبير الخدم سريع في إنجاز الأمور.”
“آه، أ— أتشرف بخدمتكِ، آنسة. سأبذل قصارى جهدي في خدمتكِ!”
“نعم. وأنا أيضًا أتطلع للعمل معكِ.”
أومأتُ لليفي ثم التفتُّ.
“بالمناسبة يا يوري، لم أسمع ما اللقب الذي ترغبين به لكي تصيري وصيفتي. هل هناك ما ترغبين به؟ هذا القدر أستطيع تحقيقه.”
“آه، لا، آنسة، أنا…….”
“هاه؟ يوري، لقب؟ لا تقولي إنكِ ستستعيدين لقب الفارس؟!”
فارس؟
رمشتُ بعيني.
مرّ على وجه يوري مزيج من الدهشة والارتباك.
“ليفي!”
“لقب فارس؟ عمّ تتحدثين؟”
رمشت ليفي بعينيها. بدا على وجهها أنها تداركت خطأها.
لكنها سرعان ما تابعت بحذر.
“ظننتُ أن الآنسة تعلم…… أعتذر. يوري حصلت على لقب فارس من عائلة وودتيل، لا، كان من المفترض أن تحصل عليه…… لكن بسبب مشكلة عائلية لم تستلمه، وبقي الأمر هكذا، أمم…….”
“ليفي، يكفي. سأشرح الأمر بنفسي. آنستي، هذه ليست قصة كبيرة.”
مسحت يوري مؤخرة عنقها.
“كنتُ أجيد استخدام السيف والدرع قليلًا، وكنتُ على وشك أن أصبح فارسة بحسن حظي، لكن والدي ارتكب جريمة، ولهذا…… انتهى الأمر هكذا.”
لم تبدُ قصة خفيفة أبدًا، لكن رؤية يوري تحاول الحديث عنها بخفة جعلتني أتوقف عن السؤال.
يبدو أن لها ظروفها.
“إذًا، هل تفضلين لقب فارس؟”
بدلًا من ذلك، سألتها هكذا.
ترددت يوري قليلًا، ثم رفضت بأدب.
لكن وجهها كان مليئًا بالأسف.
***
“ستكون فارسة بارعة.”
الإجابة عن السؤال الذي طرحته بالأمس، جاءت صباحًا من مكان غير متوقع.
من الفارس راينانتي.
“رأيتها منذ زمن بعيد، حين زرتُ وودتيل برفقة القائم بأعمال ربّ العائلة. أظنني رأيتها في مباراة ودّية.”
“رأيتَها من قبل؟”
“نعم.”
العائلات الشهيرة كانت تزور بعضها بدافع التعارف، وأحيانًا يتبارى فرسانها لإظهار مهاراتهم.
المباراة التي تحدث عنها راينانتي لم تكن رسمية، بل مجرد مبارزة خفيفة بين الفرسان الذين اجتمعوا في ذلك اليوم.
“كانت تضع شريطًا أبيض، وبحسب ما سمعته من فرسان وودتيل، كانت آنذاك متدرّبة، لكنها ستنال الشريط الأحمر قريبًا.”
“وما هو الشريط الأحمر؟”
“يعادل عندنا رتبة فارس من الفرقة الأولى.”
“إيه؟! هذا إنجاز عظيم، أليس كذلك؟!”
رمشتُ بعيني.
ما هذا؟
ماذا يحدث؟
الخادمة التي اخترتها اتضح أنها تخفي قوة هائلة؟!
كارثة.
قلب عاشقة روايات الفانتازيا بدأ يخفق بجنون.
“ثم ماذا؟ ثم ماذا؟ أخبرني بكل ما تعرفه، دون استثناء!”
تفاجأ راينانتي قليلًا، لكنه سرد ما يعرفه بهدوء.
“لا أعلم لماذا تعمل هنا كخادمة، لكن ليس من الصعب التخمين. هناك صراعات فصائل هناك، وربما أُقصيت وسط تلك الفوضى.”
“صراعات فصائل؟ مثل شجار أبي والعم؟”
“نعم، كذلك. وآنستي، من الأفضل خفض صوتكِ في هذا الممر…….”
أومأتُ برأسي.
