الفصل 12
كانت القطَّة جالسةً في ساحة التدريب تحت الشجرة، فاتجهتُ نحوها، وحين تلاقت عيناها بعيني، أطلقتْ مواءً خافتًا.
اندفعتُ إليها بخطوة واحدة.
“نابي.”
انساب الاسم تلقائيًا، هذا الإسم الذي يناسبها تماماً.
جلستُ القرفصاء أمام القطة.
ربما لأن المطر كان قد هطل قبل قليل، لم يكن روي في الجوار.
“هل أنتِ بخير؟”
نياا-!
“ظننتُ أنكِ قد ابتللتِ بالمطر، لذلك ركضتُ إلى هنا……”
يبدو أن الأمر لم يكن بلا داعٍ. فقد كان فراء القطة الأسود مبتلًا تمامًا.
وضعتُ المنشفة على يدي ومددتُها ببطء شديد. ببطء شديد، خشية أن تفزع وتهرب.
ولحسن الحظ، لم تتجنّب يدي. بل إنها فركت رأسها بها، وكأن الدفء أعجبها. يا لهُ من تصرّف لطيف.
“لكن لماذا أنتِ وحدك؟ أين ذهب سيدكِ الذي يعتني بك دائمًا؟”
“ميايااو!”
“صحيح، ليس سيدكِ؟ لا بد أنه ليس كذلك. كيف يترككِ تبتلّين هكذا.”
رغم قولي ذلك، كنتُ أظن أن الأمر ممكن. لا يبدو أنه من النوع الذي يأخذ القطة إلى غرفته.
“مع ذلك، من الجيد أنكِ إلى جانب أخي.”
تمتمتُ بلا تفكير، وأنا أمسح فراءها برفق.
“أنا لم يكن لدي أحد.”
للأسف، لم يكن هناك أحد فعلًا.
مرّ أمام عينيّ طيفُ نفسي التي كانت تحاول جاهدًة قبل أن أتذكّر حياتي السابقة. كان منظرًا يبعث على الشفقة. وسرعان ما تلاشى ذلك المشهد كالسراب.
لا بأس. على أي حال، إن بقيتُ على قيد الحياة، فلا بد أن يأتي يومٌ سعيد.
بعد أن عشتُ ما عشت، أدركتُ أن الحياة—حتى لو تدحرجتَ في مستنقع من القاذورات— تبقى أفضل. لا بأس أن أعيش كعشبةٍ برية.
في هذه الحياة، حتى إن لم أصبح زهرة، أريد فقط أن أعيش طويلًا، دافئةً وشبعانة.
وبينما كنتُ أجفّف فراءها بعناية، حدث ذلك.
هطل.
……هم؟
تدفقت الأمطار.
!
“آآه، آآه!”
وقفتُ بسرعةٍ في مكاني.
والتصقتُ بالشجرة مباشرة. وفي حضني، كانت القطة الصغيرة التي ضممتُها دون أن أشعر.
‘إنه المطر؟’
كان المطر يهطل بغزارة.
كانت الشجرة كثيفة الأوراق، فاستطعنا الاحتماء قليلًا، لكن ملابسي بدأت تبتل.
“مياومياو! ميا-!”
ولحسن الحظ، لم تتخبّط القطة في حضني، لكنها كانت تموء بلا توقف. فالقطط لا تحب الماء، أليس كذلك؟
“……يا إلهي. لحسن الحظ لم أتأخر.”
بينما كنتُ أتحسّس جذع الشجرة، أنزلتُ رأسي. شعرتُ بنسمة عند قدميّ، وحين نظرت، رأيتُ عقدةً في أسفل الشجرة.
كانت فجوةً لا بأس بحجمها، تكفي لأن تدخل فيها قطة واحدة بسهولة……
نظرتُ إلى القطة ثم إلى الشجرة بالتناوب، ثمّ تنهدت.
أنزلتُ القطة، وهي ملفوفة بالمنشفة، داخل الفجوة. وأزلتُ بيدي العاريتين التراب الفاسد والأوراق المتراكمة داخلها.
