الفصل 13
***
‘ليلٌ إذًا.’
عندما فتحتُ عينيّ، استقبلتني غرفة مظلمة حالكة. وبينما أحدّق في أعمدة السرير الذهبية المتلألئة، شعرت أخيرًا بأن الواقع قد عاد إليّ.
نعم، لقد متُّ وولدت من جديد، والآن هذا هو عالمي.
كان جسدي يؤلمني. ليس ألمًا عاديًا، بل ألمٌ في كامل الجسد جعلني غير قادرة على الحركة.
عندما أزفر، كان النفس حارًا.
……آه، سأموت.
أدرتُ رأسي قليلًا، وإذا بي أرى شيئًا ما في مجال رؤيتي المشوش.
لا، بل بدا وكأن هناك شخصًا يقف إلى جانبي.
‘غريب. هل يوجد من قد يأتي لزيارتي؟’
شعرتُ بأن وجهي يزداد حرارة أكثر فأكثر.
وبسبب ذلك، ازداد المشهد أمامي ضبابية.
لذا، لم أستطع تمييز إن كان هذا الشخص الذي يبدو ككتلة سوداء طويلاً أم قصيراً، رجلاً أم امرأة. لم أستطع التمييز أبداً.
ومع ذلك…….
مددتُ يدي بصعوبة، فلامست شيئًا ما.
أمسكتُ بقماش. لم أشعر به كقماش إلا حين رأيتُه يتجعد، فخمنتُ أنه طرف ملابس.
“لو…… سمحت…….”
أطلقتُ زفيرًا طويلًا. لقد اعتدتُ المرض مرارًا، فلم يكن الأمر غريبًا عليّ.
لكن رغم ذلك، كنت أشعر في كل مرة بالشيء نفسه.
بالوحدة.
“لا، أعرِف من تكون…… لكن، هل يمكنك…… أن تبقى بجانبي قليلًا؟”
في الرؤية الضبابية، تحرّك الشخص الأسود فجأة.
على الأقل، لم يغضب، لذا لا يبدو أنه الطبيب المعالج.
وبما أنه لم يبعد يدي، فلا يبدو أنهن الخادمات أيضًا.
ولأن حلمي كان عن جزءٍ مؤلمٍ من حياتي السابقة، ساء مزاجي.
جسدي يؤلمني، وقلبي موجوع. وبدأتُ أقفز منطقيًا إلى فكرة أنني قد أموت هكذا.
نعم، ربما أموت حقًا دون أن أعيش حياة حقيقية ولو مرة واحدة.
“……إذا متُّ، هكذا.”
مرة أخرى. إذا متُّ مرة أخرى.
“سيكون…… الأمر موحشًا جدًا.”
شعرتُ بالمرارة فبكيتُ وأنا أشفط أنفي.
آه، البكاء يرفع الحرارة أكثر. تنهدتُ في داخلي، لكن الدموع التي سالت لم تختفِ.
في تلك اللحظة، لامس وجهي شيء بارد.
لم أستطع تمييز ما هو بسبب الدموع.
لكن ذلك البرود طمأنني، فغصتُ مجددًا في سباتٍ عميق.
وعندما فتحتُ عينيّ مرة أخرى، كانت الشمس تملأ المكان من كل الجهات.
كان وقت الظهيرة.
‘همم، جسدي أخفّ قليلًا.’
ربما لأن الحمى اشتدت مرة واحدة وتعرّقت كثيرًا، لم أعد أشعر بحرارة تُذكر الآن.
من الأساس، الزكام يشفى إذا أفرغ الجسد العرق جيدًا.
طبعًا، وبسبب ضعفي الجسدي، لم تختفِ كل أعراض الزكام تمامًا.
لكن كان ذلك كافيًا للحركة.
تحركتُ ببطء ورفعتُ الجزء العلوي من جسدي، وأسندتُ ظهري. وحين أدرتُ رأسي، رأيتُ شيئًا غريبًا.
“ما هذا؟”
على الطاولة بجانب السرير، كانت هناك زهرة بيضاء ناصعة. حدّقتُ بها ثم وسّعتُ عينيّ.
تلك الزهرة…… لقد رأيتها من قبل.
كانت مزهرة في ساحة التدريب الثالثة.
“……أظن أن أحدًا كان بجانبي ليلًا.”
هل يمكن أن يكون ذلك روي بلاك وينتر؟ شعرتُ بالذهول. لكنني سرعان ما تمالكتُ نفسي.
ما هذا، ما هذا؟ أليست هذه إشارة جيدة؟!
‘……حتى المرض يبدو أنّه كان ذا فائدة.’
كنتُ قد نسيتُ تمامًا حلم حياتي السابقة والمشاعر الثقيلة، وبدأتُ أضرب الغطاء بيديّ بحماس.
هيهي، رائع!
في تلك اللحظة، انفتح الباب بصوت طَقّ، ودخلت الخادمات وهن يحملن ماء الغسيل والعصيدة تباعًا.