“في حالة وودتيل، سمعتُ أن الأوضاع كانت فوضوية قبل أن يتولى ربّ العائلة الحالي القيادة. وإن كانت موهبة واعدة اختفت في تلك الفترة، فربما كانت ضحية مؤسفة. فالآن فقط، بعد تولي ربّ العائلة الحالي، قيل إن الأمور استقرت.”
“آها…… لكن، أيها السير، أنت فارس، فكيف تعرف مثل هذه الأمور؟”
“لأنني فارس من الفرقة الأولى.”
أجاب راينانتي بهدوء، وهو يلتفت حوله مرة واحدة.
“في حال اندلاع حرب على الإقطاع، ألا يجب أن نعرف العدو؟”
“……لكن وودتيل عائلة حليفة، أليس كذلك؟”
“ومن يدري متى يصبح الحليف عدوًا؟”
هذا صحيح، لكن……
حاليًا عائلة وودتيل على علاقة وثيقة بوالدتي، دوقة ديندراين.
وأظن أن هذه الصداقة لم تنكسر حتى نهاية الرواية.
إن لم يكونوا قد انهاروا معًا عند سقوط عائلتنا لقلت ربّما، لكنها كانت عائلة وفية حتى النهاية.
ومع ذلك، بدت جاهزية راينانتي مثيرة للإعجاب. نعم، هكذا تكون عائلة الفرسان.
“همم، هذا الاستعداد يعجبني يا سير راينانتي. أتمنى لو كان لديّ شخص مثلكَ بين أتباعي.”
إن كانت يوري فارسة بارعة إلى هذا الحد، فهل أجرب استمالتها لاحقًا؟
أو ربما، أقودها بهدوء إلى حيث يوجد روي، وأجعلها معلمته التالية…….
“وأنا……؟ ألستُ كذلك؟”
“نعم؟”
كنتُ غارقة في أفكاري لدرجة أنني لم ألتقط الكلمة الوسطى.
رفعتُ رأسي، فرأيت على وجه راينانتي تعبيرًا غامضًا.
“لا شيء.”
هزّ رأسه، وأنا لم أسأل هذا الفارس الصامت أكثر.
“هل ستتوجهين إلى المكتبة اليوم أيضًا؟”
“نعم، إلى هناك.”
جثا راينانتي على ركبة واحدة. على عكسِ الأمس، استسلمتُ بهدوء.
حملني بخفة، وكان التنقل بهذه الطريقة مريحًا على نحوٍ غالفصل 28
***
عندما عدتُ إلى الغرفة كان الوقت قد قارب الغروب.
لسببٍ ما شعرتُ بالتعب طوال الطريق من ساحة تدريب روي إلى غرفتي، وحين اقتربنا من الوصول كنتُ أكاد أغفو وأنا على ظهر راينانتي.
كان راينانتي يمشي بحذرٍ أشد حتى لا يوقظني. ولم أدرك ذلك إلا حين استفقتُ قليلًا في منتصف الطريق.
يمشي بهذه العناية، لكنه حين أنزلني نظر إليّ وكأن تعابير وجهه تقول. ‘أرأيتِ؟ لقد كان من الجيد أن أحملكِ، أليس كذلك؟’.. يا له من رجل غير صريح.
“هاااه.”
كنتُ متعبة أكثر من اللازم، وكان لديّ تخمين واضح للسبب.
‘يبدو أن ذلك القياس أو الاختبار الذي أجراه لي المعلم هو السبب… فقد واجهتُ أوركًا كاملًا…’
حتى أنا وجدتُ الأمر غير قابل للتصديق.
بدأت عيناي تُطبقان تدريجيًا، لكن هذا الإحساس لم يكن غريبًا عليّ.
بما أن لياقتي ضعيفة أصلًا، فحتى دون مجهود كبير كنتُ أُصاب بالوهن فجأة في مواسم تبدّل الطقس أو أشعر بإرهاقٍ حاد.
بل إنني شعرتُ أن هذا القدر من التعب لم أشعر به منذ زمن.
[تحذير! الحارس قلق بشأن ضعف لياقة المالك المفرط.]
