3
الفصل الثالث
“آه…”
وصلتُ إلى المكتب باكراً جداً، وبقيتُ أكتب التقارير طوال اليوم، فمددتُ معصمي المتصلّب ولففته برفق لأتمدّد قليلاً.
حين ارتفع كمُّ القميص الطويل الذي تعمّدتُ ارتداءه، تسلّلت نظرتي إلى معصمي.
‘تحسّن كثيراً على كلّ حال.’
كان قد تكوّن كدمة زرقاء داكنة بشكل راحة اليد، لكنها الآن خفّت كثيراً واكتست لوناً مصفرّاً.
‘حسنٌ أنني لم أذهب إلى المعبد.’
لأنه معصم يدي اليمنى بالذات، كنتُ أشعر بإزعاج لفترة، لكن الوقت دواءٌ فعلاً.
‘الدهان كان كافياً تماماً.’
أنزلتُ الكمّ من جديد وأمسكتُ القلم.
‘يطلب مني زيارة المعبد بسبب كدمة بسيطة؟’
ذلك الرجل حقاً لا يعرف شيئاً عن أمور المعيشة.
هززتُ رأسي ووبّختُ «إيفريت روخاس» في سرّي.
حتى لو لم تكن التكلفة من جيبي، فهذا إسرافٌ مبالغٌ فيه.
‘المعبد يأخذ نفس التبرّع من المصاب الخفيف والمصاب الخطير.’
لكي لا يستخدمه من يستطيع العلاج عند بائع الأعشاب أو الطبيب، أو لكي ينهب جيوب النبلاء الذين يتردّدون على المعبد حتى لأبسط الجروح.
‘لا يمكن أن أنفق نصف راتبي السنوي لإزالة كدمة في المعصم.’
دهان بأربعة فضيات لعدة أيام كان سيشفيه، بينما 200 ذهبية مبالغةٌ حقاً.
هززتُ رأسي موافقةً على نفسي، ثم أمسكتُ القلم من جديد.
في الحقيقة، لم يكن الوضع يسمح لي بالتفكير في أمور أخرى.
كان عليّ إنهاء ترتيب سجلات الضرائب لثماني سنوات لسبع إقطاعيات قبل نهاية اليوم.
‘لقد تجاوزنا ساعات الدوام منذ زمن، ويبدو أن اثنتين فقط بقيتا.’
وحتى بعد الانتهاء من هذا، ستنهال عليّ مهامٌ أخرى، وبعدها ستستمر الأعمال بالتراكم لفترة طويلة.
لأن الإمبراطور الذي انطلق إلى ساحة الحرب فور تتويجه سيعود بعد ثماني سنوات قريباً جداً.
ولأنه سيتلقى تقارير جميع الإدارات فور عودته، فقد صدر الأمر بتجهيز كل شيء.
‘كم بقي لعودة الإمبراطور؟’
يبدو أنه ثلاثة أو أربعة أيام، لكن عقلي منهك من التفكير المستمر حتى صرتُ كسولة عن عدّ الأيام بدقة.
‘يا للمعاناة.’
مهما كان الإمبراطور مجنون حربٍ ويُعامل أرواح الناس كأرواح الذباب، فلن تصل شفرته إلى موظفة صغيرة مثلي.
كلّ ما عليّ فعله هو أن أنكمش وأصمت حتى تنتهي العاصفة.
لكن الوضع مختلف تماماً بالنسبة لمن سيقفون أمام الإمبراطور مباشرة.
‘التوتر يتسلّل من الأعلى إلى الأسفل، فكلّنا في حالة طوارئ.’
بسبب مزاج الرؤساء السيء، صار جميع موظفي القصر الملكي في حالة تأهب قصوى.
ولم تكن إدارة الخزانة التي أعمل فيها استثناءً.
‘حتى التقارير المهمة كانت تُرسل بانتظام إلى ساحة الحرب.’
لكن التقارير المرسلة إلى الإمبراطور تُهذَّب وتُجمَّل، فتحدث بعض الإغفالات الصغيرة، وعندما يغيب المالك طويلاً يسترخي الخدم حتماً.
حتى هيبة الإمبراطور الحالي، الذي اعتلى العرش بعد تطهير الإمبراطور السابق وأفراد العائلة الجانبية، لا بد أن تكون قد خفّت بعد ثماني سنوات.
خاصة أن الموظفين الذين التحقوا بعد مشاركته في الحرب لم يروا وجه الإمبراطور حتى.