“تحمّلي قليلًا حتى لو كان المكان رطبًا؟ سأجعله ناعمًا.”
ثم فرشتُ البطانية التي أحضرتها، وخلعتُ سترةً خفيفة ولففتُها على نحوٍ بدائي لصنع شكل بيت.
وبعدها نقلتُ القطة، وهي ما تزال في المنشفة، إلى داخل هذا المأوى.
كنتُ قد ارتديتُ السترة احتياطًا، لكنها صارت مفيدة الآن.
“نابي، هل يعجبكِ هذا؟”
“مياو!”
عضضتُ على شفتي بقوة. كان المطر يزداد غزارة.
“في الحقيقة، أودّ أن آخذكِ إلى غرفتي، لكن الطبيب المعالج سيأتي اليوم أو غدًا. ذلك الشخص يثور لمجرد رؤية الحيوانات.”
وهذا وصفٌ لطيف جدًا.
قيل إن الطبيب المعالج جُلب بعد البحث في أرجاء القارة، شخصٌ بالغ الكفاءة، لكن طباعه سيئة.
على الأقل، كان يحافظ على الحد الأدنى من اللباقة، لكنه كان يبغض شيئًا واحدًا بشدة، الحيوانات.
منذ زمن، حين أحضرتُ طائرًا صغيرًا جريحًا من الحديقة، قام الطبيب المعالج بـ……
“الحيوانات القذرة لا تفيد الصحة!”
وأبلغ والدي بذلك، فتم إطلاق الطائر قبل أن يشفى.
وبعد أيام، رأيتُ الطائر ميتًا، مقطوعًا بسكين. لم يكن إطلاق سراح، بل كان قتلاً.
لا يمكنني أن أترك هذه القطة تلقى المصير نفسه.
“في المرة القادمة، سأجلب لكِ طعامًا لذيذًا.”
“مياو-!”
مدّت القطة وجهها قليلًا وفركت رأسها بظهر يدي. وخز. كان الموضع مجروحًا منذ الأمس، فشعرتُ بالوخز، لكنني ابتسمتُ وضحكت.
“يبدو أنني كنتُ وحيدة جدًا. انظري كيف أستسلم لدلالك بسهولة.”
“مياو!”
“حسنًا، إذن لنلتقِ مرةً أخرى.”
بهذا الشكل، سيكون المكان مناسبًا للبقاء فيه حتى يتوقف المطر.
أما الباقي، فبعد أن يتوقف المطر، نعم، وبعد أن يمرّ الطبيب المعالج أيضًا، سأعود مجددًا.
حينها سأجلب شيئًا ألذّ، وأغوي نابي أيضًا، وأغوي الأخ الثالث كذلك.
كنتُ قد ابتللتُ تمامًا دون أن أشعر. أمرٌ طبيعي، بعد كل هذا العناء تحت المطر.
“إلى اللقاء، نابي.”
نظرتُ إلى يدي الملطختين بالطين، نفضتهما على عجل، ثم ودّعتُ نابي.
وحين استدرتُ للمغادرة، حدث ذلك.
“……”
بشكل غير متوقع، كان روي بلاك وينتر يقف هناك، يحمل مظلة، ويحدّق بي بلا حراك.
وكأنه جاء للسبب نفسه، إذ كان يمسك بمنشفة في إحدى يديه.
شعرتُ بنظراته المثبّتة عليّ. رفعتُ عينيّ نحوه مرةً واحدة، ثم حككتُ خدي بإحراج.
“……فقط، فعلتُ ذلك لأنني أردتُ.”
وبمجرد أن قلت هذا، بدا وكأنه تبرير. لا، هو بالفعل تبرير.
لماذا أبرّر لطفلٍ أصغر منّي؟ تلك ليست قطته حتّى.
……رغم أنه يبدو أنه كان يعتني بها.
“لم آتِ لرؤيتك، أخي.”
ضيّق روي بلاك وينتر عينيه قليلًا. بدا وكأنه يفكر: هل جاءت لتزعجني مجددًا؟ لذلك بادرتُ بالتوضيح.
