الفصل 17
الوكيل عن ربّ الأسرة، لم يكن يُنادى بهذا اللقب في هذا البيت سوى والدي.
حدّقتُ في فم راينانتي بانتباه.
ما هذا الهراء؟ أن يصدر منه أمر كهذا.
لكن لا يمكن أنني سمعتُ خطأ. لماذا؟ ولماذا الآن تحديدًا؟
……هل سأموت أبكر مما توقعت؟
كان شكًا منطقيًا. أليسوا يقولون إنهم يلبّون حتى أمنيات الموتى؟ فربما لأنني على وشك الموت صاروا يلبّون لي كل شيء؟
سأسأل الطبيب المعالج حين يعود.
‘الطبيب المعالج الحالي خرج ليتفقد أعشابًا جديدة.’
حسنًا، جيد. على أي حال، يمكن القول إن الأمور سارت على ما يرام.
لأن روي صار لديه معلم.
“أخي، رأيتَ كل شيء، أليس كذلك؟”
توجّهت عينا روي اللطيفتان نحوي. تلك العينان اللتان كانتا قبل قليل تحدّقان بالفرسان بحدة.
واو، هل هذا هو الشعور حين تروّض جروًا؟ لا يزال من المدهش أنه صار لطيفًا معي وحدي.
“ألقِ التَّحية عليهم، هؤلاء حرّاسي. هذا راينانتي، وذاك الضخم هناك هو لوڤن.”
“راينانتي هاكيل. الفارس القائد في الفرقة الأولى يحيّي السيّد الثالث.”
“لوڤن آرمستير، الفارس القائد في الفرقة الأولى يحيّي السيّد الشاب!”
كان روي يحدّق فقط دون أن يجيب. آه، أعرف هذا الوجه.
إنه وجه يقول: وماذا تريدونني أن أفعل؟ ضحكتُ ضحكة خفيفة مرتبكة: هههه.
“هؤلاء فرسان رائعون سيعلّمونك السيف من الآن فصاعدًا. احسن التعامل معهم، حسنًا؟”
“……أنا.”
فتح روي فمه ببطء. ومن خلال مراقبته لعدة أيام، لاحظتُ أنه حين لا يريد التأتأة، يتعمد التحدث ببطء شديد.
“لا أحتاج… إلى شخص يعلّمني…….”
كان روي قد تعرّض بالفعل للهجر مرة على يد شخص ادّعى أنه معلمه. مع إهانة لا تُنسى. وكنت أعرف جيدًا أن ذلك كان بداية عقدة النقص لديه.
“إنهم ليسوا معلمين. مجرد أشخاص سيمرّون مرور الكرام.”
“…….”
أُغلق فم روي بعناد. نعم، إنه جرو عنيد فعلًا.
أمسكتُ بيد روي بإحكام.
“أخي، ما زلتَ تتذكر وعدك بأن تبقى بجانبي طويلًا، أليس كذلك؟”
أومأ روي برأسه بخفة. نظرتُ سريعًا نحو الفارسين ثم خفّضتُ صوتي.
حتى وإن خفّضته، فهما سيسمعان على أي حال.
“لديّ أعداء كثيرون. لذلك، إن أردتُ أن أبقى طويلًا، يجب أن تحميني. لأنني ضعيفة.”
اتسعت عينا روي وهو ينظر إليّ. بالطبع، كثيرون. خصوصًا لو نشأتُ كما في القصة الأصلية، كإضافية شريرة تُعكّر صفو حياة البطل.
وحتى إن لم يكن ذلك، فحين أفكر في كل ما يجب تغييره لأبقى على قيد الحياة……
فالأعداء سيزدادون حتمًا.
“كي تحميني، عليكَ أن تصبح قويًا جدًا.”
“……قويًا جدًا؟”
“نعم. قويًا قويًا جدًا.”
لأنكَ يجب أن تصبح سيفي.
أعلنتُ ذلك بوقاحة.
ومع ذلك، كنت ممتنة لهذا الأخ الصغير الذي كان يستمع بجدية أكبر مما توقعت.
السبب الذي جعلني وروي نتقارب خلال أيام قليلة، هو أننا كنا كلاهما وحيدين لفترة طويلة.
الوحدة إسفنجة، تمتص حتى أقل قطرة ماء بعمق.
وربما كنا سنمتصّها حتى لو كانت سمًّا.
ابتسمتُ ابتسامة مشرقة.
“إذًا ستفعلها، صحيح؟ وفي المقابل سأحرص أنا أيضًا على أن أبقى حيّة وبصحة جيدة طويلًا، وسأبحث عن أشياء قد تكون مفيدة لك يا أخي!”
“فائدة، لا، لا.”
“همم؟”
“…….”
ما الذي يقصده؟ أملتُ رأسي قليلًا، ثم ابتسمتُ ابتسامة عريضة من جديد.