وحين نظرتُ إليهن، أدركتُ أنَّ ولا وجهًا واحدًا مألوفًا بينهن.
تم تبديل جميع الخادمات.
يبدو أنهم غيّروهن جميعًا بعد أن سقطتُ مريضة.
مع أن الأمر لم يكن خطأهن أصلًا.
لكن بما أنهن لم يُطردن من القصر بل نُقلن إلى مكان آخر على الأرجح، فربما كان ذلك أفضل لهنّ.
فكلما رأينني، كنّ يرتعدن فزعًا أو يشيحن بوجوههن كما لو رأين شيئا قذرًا.
أشرتُ بيدي للخادمات اللواتي انحنين بصمت، طالبًة منهن التوقف.
“حضّرن لي الملابس.”
فانحنت إحداهن مجددًا، واتجهت نحو غرفة تبديل الملابس.
“متى سيأتي الطبيب المعالج؟”
“……لقد جاء على عجل ليلة البارحة.”
همم، لهذا شُفيت بسرعة إذًا. على أي حال، مهارته كانت مؤكدة بلا شك.
“وقال إنه سيعود لزيارتكِ هذا المساء.”
“حقًا؟”
قطّبتُ جبيني بشدة. رغم كفاءته، لم يكن شخصًا أرغب في الجلوس لرؤيته والتحدث معه.
“حسنًا، سأخرج، أحضري الشال معك.”
“آه……!”
ما إن قلتُ ذلك حتى رفعت إحدى الخادمات رأسها فجأة. كان وجهها مصدومًا.
كان رد فعل مختلفًا تمامًا عن الخادمات اللواتي لم يُظهرن لي سابقًا سوى الطاعة العمياء أو التجاهل.
“ما الأمر؟”
الخادمة التي رفعت رأسها كانت واحدة من الاثنتين اللتين تقدمتا للتحية أولًا.
الخادمة التي تقف بجانبها حاولت تنبيهها بنظرة، لكنها بدت مترددة.
“ذ، ذاك…….”
“يمكنكِ التحدث.”
أملتُ رأسي قليلًا وحككتُ خدي.
“أم يجب أن أقول إنه أمرٌ لتتكلمي؟”
“لا، لا! لا أبدًا. فقط، أعني…… لقد نهضتِ للتو من فراش المرض، فربما من الأفضل أن تُخفّفي الحركة قليلًا.”
“آه.”
رفعتُ حاجبيّ ورفرفتُ بعينيّ.
عند التفكير بالأمر، كان كلامًا بديهيًا. المشكلة أن أحدًا لم يقل لي هذا الكلام البديهي من قبل.
بدافع الفضول، نهضتُ من مكاني ومشيتُ بخطوات سريعة. كان جسدي ثقيلًا قليلًا، لكنه لم يمنعني من المشي.
عندما اقتربتُ مباشرة، بدأت الخادمات يتصببن عرقًا أو يُظهرن تعابير متوترة بوضوح.
لم يهمني الأمر. فالشخص الوحيد الذي كنت مهتمة به كان واحدًا فقط.
تقدمتُ بخطوة واسعة نحو الخادمة التي أجابتني.
“وجهكِ غير مألوف، هل أنتِ جديدة هنا؟”
“ن، نعم؟ آه، نعم. ذ، ذلك صحيح.”
“اسمكِ؟”
“……يوري.”
“جيد، يوري.”
ابتسمتُ ابتسامة مشرقة. عندها، بعض الخادمات اللواتي كنّ ينظرن إليّ أشحن بأنظارهن سريعًا.
“بما أنكِ خادمة عليا في بلاك وينتر، فلا بد أنكِ تجيدين استخدام السيف، أليس كذلك؟”
خادمات هذا المكان ينقسمن إلى ثلاث رتب.
الرتبة تُحدد بالشارة المثبتة على الصدر، ومن تحمل شارة سوداء مثلها هنّ الخادمات العُليا.
أي أنهن خادمات، لكن لديهن قدر من القوة القتالية أيضًا. وفي حال الحروب الوطنية أو نزاعات الأراضي العائلية، يصبحن قوةً قتالية فعلية.
“……نعم. ليس كثيرًا، لكن إلى حدٍّ ما. غير أنني لا أستخدم السيف وحده.”
“لا تستخدمينه وحده؟”
“أستخدم الدرع معه.”
“درع؟”
درع؟ كان سلاحًا غير مألوف هنا. فهذه العائلة المهووسة بالسيوف لا تسمح بشيء غير السيف.
تمامًا كما أن عائلة والدتي، ديندرايِن، مهووسة بالرماح ولا تعترف إلا بها.
“هل أنتِ من خارج هذه العائلة؟”
“……نعم. أنا…….”
ألقت يوري نظرة خاطفة على زميلاتها قبل أن تفتح فمها.
“جئتُ إلى هنا بتوصية من وودتيل، آنسة.”