“فقط…… أمم، لأن المطر يهطل. أمم……”
غريب؟ أنا لستُ من النوع الذي يعجز عن الكلام هكذا.
ربما لو كنتُ أنا القديمة، الخجولة قبل أن أتذكّر حياتي السابقة، لكان ذلك مفهومًا، لكن الآن؟
لا بد أن السبب أنني ابتللتُ كثيرًا بالمطر. كنتُ أشعر بجسدي يرتجف قليلًا.
‘صحيح، لا بد أنه لا يريد رؤيتي. فقد غضبتُ عليه أيضًا.’
سأجلب له شيئًا أفضل في المرة القادمة. بعد أن يتوقف المطر ويصفو الجو.
مشيتُ ببطء، ومررتُ بجانب الأخ الصغير الذي كان يقف تحت المظلة.
“……أنتِ.”
“…….”
“هاي.”
كان رأسي ثقيلًا قليلًا. لذا، حين التفتُّ ببطء، رأيتُ روي بلاك وينتر يقف مقابلي. كان المطر يهطل بعنف.
“أنتِ…… لماذا.”
“لا تغضب. الأمر مخيف.”
وفي اللحظة التي قلتُ فيها ذلك، بدا روي بلاك وينتر كأنه انقسم إلى اثنين. لا، ربما ثلاثة؟ وما الفرق.
لكن لماذا…
لماذا يبدو العالم وكأنه انقلب رأسًا على عقب؟
في الوقت نفسه، شعرتُ بألمٍ فظيع. وحين عدتُ إلى وعيي، لم أعد أرى سوى الأقدام.
آه، إذن لقد سقطتُ. يا له من جسدٍ ضعيف فعلًا……
“……! ……!!”
كانت كلمات روي الأخيرة التي لم أفهمها، قبل أن أغمض عينيّ ببطء.
آه، أرجوك. فقط لا تتركني وترحل.
تمتمتُ بذلك في داخلي.
***
حين فتحتُ عينيّ، كنتُ في الظلام.
لا، بعد قليل، انقشع الضباب الأسود، وصارت الرؤية واضحة أمامي.
“آنسة؟”
“أختي؟”
مال طفلٌ أمامي برأسه باستغراب. همم، أين رأيتُ هذا الطفل من قبل؟ وبعد أن نظرتُ حولي، أومأتُ برأسي.
كان هذا المكان حيث قمتُ بأعمال تطوعية منذ زمن.
هؤلاء الأطفال كانوا ممن حضروا العروض التي أقدمها.
كنتُ أشارك في عروضٍ خيرية لرواية القصص، ترعاها جهة تطوعية مدعومة من الدولة.
كنتُ أحب صوتي الواضح، كما أن هناك دعمًا ماليًا بسيطًا يُقدّم أحيانًا.
كانت الأماكن تختلف؛ مستشفيات، دور أيتام، أو أحيانًا قاعات في مراكز تجارية.
وكان هذا المكان قاعة داخل مركزٍ تجاري.
ويبدو أن العرض قد انتهى، إذ كان أشخاصٌ في الخلف ينقلون المعدات.
أحيانًا، بعد انتهاء رواية القصص، كان الأطفال الفضوليون يأتون لطرح الأسئلة. وكان هذا أحد تلك اللحظات.
“أختي، أختي، وماذا حدث للسنونو في النهاية؟”
“صحيح! يقول هذا إن السنونو مات!”
همم، إذن كان يوم قراءة 『هيونغبو ونولبو』. رفعتُ كتفيّ وواصلتُ الشرح على نحوٍ موجز.
لم يكن مزاجي سيئًا.
فحين ينتهي العرض ويأتي أحدهم إليّ، أشعر وكأنني شخص ذو قيمة حقيقية.
لكن ذلك لم يدم طويلًا، حتى طرح أحد الأطفال سؤالًا ببراءة.
“لكن يا أختي! لماذا ليس لديكِ أمٌّ وأب؟”
……يا له من طفلٍ صغير يطلق ضربة قاسية بوجهٍ مبتسم.