“يعني أنكَ قبلتَ، أليس كذلك؟”
……أومأ. وبعد أن حصلتُ على موافقة روي، رفعتُ يدي وأشرتُ إلى فرسان الحراسة.
“إذًا، ليكن الهدف الأول هو هزيمة حرّاسي.”
“……آنسة؟!”
قفز لوڤن فزعًا. لا، لم أكن أظن أصلًا أنه سيفوز عليهم فورًا.
رفعتُ بصري إلى السماء.
سيستغرق الأمر على الأقل بضع سنوات. حتى يكبر هذا الأخ الصغير.
شعرتُ أن الأمر مناسب تمامًا.
التلميذ يتجاوز أستاذه.
“لنحاول أن تصبح فارسًا عظيمًا، أخي الأكبر.”
أيها الشرّير الأخير في المستقبل، فلتبدأ أولًا بتجاوز الأساتذة.
لأن الأعداء القادمين سيكونون أقوى بكثير.
***
بعد أسبوع. كان الطقس اليوم أيضًا مشرقًا على نحو لافت.
وكان ذلك دليلًا على أن الصيف بات قريبًا.
بلاك وينتر الواقعة في الشمال كانت تستقبل صيفها القصير مبكرًا، ثم تواجه خريفًا طويلًا وشتاءً أطول منه.
“سيدي الشاب، يجب أن توسّع حركة ذراعك أكثر.”
“…….”
كان أسبوع واحد كافيًا لفارس بلاك وينتر، وتحديدًا الفارس الكبير من الفرقة الأولى راينانتي هاكيل، كي يعتاد نظرات الشابِّ الأصغر منه سنًا وهو يحدّق فيه.
كانت نظرة حذرة، كوحش يراقب عدوًا، لكن في المقابل كان إخلاصه للتعلّم صادقًا. بل وكان مجتهدًا أيضًا.
‘لا أفهم كيف لم يبرز نبوغ السيد الشابّ طوال هذه المدة.’
لا، راينانتي كان يعرف السبب.
في هذه العائلة، كان هناك بالفعل وحش يُدعى ‘كايل بلاك وينتر’، موهبة ساحقة لا يُمكن حتى وصفها بالعبقرية.
أمام الإبن الأكبر، لا يمكن لأي عبقري أن يلمع. لم يكن هناك من يضاهي تلك الموهبة الوحشية.
لكن وهو يشاهد موهبة هذا الإبن الثالث، كان راينانتي يشعر أحيانًا بقشعريرة تسري في جسده.
بل وأكثر من ذلك، خلال أسبوع واحد فقط، شعر بقشعريرة حقيقية وهو يرى كيف يتغيّر هذا الابن الثالث.
صحيح أن مهارته ما زالت متواضعة جدًا مقارنةً بكايل بلاك وينتر.
لكن إن أخذنا فارق العمر بينهما في الحسبان……
‘أي تفكير هذا، أن لا يُمنحَ معلمًا، سيدي الوكيل؟’
لولا أنه واجهه بالسيف هكذا، لربما لم يكن راينانتي ليكتشف موهبة الابن الثالث لسنوات طويلة، وربما طوال حياته.
“سنأخذ استراحة ثلاث دقائق.”
أنزل راينانتي سيفه. وبعد أن تبادل الدور قليلًا مع لوڤن، أنزل رأسه نحو مكانٍ ما.
هناك كانت طفلة صغيرة تمضغ قطعة بسكويت وتدندن بهدوء.
وجنتان شاحبتان إلى حدٍّ يوشك أن يكون بياضًا مرضيًا، ومع ذلك تلوح عليهما حمرة وردية خفيفة، وشعر أشقر منسدل يعكس الضوء كأنه صُنع من أشعة الشمس المفتّتة.
لو بقيت ساكنة، لبدت كدمية جميلة محبوبة.
أحيانًا كانت جميلة إلى حد يصعب معه تصديق أنها على قيد الحياة.
ولهذا، كان أيّ شخص يمرّ بها لا بد أن تُسرق نظراته دون وعي.
لكن المؤسف أن عنقها النحيل كأنه سينكسر، وذراعاها الرقيقتان، كانتا تجعلانها تبدو ككائن هشّ زائل.
وكان ذلك، في الحقيقة، واقعًا لا يمكن إنكاره.
حتى أفضل الأعشاب الطبية والمقويات في هذا القصر لم تكن لتُجدي نفعًا يُذكر.
كائن لطيف إلى حدٍّ مؤلم، لكنه هشّ كأنه سينكسر عند لمسه.
وجود لا يليق بهذه العائلة على الإطلاق.
وحدها عيناها الزرقاوان الصافيتان، الشبيهتان بعيني ربّ الأسرة، كانتا تثبتان أنها من دم بلاك وينتر.