‘أمم، شكرًا يا آيس. لكنني هكذا في الأصل…’
رغم كلماته الجامدة، أخذ آيس يفرك رأسه بذقني، ثم ينظر إلى وجهي مرة، ويعاود فركه مرة أخرى.
[تحذير! الحارس تعرّف على حالة لياقة المالك!]
يبدو أنه كان قلقًا حقًا بطريقته الخاصة. لا عجب، فمالكه السابق كان ساحرًا عظيمًا.
وفوق ذلك، يبدو أنه كان رفيق مغامرات لجدّي أيضًا…
لو كان كذلك، فلا بد أن لياقته كانت جيدة حتى مقارنة بالسحرة.
وحتى لو لم يكن كذلك، فقد كان رجلًا بالغًا، ولا مجال للمقارنة بينه وبيني.
فهمتُ لماذا يقلق هذا الآيس الصغير هكذا.
“آنسة!”
عادةً ما أودّع راينانتي عند باب الغرفة، لكن ربما لأنني جئتُ محمولةً على ظهره لليوم الثاني على التوالي، هرعت يوري نحوي بخطوة واحدة.
بدت قلقة ما إن رأتني، فبادرتُ إلى طمأنتها.
كان في الغرفة امرأة أخرى تبدو في حيرة.
آه، لا بد أنها زميلة يوري؟
يبدو أنها الخادمة التي طلبتُها هذا الصباح.
“شكرًا لك، سير راينانتي. آه، لم أقدّمها أمس، أليس كذلك؟ هذه يوري، أصبحتْ خادمتي ابتداءً من اليوم.”
توقفت يوري قبل أن تقترب مني، ثم اعتدلت في وقفتها.
وانحنت لراينانتي بانضباطٍ شديد.
همم؟ لكن طريقة التحية هذه… فيها حزم؟
هل أتخيل؟
“خادمة؟ ومن اليوم؟”
“نعم، من اليوم. ستلتقيان كثيرًا، فألق التّحيَّة.”
صمت راينانتي قليلًا، ثم أومأ ليوري تحيةً متحفّظة. وبعدها حدّق فيها بنظرة غريبة.
“اختيار غير مألوف لخادمة. لكن هذا أيضًا ضمن حكمتكِ، آنسة.”
“نعم؟”
“سأستأذن. أراكِ غدًا في الوقت نفسه.”
“آه، أ— نعم.”
غير مألوف؟ أي جزء يقصد؟
آه… هل يعرف راينانتي من أي عائلة نُقلت يوري؟ لكن كيف لفارسٍ أن يعرف أصل خادمة؟
راقبتُ الباب وهو يُغلق، ثم التفتُّ.
“يوري، هل تعرفين الفارس راينانتي؟”
“ماذا؟ لا. رأيته لأول مرة أمس. آه! هل هو شخص مهم؟ هل أسأتُ الأدب…؟”
“لا، لا، لا. ليس هذا.”
سألتُ فقط لأن ردّة فعله كانت غريبة. ويوري بدت غير مُدركة تمامًا.
بدل الاستفسار أكثر، نظرتُ إلى الخادمة الجديدة.
كانت شابة لطيفة ذات شعر بني قصير يصل حتى أسفل أذنيها، وتبدو في عمرٍ قريب من عمر يوري.
“تشرفتُ بلقائكِ، آنسة!”
تحيتها كانت مليئة بالحيوية، كجنديٍّ مشدود الأعصاب، فابتسمتُ دون قصد.
“نعم، أهلًا. ما اسمكِ؟”
“ليفي.”
“أهلًا يا ليفي. لا داعي للتشدّد، عامِليني براحة.”
نظرتُ إلى الغرفة شبه الخالية وقلتُ.
“يبدو أنكِ ستكونين الخادمة الوحيدة التي سترافقني من الآن فصاعدًا.”
“ماذا؟ آنسة! ماذا تعنين بذلك؟”
قاطعتني يوري فجأة.
“أقصد ما قلته حرفيًا. الآن وقد صار لديّ خادمة، لن أزيد العدد أكثر. آه، أم أن هناك صديقة أخرى لكِ ما زالت في هذا القصر؟”
“لا، لا. ليس الأمر كذلك، لكن…….”