‘صحيح أن أخباراً تصل بين الحين والآخر عن تدميره لبلدٍ ما في لمح البصر، أو إبادته لعائلة ملكية كاملة.’
لكن الناس لا يخافون كثيراً مما لا يرونه بأعينهم، فيتحوّل الأمر إلى مجرد ثرثرة.
‘لكن قريباً سيصبح مرئياً.’
من لا يتوتر وهو يعلم أن الإمبراطور سيراجع كل ما حدث في غيابه؟
‘حتى أنا التي أعتزّ بأنني عشتُ بنزاهة نسبية أشعر بالخوف من وجود خطأ صغير.’
فما بالك بغيري.
تنهّدتُ وأنا ألقي نظرة خاطفة على دونوفان الذي ينفّس عصبيته على كوني.
منذ أن عُرف موعد عودة الإمبراطور وهو في هذه الحال.
كل الموظفين ذوي الرتب يبدون كأن الموت يطاردهم، لكن دونوفان كان الأسوأ.
‘هل فعلاً ابتلع شيئاً؟’
هززتُ كتفيّ لأفكّ تصلّب عضلاتي.
كان يبدو كالموظف الفاسد النمطي، لكنني كنتُ أدافع عن نفسي قائلة: لا نتهم أحداً بلا دليل.
لكن ردود فعله الهستيرية المتزايدة جعلتني أعتقد أن هناك شيئاً فعلاً.
‘لكنه من النوع المتسلط في مكتبه فقط، جبانٌ جداً ليسرق بجرأة.’
ألا يثير الشكوك أكثر حين يثور هكذا؟
‘على أي حال، الإمبراطور ليس من النوع الذي يميّز بين من سرق قليلاً ومن سرق كثيراً.’
حسب معلومات الرواية الأصلية على الأقل.
قبل أن تُغيّره البطلة المشرقة، كان الإمبراطور الطاغية النمطي الفعّال في روايات الرومانسية الفانتازية.
‘قاسٍ بلا تمييز بين عامّة ونبلاء.’
دونوفان الذي كان في إدارة الخزانة من قبل اعتلاء العرش يعرف طباع الإمبراطور جيداً.
‘لذا هو في هذه الحال من الذعر.’
أصبحتُ مقتنعة تماماً أن دونوفان يخفي شيئاً ما.
كان صوته عالياً إلى درجة أن الموظفين الذين انقطع تركيزهم يرمونه بنظراتٍ معاتبة بين الحين والآخر.
“كم مرة قلتُ لكِ إنها مهمة مستعجلة وما زالتِ لم تنتهي؟”
‘طلبها بالأمس وقال إنها تستغرق أسبوعاً.’
مهما استعجلنا، هناك حدّ للوقت الذي يمكن تقليصه.
“ستنتهي قريباً.”
أجابت كوني دونوفان بصوتٍ مكبوت.
كانت كوني في البداية تتعامل معه بابتسامة مهنية بفضل خبرتها في الحياة الاجتماعية، لكن صبرها نفد تماماً.
لو لم يقترب منها كل ساعة ليحثّها لكانت انتهت أسرع.
“كم مرة سوف تجعليني اسمع «قريباً»؟ تسك.”
استمرّر دونوفان في مواعظه لكوني حتى النهاية ثم اختفى.
ما إن أغلق باب المكتب تماماً حتى انهارت كوني على كرسيها.
تحركت شفتاها بطريقة لا يصدر عنها صوت، لكن أي متحدث أصلي كان سيفهم المعنى فوراً.
كانت كلماتٌ بذيئةٌ جداً، واسم دونوفان يتخلّلها بين الحين والآخر.
تغاضى الجميع في المكتب عن تفريغها لغضبها بعيونٍ غائمة.
لأن كوني كانت الهدف الرئيسي لدونوفان الهستيري في الأيام الأخيرة.
اقتربتُ منها بحذر ووضعتُ يدي على كتفها.
أشرتُ بنظري نحو الباب الخارجي، فتبعتني كوني بوجهٍ عبوس.
توجهتُ بهدوء إلى خلف مبنى الخزانة لأمنح كوني وقتاً لتبرد.
وبعد قليل، بدأت كوني تتمتم بنفس الكلمات التي قالتها بلا صوت، لكن هذه المرة بصوت مسموع.
كنتُ أعطي ردود فعل خفيفة بين الحين والآخر وأنا أستمع إليها.