وودتيل. المكان المعروف باستخدام السيف والدرع معًا. وبالأحرى، العائلة التي تطور فيها فنّ استخدام الدرع.
كان هناك ست عائلات مشهورة، ولكل عائلة سلاحها الأساسي.
بدقة أكثر: وودتيل للدرع، ديندرايين للرمح، وكالاراكا للقوس.
أما الثلاث الباقية فكانت عائلات سيف، لكنها اختلفت في نوع السيوف وتقنياتها.
ومن بين هذه العائلات خرج الأعداء والحلفاء والرفاق في القصة، فانقسمت الصفوف.
“وودتيل… أليس سيدها ذلك المركيز الصديق المقرّب لوالدتي؟”
“نعم، هذا صحيح.”
كان مركيز وودتيل أحد أصدقاء والدتي المقرّبين.
ولذلك، عندما انقلبت بلاك وينتر إلى الشر لاحقًا، لحقت بها ديندرايين ووودتيل.
ثم… انهاروا جميعًا في سقوطٍ مدوٍّ.
‘في قصص الفانتازيا، لا ينبغي العبث ببطل الرواية.’
على أي حال، كونها من وودتيل جعل الأمر منطقيًا. فمَن مكث هنا طويلًا لن يجرؤ على قول مثل هذا الكلام لي.
حدّقتُ طويلًا في تنورة يوري، ثم رفعتُ رأسي.
“من الآن فصاعدًا، ستكونين خادمتي الخاصة.”
لم يكن لدي خادمة خاصة من الأساس.
كلما سقطتُ مريضة فجأة، كانت الخادمات يُستبدلن بالكامل، بل إن بعضهن تعمّدن إهمالي أحيانًا لهذا السبب.
سئمتُ التبديل ورؤية وجوه جديدة.
“ن، نعم؟”
“ليس لدي خادمة خاصة أصلًا. أليس هذا ممكنًا؟”
نظرتُ هذه المرة إلى الخادمة الواقفة بجانب يوري.
بحسب ذاكرتي، هذه الخادمة كانت قد دخلت الخدمة من قبل، وسمعتُ أنها تعمل هنا منذ مدة طويلة.
الخادمة التي وقعت عليها نظرتي بدت مرتبكة، لكنها حرّكت شفتيها بتردد.
“أم أذهب لأخبر والدي بنفسي؟”
لا أعلم إن كان سيستمع، لكن فلنقلها كتهديد فارغ.
“لا، لا…… سنرفع تقريرًا…….”
“جيد.”
أشرتُ لهن بالمغادرة. وفي الوقت نفسه، أشرتُ ليوري أن تبقى.
بعد أن خلت الغرفة من الناس كما ينحسر المدّ، رفعتُ ثوبي.
“آه…… سيدتي.”
“ساعديني في تبديل الملابس.”
في الحقيقة، كنت أستطيع تبديل ملابسي وحدي بسهولة، لكنني قلت ذلك على أي حال.
……لأنها أول خادمة تتحدث إليّ بلطف.
كانت عمّتي الوحيدة التي تُظهر لي شفقة، لكنها كانت خارجية ومن الصعب رؤيتها، فضلاً عن الشكوى لها.
أردتُ أن أدلّل نفسي قليلًا، ولو مرة واحدة.
“آه، نعم!”
بدت يوري متوترة، لكن يداها كانتا متمرسـتين.
“يبدو أنكِ معتادة.”
“آه، لقد خدمتُ الابن الأصغر في وودتيل لمدة عام.”
“الأصغر؟”
“نعم. أظنه في عمر قريب من عمرك، آنسة…… يبلغ الآن ست سنوات!”
……أنا في الثامنة.
لكن لا داعي لإرباك شخص يبتسم بهذه الطيبة، لذا فلنبقا صامتين.
صحيحٌ أنَّ جسدي ضعيف وبنيتي صغيرة.
‘هل سيُقبل طلبي فعلًا؟’
إن وصل الأمر إلى أذني والدي أو والدتي ورُفض طلبي، فقد تختفي من حياتي بين ليلة وضحاها.
لذلك لم أعلّق آمالًا كبيرة.
حسنًا، لا داعي للحزن على أمر اعتدتُ عليه!
فما زالت هناك مشكلات أهم بانتظاري.
“سأخرج.”
“آه، إذًا سأرافقكِ…….”
“لا، لا يجوز. لا تتبعيني.”
في المكان الذي سأذهب إليه، يوجد هرّان صغيران يتحسسان من البشر.
لكن هل ستكرهني إن قلتُ ذلك؟ ترددتُ قليلًا ثم أضفتُ.
“انتظريني هنا.”
“نعم؟”
“……لأنه لم يسبق أن انتظرني أحد.”
“…….”
حككتُ خدي. عند رؤية وجهها الذي شحب فجأة، شعرتُ أنني قلتُ شيئًا لا داعي له.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"