“إذًا انتهى الأمر.”
على أي حال، كثرة الخادمات لا تؤدي في النهاية سوى إلى خلق أسباب للاستبدال في منتصف الطريق.
كنتُ أعرف ذلك جيدًا من خبرتي السابقة.
حدث مرة أن تم تبديل الخادمات بسبب شجارٍ بينهن.
ما كان السبب حينها؟
آه، صحيح. تشاجرن حول من سيحرس الغرفة أثناء نومي.
قيل إن الحراسة الليلية مخيفة جدًا. وكأنني مصابة بمرضٍ معدٍ! كان الأمر مبالغًا فيه حقًا.
“على كل حال، وصول ليفي اليوم مباشرة يدل على أن كبير الخدم سريع في إنجاز الأمور.”
“آه، أ— أتشرف بخدمتكِ، آنسة. سأبذل قصارى جهدي في خدمتكِ!”
“نعم. وأنا أيضًا أتطلع للعمل معكِ.”
أومأتُ لليفي ثم التفتُّ.
“بالمناسبة يا يوري، لم أسمع ما اللقب الذي ترغبين به لكي تصيري وصيفتي. هل هناك ما ترغبين به؟ هذا القدر أستطيع تحقيقه.”
“آه، لا، آنسة، أنا…….”
“هاه؟ يوري، لقب؟ لا تقولي إنكِ ستستعيدين لقب الفارس؟!”
فارس؟
رمشتُ بعيني.
مرّ على وجه يوري مزيج من الدهشة والارتباك.
“ليفي!”
“لقب فارس؟ عمّ تتحدثين؟”
رمشت ليفي بعينيها. بدا على وجهها أنها تداركت خطأها.
لكنها سرعان ما تابعت بحذر.
“ظننتُ أن الآنسة تعلم…… أعتذر. يوري حصلت على لقب فارس من عائلة وودتيل، لا، كان من المفترض أن تحصل عليه…… لكن بسبب مشكلة عائلية لم تستلمه، وبقي الأمر هكذا، أمم…….”
“ليفي، يكفي. سأشرح الأمر بنفسي. آنستي، هذه ليست قصة كبيرة.”
مسحت يوري مؤخرة عنقها.
“كنتُ أجيد استخدام السيف والدرع قليلًا، وكنتُ على وشك أن أصبح فارسة بحسن حظي، لكن والدي ارتكب جريمة، ولهذا…… انتهى الأمر هكذا.”
لم تبدُ قصة خفيفة أبدًا، لكن رؤية يوري تحاول الحديث عنها بخفة جعلتني أتوقف عن السؤال.
يبدو أن لها ظروفها.
“إذًا، هل تفضلين لقب فارس؟”
بدلًا من ذلك، سألتها هكذا.
ترددت يوري قليلًا، ثم رفضت بأدب.
لكن وجهها كان مليئًا بالأسف.
***
“ستكون فارسة بارعة.”
الإجابة عن السؤال الذي طرحته بالأمس، جاءت صباحًا من مكان غير متوقع.
من الفارس راينانتي.
“رأيتها منذ زمن بعيد، حين زرتُ وودتيل برفقة القائم بأعمال ربّ العائلة. أظنني رأيتها في مباراة ودّية.”
“رأيتَها من قبل؟”
“نعم.”
العائلات الشهيرة كانت تزور بعضها بدافع التعارف، وأحيانًا يتبارى فرسانها لإظهار مهاراتهم.
المباراة التي تحدث عنها راينانتي لم تكن رسمية، بل مجرد مبارزة خفيفة بين الفرسان الذين اجتمعوا في ذلك اليوم.
“كانت تضع شريطًا أبيض، وبحسب ما سمعته من فرسان وودتيل، كانت آنذاك متدرّبة، لكنها ستنال الشريط الأحمر قريبًا.”
“وما هو الشريط الأحمر؟”
“يعادل عندنا رتبة فارس من الفرقة الأولى.”
“إيه؟! هذا إنجاز عظيم، أليس كذلك؟!”
رمشتُ بعيني.
ما هذا؟
ماذا يحدث؟
الخادمة التي اخترتها اتضح أنها تخفي قوة هائلة؟!
