كيف انتشرت الشائعة أصلًا عن أنني سقطت قرب ساحة التدريب الثالثة في يومٍ ماطر، لا أدري.
لكن على أي حال، صدر أمر من الأعلى بتعيين من يرافقني للحراسة.
طوال هذا الوقت كانوا يتجاهلونني بلا أي تعليق، ثم فجأة يصدر مثل هذا الأمر.
يبدو أن حالتي هذه المرة كانت خطيرة فعلًا. ربما خافوا أن أموت، وأن يصبح الأمر مزعجًا لهم.
فمنذ كنت أصغر من الآن بكثير، ورغم أن جسدي ضعيف، كنت أُعامل علنًا كأداةٍ لوراثة دم بلاك وينتر.
الخدم لم يكونوا يتحفظون في كلامهم أمامي أصلًا.
على أي حال، فكرة وجود فرسان حراسة مزعجة لمجرد التفكير بها…….
نظرتُ إلى الفارسين الجاثيين على ركبةٍ واحدة.
لوڤن الذي يرتجف قليلًا عند التقاء نظره بنظري لكنه لا يتعمد الهرب، وراينانتي الذي يستقبل نظراتي بهدوء تام.
لو فكرت بالأمر بطريقة أخرى، فربما كان هذان أفضل من أولئك الذين يشعرون بالنفور مني.
“عندما نقف يكون من الصعب سماع الصوت جيدًا. تفضلي بالحديث براحتكِ.”
كان على غمد سيف راينانتي شريط حريريٌّ أزرق مألوف.
أنا من أعطيته إياه.
لماذا ربطه هناك أصلًا؟
“‘مراعاة’؟ هل تظن أنني لن أفهم كلمة كهذه؟”
“أعتذر. تلك الكلمة…….”
“لم أطلب منك الشّرح.”
“نعم.”
عقدتُ حاجبيّ قليلًا.
“وجودكما تحومان حولي يزعجني.”
ما إن قلتها مباشرة حتى انتفض لوڤن.
“نعتذر. حتى لو كان الأمر مزعجًا، فلا يمكننا تفاديه.”
“قلتُ إنه مزعج.”
“نعتذر.”
أجاب راينانتي دون أن يرف له جفن.
هذا الرجل، ألم يكن يقول في المرة الماضية إنه لا يحِّب النبلاء الصغار المتهورين مثلي؟
يا له من تغيير في الموقف.
لكنني قررت ألا أوبخه على ذلك.
لأن أعظم تبدلٍ في المواقف رأيته حتى الآن كان من نصيب أخي الثالث.
“……حسنًا، افعلا ما تشاءان. لكن ألا يمكن أن تبتعدا قليلًا؟”
“ذلك مستحيل.”
“وما الممكن إذن؟”
“نعتذر.”
“هل أنتما روبوتان؟”
“……ما هو الروبوت؟”
“لا يهمّ.”
هززتُ رأسي يأسًا.
“لكن رغبتي في أن تبتعدا أكثر حقيقية. ألا يمكن المراقبة من مسافة أبعد؟”
“ليست مراقبة بل حراسة…….”
“على أي حال!”
“ذلك صعب.”
“آه، آنستي!”
تدخل لوڤن أخيرًا وقد ضاق صدره.
“أم، نحن الفرسان لدينا مسافة يمكننا أن نصل فيها بخطوة واحدة. وبما أننا فرسان الفرقة الأولى، فنحن قادرون على استخدام المانا، وهذه المسافة واسعة نوعًا ما…….”
كان يقصد أنه رغم ذلك، فالمسافة الحالية هي الأنسب والأكثر أمانًا، ولا يمكن الابتعاد أكثر.
هم بالفعل هنا من أجل “الحراسة”، ويؤدون عملهم بإخلاص، ولم أعد أجد حجة منطقية أعترض بها.
……لكن، ماذا لو أصررتُ فقط؟
“مع ذلك، ابتعدا.”
“هل هناك سبب يجعلنا نبتعد؟”
أومأتُ بسرعة.
“لا أستطيع التحدث سرًا مع أخي.”
قطّب راينانتي حاجبيه قليلًا، بينما بدا لوڤن شاردًا.
سرعان ما عادا إلى تعابيرهما الطبيعية، لكنني رأيت بوضوح ملامح الاستغراب على وجهيهما.
“ما هذه النظرات؟ لدي حقًا أمر مهم لأقوله.”
“تفضلي.”
“أنتم قريبون جدًا.”
“توجد مسافة.”
مسافة كافية لعدم السماع؟ هه، محاولة تصريفٍ لطيفة.
“في هذه المسافة يمكنكم السماع جيدًا. أنتم فرسان الفرقة الأولى، أليس كذلك؟”
في هذا العالم، تُقسَّم قدرات الفرسان الجسدية بوضوح حسب الرتبة.
