الفصل 14
عادةً عندما أذكر أنني كنت يتيمة في حياتي السابقة، كان الناس غالبًا ما يشعرون بالشفقة. ردود الفعل تجاه نقاط الضعف كانت متشابهة غالبًا.
هل ستتفاعل هذه الفتاة بنفس الطريقة؟
لكن يوري ابتسمت ابتسامة مشرقة.
“نعم، سأتبع أوامركِ.”
حدّقت في ابتسامتها ثم أومأت برأسي برفق.
خرجتُ بسرعة من الغرفة.
أنظر إلى شخص يبتسم لي بهذا الشكل… إنه أمر غريب حقًا.
‘همم، بالأمس شعرت أنني سأموت من المرض… لحسن الحظ لم أمُت.’
أثناء سيري بالممر، كانت ردود فعل الخدم والفرسان متشابهة.
لكن مجرد وجود شخص واحد لا يظهر نفس رد الفعل جعل قلبي دافئًا.
كما لو أن زهرة صغيرة نمت في قلبي. كانت خطواتي خفيفة.
“هاه، هاه.”
وهكذا، مشيت بسرعة إلى ساحة التدريب الثالثة.
لكن الساحة كانت فارغة.
……هاه؟
لماذا لا يوجد أحد؟
نظرت حولي بارتباك ورفعت رأسي.
اليوم صافي جدًا.
لماذا لا يكون روي هنا رغم هذا الطقس الصافي؟
كان الطفل يتدرب في هذا الوقت دون أن يفوّت يومًا.
لم يكن من المفترض أن يغيب فجأة. أم هل… مريض؟
لا، لمَ؟ في ذلك اليوم تعرضت أنا للمطر وهو كان يحمل مظلة، أليس كذلك؟
ولا حتى القطة الصغيرة التي صنعت لها بيتًا كانت موجودة.
ذهبت إلى الشجرة التي صنعت لها بيت القطة، ولم أجد شيئًا في الفتحة.
تجولت طويلاً في صالة التدريب الثالثة.
هل عليّ المغادرة دون أن أراه؟
‘كنت أرغب في أن أسأله إذا كان حقًا قد زار غرفتي…’
لكن إن لم يكن روي بلاك وينتر هنا، فلن يكون هناك سبب لبقائي.
عند عودتي من ساحة التدريب الثالثة، شعرت بالأسى واضحًا في خطواتي.
وبينما كنت أسير أكثر قليلاً…
خطو-
عند اقترابي من المبنى، سمعت خطوات صغيرة.
كنت أنظر إلى الأرض بتعاسة، وعندها توقفت عند ظل كبير أمامي.
رفعت رأسي ببطء.
“……أنتِ.”
كان هناك فتى أكبر مني برأسين على الأقل، يتنفس بصعوبة وبشدة.
كان روي.
“أخي؟”
“لماذا، أنتِ…”
“همم؟”
“لماذا… لستِ في غرفتكِ؟”
“ماذا؟”
سألت وأنا أصرخ قليلاً، ثم توقفت عن الكلام. آه، لا أصدق.
“أخي، هل جئت إلى غرفتي؟”
“…….”
“متى؟ الآن؟ أتيتَ من الغرفة؟”
أخفى روي يده بسرعة خلف ظهره، لكنني رأيت بالفعل.
زهرة بيضاء.
“أنا……”
“أخي، هل كنت هناكَ في الليل أيضًا؟”
“…….”
لم يرد، لكن كان من الواضح أن الإجابة نعم.
رفعت عيني ببطء.
كانت رقبته مغطاة باللون الأحمر بالكامل. في الأصل كانت بيضاء.
علاوة على ذلك، كان وجهه الذي يغطيه بظهر يده يحمل نفس لون عنقه.
“……هـ، هل استيقظتِ للتو؟”
“أجل.”
بعد أن أجبت، انتشر جوّ محرج شديد.
هل هذا هو شعور أن تأتيكَ قطة ضالة من بين الجميع؟
ويبدو أن الطرف الآخر يشعر بالحرج أكثر مني.
“……حسنًا، إذًا.”
تجاوزني روي ومشى بسرعة.
حدقت في ظهر الفتى وخدّشت خدي.
الزهرة البيضاء التي حاولتَ إخفاءها خلف ظهرك واضحةٌ تمامًا.
ألم تكن تحاول إخفاؤها؟
توقفت عن حكِّ وجنتي وتتبعته كما لو كنت مسحورة.
كان واضحًا إلى أين يريد الذهاب.