كارثة.
قلب عاشقة روايات الفانتازيا بدأ يخفق بجنون.
“ثم ماذا؟ ثم ماذا؟ أخبرني بكل ما تعرفه، دون استثناء!”
تفاجأ راينانتي قليلًا، لكنه سرد ما يعرفه بهدوء.
“لا أعلم لماذا تعمل هنا كخادمة، لكن ليس من الصعب التخمين. هناك صراعات فصائل هناك، وربما أُقصيت وسط تلك الفوضى.”
“صراعات فصائل؟ مثل شجار أبي والعم؟”
“نعم، كذلك. وآنستي، من الأفضل خفض صوتكِ في هذا الممر…….”
أومأتُ برأسي.
“في حالة وودتيل، سمعتُ أن الأوضاع كانت فوضوية قبل أن يتولى ربّ العائلة الحالي القيادة. وإن كانت موهبة واعدة اختفت في تلك الفترة، فربما كانت ضحية مؤسفة. فالآن فقط، بعد تولي ربّ العائلة الحالي، قيل إن الأمور استقرت.”
“آها…… لكن، أيها السير، أنت فارس، فكيف تعرف مثل هذه الأمور؟”
“لأنني فارس من الفرقة الأولى.”
أجاب راينانتي بهدوء، وهو يلتفت حوله مرة واحدة.
“في حال اندلاع حرب على الإقطاع، ألا يجب أن نعرف العدو؟”
“……لكن وودتيل عائلة حليفة، أليس كذلك؟”
“ومن يدري متى يصبح الحليف عدوًا؟”
هذا صحيح، لكن……
حاليًا عائلة وودتيل على علاقة وثيقة بوالدتي، دوقة ديندراين.
وأظن أن هذه الصداقة لم تنكسر حتى نهاية الرواية.
إن لم يكونوا قد انهاروا معًا عند سقوط عائلتنا لقلت ربّما، لكنها كانت عائلة وفية حتى النهاية.
ومع ذلك، بدت جاهزية راينانتي مثيرة للإعجاب. نعم، هكذا تكون عائلة الفرسان.
“همم، هذا الاستعداد يعجبني يا سير راينانتي. أتمنى لو كان لديّ شخص مثلكَ بين أتباعي.”
إن كانت يوري فارسة بارعة إلى هذا الحد، فهل أجرب استمالتها لاحقًا؟
أو ربما، أقودها بهدوء إلى حيث يوجد روي، وأجعلها معلمته التالية…….
“وأنا……؟ ألستُ كذلك؟”
“نعم؟”
كنتُ غارقة في أفكاري لدرجة أنني لم ألتقط الكلمة الوسطى.
رفعتُ رأسي، فرأيت على وجه راينانتي تعبيرًا غامضًا.
“لا شيء.”
هزّ رأسه، وأنا لم أسأل هذا الفارس الصامت أكثر.
“هل ستتوجهين إلى المكتبة اليوم أيضًا؟”
“نعم، إلى هناك.”
جثا راينانتي على ركبة واحدة. على عكسِ الأمس، استسلمتُ بهدوء.
حملني بخفة، وكان التنقل بهذه الطريقة مريحًا على نحوٍ غير متوقع.
وفي الوقت نفسه، راودتني فكرة واحدة.
‘لا ينبغي أن أعتاد على هذا…….’
“أتيتِ إذًا، أيتها الصغيرة.”
لكن كل تلك الأفكار اختفت لحظة رأيتُ معلمي.
الشاب الوسيم المتألق كعادته، لا، معلمي الآن، ابتسم ابتسامة واسعة ووجّه عصاه نحوي.
“ابتداءً من اليوم، سنبدأ تدريب أساسي.”
ير متوقع.
وفي الوقت نفسه، راودتني فكرة واحدة.
‘لا ينبغي أن أعتاد على هذا…….’
“أتيتِ إذًا، أيتها الصغيرة.”
لكن كل تلك الأفكار اختفت لحظة رأيتُ معلمي.
الشاب الوسيم المتألق كعادته، لا، معلمي الآن، ابتسم ابتسامة واسعة ووجّه عصاه نحوي.
التعليقات لهذا الفصل " 28"