1
الفصل الأول
اكتشافُ مَن كنتُ في حياةٍ سابقة ليس أمراً عاديّاً على الإطلاق.
ومع ذلك، جاءتني تلك اللحظةُ الغريبةُ في أكثرِ الأوقاتِ يوميّةً وبساطةً.
كرحلةِ موظّفةِ خزانةٍ من الدرجةِ الدنيا في طريقها إلى العملِ صباحاً.
كنتُ نصفَ نائمةٍ في عربةٍ مشتركةٍ متّجهةٍ إلى القصرِ الملكي، فاستيقظتُ فجأةً على الحقيقة:
‘لقد انتقلتُ إلى عالمِ رواية.’
ما إن وعيتُ بذاتي السابقة، حتى مرّت ذكرياتُ عشرين سنةٍ ونيف على الأرضِ أمامي كلوحةٍ بانورامية.
ثم، كأنما بمشيئةٍ إلهية، انبثقت تفاصيلُ عالمِ الروايةِ الأصلي الذي أعيشه الآن بوضوحٍ تام، حتى أدقِّ التفاصيل.
لكن قلبي لم يهتزّ كثيراً.
‘إمبراطورٌ مجنونٌ بالحرب يقعُ في حبِّ البطلةِ المشرقةِ كالشمس بعد علاقةٍ تعاقدية؟ هذا لا يهمُّ إلا الدوائرَ الراقية.’
لم يكن لي في الحياةِ السابقةِ أهلٌ أفتقدهم ولا أصدقاءُ روحٍ أحنُّ إليهم.
شعرتُ فقط وكأنني اكتسبتُ ذكرياتٍ إضافيةً تمتدُّ لأكثرَ من عشرينَ عاماً.
‘غريبٌ أن يبقى الاسمُ نفسه في الحياتين.’
على الأرضِ كنتُ «كْوون رينا»، وهنا أنا «كارولينا».
‘يبدو أن «رينا» محفورٌ في روحي أصلاً.’
تشابهٌ تافهٌ آخر: في الحياتين كنتُ موظفةً من الدرجةِ الدنيا.
‘ليتني لا أموتُ شباباً هذه المرّة بسبب مديرٍ مجنونٍ وإرهاقٍ قاتل.’
اقتربت البانوراما من نهايتها، فرأيتُ مكتبَ بلديةٍ ما، فصلّيتُ صلاةً خفيفة.
خاصّة أن «المدير المجنون» قد أصبح واقعي بالفعل.
‘أريد فقط أن أعيش طويلاً.’
في هذه الحياة، لم أعد أتمنّى سوى عملٍ هادئٍ آمن، ثم تقاعدٍ مريحٍ بعد سنِّ التقاعد.
لكن الإمبراطورَ الذي أرعب القارّةَ بعشرِ سنينَ من الحروب كان على وشك العودةِ منتصراً.
كلُّ إدارةٍ في حالِ تأهّبٍ قصوى، تستعدُّ للحاكمِ الأعلى سيّءِ الطباع الذي أعلن أنه سيتلقّى التقاريرَ فورَ وصوله.
‘والآن تراكم العملُ فجأةً بسببه… هل هذا ما أخشاه؟’
مطاردةً بشبحِ الموتِ من الإرهاق، وصلتُ العربةُ إلى مبنى الخزانةِ دون أن أنتبه.
أومأتُ للسائقِ بضعف، ثم توجهتُ إلى المكتبِ بخطى كئيبة.
“الساعة كم؟”
ما إن فتحتُ الباب حتى رحّب بي صوتُ رئيسي سيّءِ الصيت الحادّ.
“الثامنة وعشر دقائق، دونوفان.”
نظرتُ إلى الساعة وأجبتُ بلا اكتراث.
في الأيام العادية، كان سيوبّخني لأنني «تأخّرتُ» رغم حضوري المبكر جداً، أو يبدأ محاضرةً طويلة عن أيام شبابه حين كان يصل قبل الدوام بساعتين.
لكن اليوم كان زرُّ انفجاره مختلفاً قليلاً.
“ماذا؟ دونوفان؟”
كان رئيسي دونوفان يتباهى دائماً بأنه مسجَّلٌ، ولو في ذيل القائمة، ضمن صفوف النبلاء كشبه بارون.