“أخي، هل رأيتَ الكتاب الذي أعطيتك إياه؟”
“…….”
“ما رأيك؟ هل فهمته جيدًا؟”
“…….”
“هل أكلتَ اليوم؟”
حتى هذه المرة، لم يرد الطفل الصغير الذي أغلق فمه كما لو أنه ألصقهُ بالغراء، لكن من أجواءه، فهمت الإجابة.
تتبعت خلفه ككتكوت صغير.
“……أنتَ سريع جدًا.”
تباطأت خطوات روي بعد ذلك، كأنه أصبح واعيًا لشخص يتبعه.
وصلنا سويًا إلى صالة التدريب الثالثة.
حينها فقط التفت روي إلى الوراء.
كان وجهه ما يزال محمرًّا، لكنه بدا أفضل من البداية.
“……هل لم يعد يؤلمكِ الآن؟”
“همم، ربما؟ أظن أنّه يجب أن نرى الطبيب المعالج مرةً أخرى.”
“الطبيب المعالج.”
روِي، الذي كان يكرر كلمتي، غطّى وجهه بخفة بظهر يده.
اليد التي كان يُخفيها خلفه خرجت إلى الأمام دون أن يشعر.
عندما وقعت عيناي على الزهرة البيضاء، شعرتُ بوخزٍ خفيفٍ في أحد أركان صدري.
لم أتمالك نفسي وأمسكتُ بتلك اليد بإحكام.
فزع روي فجأة.
“أخي، شكرًا لأنكَ جئت.”
لكنّه، بخلاف المرة السابقة، لم يبعد يدي.
“هذه أول مرة يزورني فيها أحد وأنا مريضة.”
“……أول مرة؟”
“نعم. أول مرة.”
“لكن.”
“أنتَ من جاء، صحيح؟”
تردّد روي وكأنّ لديه الكثير ليقوله، ثم أومأ برأسه في النهاية.
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
“شكرًا.”
هذا يكفيني. على الأقل الآن. تركتُ يد روي. وبشكلٍ طبيعي، أصبحت الزهرة في يدي.
“وما زلتَ لا تحب رؤيتي، أليس كذلك؟ أحضرتُ كتاب المبارزة من تلقاء نفسي.”
“…….”
“لكن، لم تكن نيتي سيئة فعلًا.”
نظرتُ إلى الزهرة ثم ابتسمتُ ابتسامةً أوسع.
“في المرة القادمة…….”
“كفى.”
وقف روي أمامي حاجزًا الطريق. رمشتُ بعيني.
“……ا، افعلي ما تشائين.”
“ماذا تقصد؟”
نظرتُ إلى الزهرة في يدي.
هل يقصد أن أفعل ما أشاء بهذه الزهرة؟ وضعُها في مزهرية سيكون مناسبًا.
“إن كانت الزهرة، فسأضعها في مزهرية. على الأغلب خادمتي ستـ…….”
“يـ، يمكنكـ أن تبقي!”
“ها؟”
عندها فقط نظرتُ إلى وجه روي. وما إن تلاقت أعيننا—
فجأة-
احمرّ وجهه احمرارًا شديدًا، بنفس لون عينيه تمامًا.
……ما هذا؟
هل هذا فعلًا نفس الشخص الذي كان يصرخ في وجهي؟
بل، حتى يختلف عن الصورة التي قرأتها عنه في الكتاب.
تذكّرتُ صورته وهو يلوّح بسيفه في وحدة، أو تلك النظرة الحذرة.
تلك الصورة كانت تناسب تمامًا شريرًا لا يفعل لاحقًا سوى القضاء على الناس، بعد أن أغرقهُ الشعور بالنقص وقلّ كلامه.
لذلك ظننتُ أنّ شخصيته هكذا.
‘لحظة، ألم يكن يتلعثم قليلًا طوال الوقت؟’
حدّقتُ في وجه روي بانتباه. فأخذت يده التائهة تغطي وجهه.
ازداد وجهه احمرارًا.
هل من الممكن أنّ شخصيته في صغره كانت هكذا؟
أين ذهبت تلك الجرأة حين أبعد يدي بعنف؟
لا، لو فكّرتُ بالأمر… هو لم يبعد يدي، بل أبعد الكتاب.
والتي طارت أنا بسبب تلك القوة.
ومع ذلك، بقي هناك أمرٌ لا أفهمه.
“أخي.”
حسنًا، لا يهم.
إن لم أفهم، فلأسأل صاحب الشأن!