فارسٌ من الفرقة الأولى يُعد من الفرسان المتقدمين، ويُطلق عليهم تحديدًا اسم “خبير سيف”، وهم من يستطيعون إظهار طاقة السيف بالمانا والحفاظ عليها.
وعندما يصل المرء إلى هذا المستوى، يمكنه تعزيز جسده بالمانا ليسمع الأصوات القادمة من أماكن بعيدة.
كانت قدرةً أشبه بالغش.
تبا، يا للخسارة! لماذا وُلدتُ في هذه العائلة بجسدٍ لا يستطيع حتى استخدام السيف؟
“…….”
للمرة الأولى، بدا على راينانتي تعبيرُ الدهشة.
“……هل كنتِ تعلمين بذلك؟”
“ماذا؟ أنا أيضًا من بلاك وينتر، أتعقد أنني لا أعرف هذا القدر؟ ماذا، لأنني لا أستطيع استخدام السيف؟”
“لا، لا. ليس كذلك. إن كنتُ قد تصرفتُ بوقاحة فأنا أعتذر.”
“آه، كنتَ وقحًا فعلًا.”
نفختُ خدّيّ بقوة ثم أخرجتُ الهواء: فوو. نعم، ما الفائدة من تفريغ غضبي في أشخاص جاؤوا بأوامر؟ أدرتُ رأسي أحدّق في القصر.
ما الذي كان يفكر فيه والدي أصلًا؟ الآن فقط يضع فرسان حراسة لي؟
حين كنتُ أمرض لدرجةٍ أكاد أموت فيها، عشرات المرات على مدى سنوات، لم يأتِ ولو مرة واحدة، ولم يتخذ أي إجراء؟
من الأعراض التي ترافقني كثيرًا ألمٌ في الرئتين وألمٌ في القلب.
ألمٌ لا يوصف.
أجزم أنه حتى لو طُعنتُ بخنجر قاتل، فلن يكون الألم أشدّ.
“هذا يعني أنك ستستمران في إزعاجي مستقبلًا؟”
“……هل نُزعجكِ إلى هذا الحد؟”
“ألا تعتقد أنه أمرٌ مزعجًا؟”
أرخيتُ ملامحي وأجبتُ بصوتٍ منخفض.
“كنتُ دائمًا وحدي عندما أفتح عيني. أليس من الغريب أكثر أن أعتاد فجأة على وجود أحد بجانبي؟”
“…….”
“حسنًا، بما أنه أمر فلا حيلة لي. إذًا أنتما…….”
“سنحرص على ألا نُزعجكِ.”
“ماذا؟ كيف؟”
لو كان ذلك ممكنًا لقلتَ هذا من البداية. أجبتُ ببرود.
“قلتِ قبل قليل إنكِ منزعجة لأنكِ لا تستطيعين التحدث سرًا. إن أقسمنا على كتمان أي شيء نسمعه، فهل سيجعلكِ ذلك أكثر راحة؟”
سخرتُ في داخلي.
هل سيقول هذا الكلام لو اعترفتُ أنني تسللتُ إلى مكتبة ربّ العائلة وسرقتُ كتابَ تعليم؟
“إذًا، هل يمكنكما أن تقسما؟ تقسمان على المانا ومركز الطاقة الدانتيان؟”
“ماذااا؟!”
“حتى هذا تعرفينه؟”
“قلتُ لك، أنا من بلاك وينتر.”
القَسَم على المانا والدانتيان يعني ببساطة قَسَمًا يراهن المرء فيه بكل ماناه. إن خالفه، يفقد المانا ولا يستطيع استخدام مركز الطاقة الدانتيان مجددًا.
من المستحيل أن يراهن فارسٌ بحياته من أجل وعد لطفلة صغيرة، لذا كان هذا مجرد عنادٍ مني…….
“إن كان ذلك سيجعلكِ مرتاحة، فسأفعل.”
“ماذا؟”
“إن كان هذا هو الأيسر لكِ، فسأفعل.”
“يا، يا راينانتي! هل جُننتَ،”
“احفظ لسانك. نحن أمام الآنسة.”
“لا، لا. آنستي، هاها. لم أكن أقصد قول شيء سيئ…….”
لوڤن أخذ يرمق راينانتي بنظراتٍ متوسلة، لكن بعدما تجاهله تمامًا عدة مرات، بدا عليه البؤس.
“……أ، أنا أيضًا سأقسم. القسم…….”
يا للعجب. ما الذي جعل هؤلاء يوافقون بهذه السهولة؟ هل يظنون أن طفلة ضعيفة مثلي لن تقول شيئًا خطيرًا؟
ربما ظنوا ذلك.