لكنني لم أرتبك. لم يكن هناك ما يستدعي الارتباك أصلًا.
لا بد أن أحد الفضوليين في تلك الجهة قد تحدّث عني مجددًا.
فقد كانوا أحيانًا يكتبون تعريفاتٍ سيئة من قبيل ‘قصص ترويها أخت يتيمة نشأت بشجاعة’.
“قالت المعلمة إن الأخت ليس لديها أمٌّ وأب، لكنها كبرت بشكلٍ جيد!”
“صحيح، صحيح! قالت لنا أمي أن نكون لطفاء معها لأنها مسكينة!”
بل إن الطفل ابتسم ومدّ نحوي حلوى ما. نقرتُ لساني في داخلي.
كانت تقف خلف الطفل امرأةٌ بدت كأمه، وحين التقت عيناها بعيني، نظرت إليّ بنفور. عادةً، كان يُفترض بها أن تمنعه، لكن… هذا هو الحال.
ابتسمتُ ابتسامةً لطيفة، ثم ربّتُّ على رأس الطفل.
“أيها الصديق الصغير، سألتَ عن السنونو قبل قليل، أليس كذلك؟”
نظرتُ بطرف عيني إلى الأم، ثم زدتُ ابتسامتي إشراقًا.
“السنونو لا يظهر إلّا للناس الطيبين. وإذا قلتَ مثل هذه الأشياء، فلن يأتي إليك.”
ثم همستُ في أذنه بصوتٍ خافت.
“هل فهمتَ؟ أيها الصغير الصغير؟”
قبضتُ على كتفه بقوةٍ للحظة ثم تركته، فبدأ الطفل بالبكاء، ثم انفجر في نحيبٍ عالٍ.
آسفة، لكن هذه الأخت سيئة لدرجة أن السنونو لن يزورها أبدًا هي كذلك. فهمتَ؟
“عفوًا! ماذا تفعلين الآن بطفلنا؟!”
نعم. أنا بلا والدين، لذلك لا شيء أخشاه.
بينما كنتُ أتمتم بذلك في داخلي، بدأت الأمهات يصرخن في وجهي، ثم سحبن أطفالهن ورحلن.
راقبتُ ظهورهنّ المبتعدة بصمت، ثم أنزلتُ نظري إلى كتاب القصص في يدي.
『هيونغبو ونولبو』، 『حورية البحر』، 『سندريلا』، 『الأمير السعيد』، 『خرافات إيسوب』……
شدَدتُ على الكتب التي كنتُ أحبها يومًا بكل قلبي.
“……لديّ والدان أيضًا.”
نعم، لديّ عائلة.
أتدرون كم هم أشخاص رائعون؟ أنا أملك عائلة أيضاً!
……لقد أصبحتُ أملك عائلة أخيرًا، فلماذا أشعر بهذا؟
ظللتُ أحدّق طويلًا في الظهور التي تبتعد بسلام.
لديّ الآن عائلة أنا أيضًا. فلماذا أشعر بالغيرة؟
وهكذا، فتحتُ عينيّ ببطء.
كان وقت الاستيقاظ من الحلم.
❖───────────❖
قصة 『هيونغبو ونولبو』 هي قصة كورية شائعة، باختصار:
كان هناك أخوان.
هيونغبو طيب القلب وفقير، ونولبو أناني وجشع وغني.
في أحد الأيام وجد هيونغبو سنونوًا مكسور الساق، فاعتنى به حتى شُفي، ثم أطلقه.
عند عودة السنونو في الربيع، جاء بهدية لهيونغبو: بذور قرع.
زرعها هيونغبو، وعندما نضجت القرع خرج منها المال والطعام والخير، فأصبح غنيًا وسعيدًا.
عندما علم نولبو بالأمر، كسر ساق سنونو عمدًا ليحصل على نفس المكافأة.
لكن عندما زرع بذور القرع التي حصل عليها، خرج منها مصائب وكوارث، ففقد ثروته.
تشبه قصة الحطاب والفأس الذهبية مااتذكر كويس
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"