“لماذا لم تكن تجيب على كلامي طوال ذلك الوقت؟ هل لأنك لم تكن تحب سماعه؟”
“ذ، ذلـ…ذلك….”
“أخي، عندما تتكلم يجب أن تنظر في عيني!”
“تـ، تراجعي قليلًا وتكلمي.”
“أجبني إذًا.”
عندها فقط استدارت عيناه الحمراوان نحوي.
“قلتُ لماذا لم تكن تجيبني؟ هل كان هناك سبب؟”
“ذ، ذلك لأنني أ، أتلعثمُ في الكلام!”
“آه. هاه؟”
تفاجأتُ كما تفاجأ هو.
“لكنّك لم تكن تتلعثم في كل كلامك.”
“إذا اختصرتُ الحديث…….”
“آه…….”
تذكّرتُ تلقائيًا الأيام التي كان يجيبني فيها بكلماتٍ مقتضبة.
“آه، حسنًا…….”
إذًا كان هذا السبب؟ شعرتُ وكأنّ قوتي قد تلاشت.
هل هذا يعني أنّي كنتُ أرتبك إلى هذا الحد أمام أخٍ أكبر يبدو الآن بهذه البساطة؟
شعرتُ بسخونةٍ تعود إليّ، فجلستُ في مكاني.
يبدو أنّه فزع هناك، حتى أنّي سمعتُه يسأل: ‘هـ، هل تؤلمك؟’
خشيتُ أن يسيء الفهم، فنهضتُ بسرعة.
وعندما تراجعتُ خطوةً، اقترب روي هذه المرة بخطوةٍ واسعة.
“ا، اليد!”
“ها؟”
“يدكِ…….”
قلبتُ ظهر يدي. هذه؟
آه.
كان هناك جرحٌ صغير. أثرٌ بقي منذ أن سقطتُ عندما ضرب روي الكتاب.
“ا، اليد…….”
“لا بأس. إذا وضعتُ عليها قليلًا من اللعاب ستشفى.”
“لماذا تضعين لعابك؟”
“الأطفال لا يحتاجون لمعرفة ذلك.”
لم يرفع روي نظره عن يدي، وأمال رأسه باستغراب.
“……أنتِ، أنتِ أصغر مني. إذًا، ألَا تؤلمكِ يدك؟”
“نعم. لا تؤلمني أبدًا.”
هاه، هل بدأ يهتم الآن؟
هذا التحوّل… الفرق بين الصيف والشتاء حرفيًا.
لكن لو فكّرتُ بطريقة أخرى، فربما كان هكذا منذ البداية، وأنا فقط لم ألاحظ.
في الحقيقة، لم أكن يومًا مهتمة بالآخرين لدرجة أظنّ نفسي أفهمهم جيدًا.
ومع ذلك، هذا كثيرٌ فعلًا.
“……ظننتُه قطًا، لكنه كان كلبًا أسود.”
“ماذا؟”
“لا شيء.”
على أي حال، إن وصلتَ إلى هنا، فستفهم.
كنتُ أشعر بانتعاشٍ مريح.
بهذا، أظنني نجحتُ في كسب ودّ الأخ الثالث، أليس كذلك؟
فكأنني أضع مسمارًا أخيرًا، سارعتُ بالكلام.
“إذًا، هل يمكنني أن أزوركَ كل يوم؟”
“جسدكِ…….”
“أنا بخير الآن. ألا ترى؟”
أمسكتُ يد روي بإحدى يديّ، وبالأخرى ضربتُ صدري بخفّة.
“سآتي اليوم، وغدًا، وبعد غد، والذي بعده أيضًا.”
“……الاقتراب مني لن يفيدكِ بشيء.”
“أعلم. وهذا ينطبق عليكَ أيضًا.”
شدَدتُ على اليد التي أمسكها.
“حتى لو اقتربتِ مني، فلن تجني شيئًا.”
لا، في الحقيقة ستتغير. لأجل بقائي، ولأجل أن تحيا حياةً أفضل.
“لكن، إن جمعنا أخًا بلا أحد، وأنا، نصبح اثنين.”
فلنمضِ في طريقٍ لا نكره فيه الآخرين ولا نقتل أنفسنا بسبب النقص.
“أخي، الاثنان قادران على فعل أشياء أكثر مما تظن.”
عندما ابتسمتُ، ظلّ روي يحدّق بي طويلًا.
تحرّكت شفتاه قليلًا، لكنهما لم ترسما ابتسامةً مثلي.
بدلًا من ذلك، احمرّ خدّاه أكثر.
ثم……
……أومأ برأسه بخفّة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"