ابتسمتُ ابتسامةً واسعة.
أيها الفرسان، إن ندمتم لاحقًا على هذا القرار، فلا شأن لي.
“حسنًا. إذًا بقاؤكما لا بأس به.”
نظر لوڤن إلى راينانتي نظرةً خاطفة.
وفي النهاية، رأيتُ الاثنين يضعان أيديهما على صدريهما ويقسمان.
فاششش!
مشهد الضوء الأزرق الذي التفّ حول الفارسين كان مهيبًا. حتى أنا لم أره إلا في الروايات.
بعد انتهاء القسم، ابتسمتُ ابتسامةً جانبية.
“كل ما يُقال هنا يبقى سرًا، صحيح؟”
“نعم.”
“إذًا، ما أقوله لكما أيها الفارسان أيضًا يصبح سرًا؟”
وأشرتُ إلى الأرض.
“لأنه قيل هنا؟”
“……ما الذي تودين قوله؟”
حين تغيّر لقبي لهما إلى ‘الفارسان’ باحترام، بدا الارتباك على وجه لوڤن، بينما اتخذ راينانتي مظهرًا حذرًا قليلًا.
استدرتُ لأبحث عن روي، فتفاجأتُ.
……ما هذا؟ متى وصل إلى هنا؟
كان روي قد اقترب حتى صار خلفي مباشرة.
بل جاء في الوقت المناسب. كنتُ على وشك الحديث عنه أصلًا.
“أريد منكما أن تلبّيا طلبًا واحدًا لي.”
“……طلب؟”
“نعم. علّما أخي استخدام السيف.”
اتسعت عينا روي. وفي الوقت نفسه، تبادل راينانتي ولوڤن النظرات وفتحا أفواههما قليلًا.
“هل تقصدين أن نُؤدي دور المعلّم؟”
“شيء قريب من ذلك. لكنكما لن تكونا معلّمَين رسميَّين، أليس كذلك؟”
“…….”
“مجرد التعليم يكفي. أي شيء.”
من قراءة ‘وصية البطل لانس’، أدرك احدى المهارات خلال ثلاثة أيام فقط.
أجزم أن موهبة هذا الأخ أكبر مما توقعتُ. لكنني، للأسف، لا أستطيع تعليمه السيف، والعائلة لا تقدّم له أي دعم.
لذا لا بد من هذه الحيلة.
حتى لو أظهر روي موهبته الآن، فالعائلة لديها أصلًا موهبةٌ وحشية تُدعى كايل بلاك وينتر، الأخ الأكبر. لن تبرز موهبة هذا الطفل الذي بدأ لتوه بالتفتح.
“علّماه. السيف.”
“هذا صعب…….”
“السيد راينانتي. سأطرح سؤالًا.”
نعم، حان وقت الشحذ. الآن.
“هل ما قلتُه قبل قليل كان طلبًا، أم رجاءً، أم أمرًا؟”
“…….”
“أم كان إعلانًا أنني سأفعل شيئًا سيئًا!”
قطّب راينانتي حاجبيه قليلًا.
“لو سقطتُ هنا مرةً أخرى، فستقعون في ورطة كبيرة. كيف أجعل نفسي أتألم بشدة…….”
“تفضلي بإصدار الأمر فقط.”
“أتفهّم— ها؟”
“نحن هنا للحراسة، وحتى يُسحب هذا التكليف، سنطيع أوامر الآنسة قبل أي شيء.”
أجاب راينانتي بحزم. نسيتُ وقاحته في مقاطعتي وحدّقتُ فيه.
“منذ لحظة تلقينا الأمر، أصبحنا ملككِ، آنستي.”
هذه المرة كان دوري لأفتح فمي.
تراجعتُ خطوة دون وعي، فاصطدم ظهري بشيءٍ لين كالجدار. ارتفع شيءٌ دافئ فوق كتفي—كانت يد روي، تشبه كفّ جرو.
مع حرارة كفِّه، استعدتُ هدوئي.
“إذًا ستفعلون؟”
“إن صدر الأمر، نُطيع.”
“هذا أمر.”
“نعم. سنطيع.”
كان الأمر غريبًا.
هذه العائلة تتحاشى تسريب فنون السيف، لذا لا يُسمح بتعليم السيف بسهولة. من دون أمر من ربّ العائلة أو الشيوخ أو قائد الفرسان، لا يجوز تعليم حتى من ينتمي إلى بلاك وينتر نفسها.
لهذا السبب، ورغم أن أبناء العمّين يتلقون تعليمهم على أيدي فرسان متميزين تابعين لهم، لم يتلقَّ روي—وهو من السلالة المباشرة—أي تدريب.
التعليقات لهذا الفصل " 16"