وكانت تلك العينان، اللتان تجمّع فيهما كل زرقة الحياة، الجزء الوحيد الذي ينبض بالحيوية فيها.
“أنا أكره كثيرًا غطرسة الأطفال الذين يتصرّفون وكأنّ العالم تحت أقدامهم. لكنني تعلّمتُ أنّ من واجب الفارس أن يطيع كلام من يملك مقامًا مستحقًا.”
عندما التقى بتلك الآنسة الصغيرة للمرة الثانية، كان قد قال ذلك بانفعال، ثم ندم عليه سريعًا.
“أنا آسفة. لا تكرهني كثيرًا.”
ابتسامتها وهي تقول ذلك لم تكن أبدًا ابتسامة لطفلة في سنّها.
عندها فقط شعر راينانتي أن هناك أمرًا غير طبيعي.
كان قد سمع قصصًا لا تُحصى عن الآنسة من بعيد.
الابنة التي تُدلّل أكثر من أيّ شخص في هذا القصر.
حتى في هذه العائلة التي تتدفّق إليها نوادر العالم، كانت تُعامل كأندر ما فيها.
لكن الآنسة التي رآها عن قرب لم تكن تبدو سعيدة على الإطلاق.
ولهذا، تطوّع ليكون فارس حراستها.
كي يتحمّل، بصفته بالغًا وفارسًا، مسؤولية كلمات ربما لم يكن عليه أن يقولها.
“مرض ابنتي يزداد سوءًا.”
“لبّوا لها كلَّ ما تطلبه.”
كما أن أمر ربّ الأسرة الذي سمعه بنفسه ظلّ يرنّ في صدره طويلًا.
“لا نعرف متى ستموت.”
***
يُقال إن الشّجرة التي ستنمو بشكل عظيمٍ تُعرف من براعمها الأولى.
والغرس الذي عرفته أنا، روي بلاك وينتر، لم يحتج سوى إلى القليل من الماء لينمو بسلاسة مذهلة.
مرّ أسبوع منذ أُلحق به معلمان.
حتى أنا، التي لا أفهم شيئًا في السيف، استطعتُ أن ألاحظ التغيّر.
لا، لقد حقق تطورًا مبهرًا!
الجرو الذي وجدته كان عبقريًا. وكنتُ أعلم ذلك منذ البداية. همهم.
وحتى دون ذلك، كان يكفي أن أنظر إلى وجهي الرجلين اللذين يعلّمانه.
كنت أراقب وجهين منشغلين بتعليم السيف.
حين يعلّم أحدهما، يقف الآخر أو ينحت سيفًا خشبيًا. سيف التدريب الذي سيستخدمه روي.
وبين الحين والآخر، كانا يراقبانني بنظرة جانبية، كأنهما لا يهملان الحراسة أيضًا.
‘مجتهدان حقًا.’
كنت أمضغ البسكويت بهدوء. رئيس الطهاة أبدع اليوم أيضًا.
“……لكن الأمر غريب فعلًا.”
كان في هذه العائلة عدد لا يُحصى من الفرسان.
ومن بينهم، فإن الفارس من الفرقة الأولى يُعدّ من نخبة الخمسة إلى العشرة بالمئة الأعلى.
لماذا أشخاص كهؤلاء، بدلًا من التدريب، أصبحوا حرّاسي؟
لو كانت مجرد حراسة شكلية، لأرسلوا فارسًا مبتدئًا.
ولو أرادوا الحفاظ على المظاهر، لألحقوا بي فرسانًا متوسطين على الأقل.
هل أنا فعلًا على وشك الموت؟ ولهذا يدلّلوني؟
لا. أنا لم أمت بعد.
على الأقل، إلى أن يظهر ‘بطل’ الرواية الأصلية في هذا المكان.
نظرتُ إلى الفرسان بنظرة مليئة بالشك.
كان راينانتي اليوم أيضًا ذا ملامح حادة. وجهه ذو الخطوط الواضحة يوحي بوسامة جامدة، لكن عينيه المرفوعتين بحدّة تزيدان من قسوته.
أما لوڤن، فكان يبدو بسيط الملامح.
كلما رآني ارتبك وابتسم ابتسامة محرجة، لكنه لم يعد يتجنب النظر إليّ كما في السابق.
وبصراحة، رغم أنني لم أرهم سوى أسبوعٍ وأيام قليلة، فقد أحببتُهما.
تعليم الأخ الثالث قد يكون أمرًا يجرّ عليهما العقاب إن ساءت الأمور.
وهما يعرفان ذلك، ومع ذلك قبلاه.
‘إنهم فرسان حقيقيون.’
وأنا أحبّ الأشخاص الذين يملكون قناعتهم الخاصة.
التعليقات لهذا الفصل " 17"