بعد فترة، أسندت كوني التي احمرّ وجهها بلون شعرها الجزر رأسها على كتفي وتنهّدت.
“دونوفان كان دائماً سيئاً، لكن في الآونة الأخيرة صار أسوأ بكثير.”
“معكِ حق، منذ أن وصل خبر عودة جلالته وهو على هذه الحال.”
حكّت كوني أنفها كأن فمها يحكّها، ثم همست لي كأنها سرّ:
“كان دونوفان يتباهى بأنه ارتبط بخط دوق كاميلوت، أتذكرين؟”
دوق كاميلوت زعيم الفصيل النبيل.
كان أحد أقرباء دونوفان البعيدين تابعاً للدوق، فالتقيا مرتين أو ثلاث بفضل تلك الصلة.
‘وكان يتفاخر بهذا في كل مكان.’
هذا أمر يعرفه الجميع.
“لكن يبدو أن جلالته ينوي التخلص من دوق كاميلوت فور عودته.”
‘يا إلهي.’
شهقتُ بصمت وأنا أضمّ شفتيّ.
“يقال إن العلاقة بينهما كانت سيئة منذ ما قبل اعتلاء العرش، لا أعرف لماذا تركه في المرة الأولى قبل ثماني سنوات.”
ضحكت كوني وقالت إنه ربما نسي الدوق لأن قائمة من أراد قتلهم كانت طويلة جداً.
على أي حال، الدوق كاميلوت الذي نجا من رياح التطهير في بداية الحكم حاول توسيع نفوذه في غياب الإمبراطور، ليبقى على قيد الحياة بعد العودة أيضاً.
لكن يبدو أن الإمبراطور الذي كان منشغلاً بالخارج أغلق عينيه مؤقتاً، لكنه الآن، بعد انتهاء الحرب، بدأ ينظّف الداخل.
“في الحقيقة الجميع تقريباً يعلم، لكن لا يُقال علناً.”
رفعت كوني نفسها عن كتفي، غمزت بعينها وقالت:
“التنين الذي ترك عرينه، والوايفرن الذي تسلّط في غيابه، انتهى أمره الآن.”
أضافت كوني أمنيةً أن يُقتلع الأورك مع الوايفرن أيضاً.
«ترتيب القوة: التنين أقوى بفضل حجمه وقدراته الخارقة، يليه الوايفرن أسرع وأقل قوة، ثم الأورك الأقوى بين البشر لكنه أضعف من الاثنين.»
إذا كان الأمر وصل حتى إلى أذن كوني، وهي موظفة صغيرة في القصر، فالإمبراطور يضيّق الخناق على الدوق بلا مواربة.
“لكن هل يقف دوق كاميلوت مكتوف الأيدي؟”
سألتُ كأنني أحدّث نفسي، فأجابت كوني بغموض أنه يجب متابعة الأمر.
ثم تبع ذلك حديث خفيف عن مواضيع أخرى.
وبعد أن استعدت كوني مزاجها تماماً، قالت بوجهٍ ينضح بالكراهية:
“أظن أن علينا العودة الآن.”
“يبدو ذلك، للأسف.”
كنا نعلم أن وقت النوم يتناقص باطّراد، لكن العودة إلى المكتب المكدّس بالأعمال كانت مؤلمةً حقاً.
عدنا إلى المكتب بخطى بطيئة جداً.
وبينما كنا ننجز ما تبقّى من أعمال، لم يعد دونوفان.
حين اقتربت الساعة من منتصف الليل، بدأ الموظفون الذين انتهوا يغادرون بوجه زومبي واحدًا تلو الآخر.
أنهيتُ أنا أيضاً ترتيب سجلات الضرائب لآخر إقطاعية في تلك اللحظة تقريباً.
اقتربتُ من كوني التي لا يزال أمامها جبل من العمل وسألت:
“هل أساعدكِ قليلاً؟”
كانت كوني مكسورةً تحت كومة الأعمال التي لا تنتهي، فأضاء وجهها فجأة.
بعد صراع قصير مع ضميرها، همست لي بحذر:
“إذن… هذه المهمة فقط، من فضلك. شكراً جزيلاً حقاً.”
أخذتُ منها الأوراق.
وبحكم العادة، تصفّحتُ بداية الملف.
‘ها؟’
رمشتُ بعينين متعبتين وأعدتُ النظر، لكن الكلمات لم تتغيّر.
انفجر السؤال مني دون تفكير:
“كوني… ماذا تفعلين بالضبط؟”
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 3"