رغم أن القانون داخل الدوائر الحكومية يعطي الأولوية للمنصب على اللقب، فلا التزام باستخدام ألقاب النبلاء.
‘ليس كأنه يطلب منّي أن أناديه «بابا» على أي حال.’
“سيّدي.”
أضفتُ اللقب بفتور واضح.
عندها فقط خفّت ملامحه قليلاً.
“أنا لستُ متسلّطاً إلى هذا الحدّ، تعلمين.”
كأنّه قانونٌ غير مكتوب أن يبدأ كلُّ متسلّط جملته بهذه العبارة بالذات.
“حتى لو كانت قوانين القصر تعطي الأولوية للمنصب على اللقب، ما زال هناك فارقٌ واضحٌ بين العامّة والنبلاء، أليس كذلك؟”
رمقني بنظراتٍ تتوسّل الموافقة.
‘إذا دقّقنا، فأنا أيضاً من العامّة.’
والدي كان شبه بارون مثل دونوفان، لكن اللقب غير وراثي.
لذا أنا، رغم أبٍ نبيل، أُعتبر من العامّة.
‘لكن وجودي على هامش الطبقة النبيلة يمنحني وضعاً أفضل قليلاً من بقيّة العامّة.’
لكن الآن لم يكن وقت طرح هذه النقطة، فأجبتُ بفتور:
“نعم، أعتقد ذلك.”
راضياً، ولو جزئياً، بردّي الباهت، واصل دونوفان هجومه.
“لكن كيف يمكن أن يرقّوا رايتشل ويتركونني أنا؟ عامّية أيضاً!”
أصبح السبب واضحاً الآن.
‘لقد صدر إعلان الترقية.’
رايتشل، رئيسة الإدارة المجاورة، لم تكن على وفاق مع دونوفان.
‘رايتشل موهبة صعدت بجهدها الشخصي، أما دونوفان فهو هنا بفضل صلات عائلته فقط.’
ربما شعر دونوفان أنني أُصفق سرّاً لعدالة قسم الموارد البشرية في القصر.
أو ربما انزعج لأنني لم أنضمّ إلى شكواه من رايتشل.
فجأة احمرّ وجهه وصرخ:
“ما هذه النظرة؟ هل تعتقدين أيضاً أن رايتشل تستحق الترقية؟”
“بالطبع لا، كيف لي أن أفكّر هكذا؟”
آه، ما أقسى التضحيات من أجل البقاء في هذا المجتمع.
أجبرتُ ملامحي على الحياد وأنكرتُ.
“كاذبة! أنتِ معها لأنكِ عامّية أيضاً. تش. ظننتُ أن نشأتكِ في عائلة نبيلة ستعطيكِ ذوقاً أكثر.”
بعد أن فرغ غضبه عليّ لفترة، خرج دونوفان كالإعصار حين بدأ الموظفون الآخرون يصلون.
راقبتُه يغادر بوجهٍ غاضب، فاقتربت كوني بحذر.
“ما به هذا اليوم أيضاً؟”
“لم يحصل على الترقية، على ما يبدو.”
رغم أن اكتشاف حياتي السابقة لم يهزّني كثيراً، إلا أن استقبالي بغضبٍ غير منطقي بعدها مباشرة أنهكني.
أجبتُ كوني باختصار، ثم اتّجهتُ إلى مكتبي لأغرق نفسي في العمل.
بدت كوني تريد سؤال شيء آخر لكنها لم توقفني.
ربما لأن اليوم بدأ بائساً منذ الصباح، لم أستطع التركيز أبداً.
حتى المهام البسيطة لم تسِر على ما يرام.
‘تماسكي. يكفي أن أنجو اليوم، ثم عطلة نهاية الأسبوع.’
حاولتُ تهدئة نفسي، لكن دون جدوى تُذكر.
“هل جننتِ؟ حساباتكِ كلها خاطئة!”
التقط دونوفان خطأً في الأوراق التي سلّمتها وصرخ كمن كان ينتظر الفرصة.
طار معداد نحوي.
رغم أنني راجعتُ العمل أكثر من المعتاد، إلا أنني أغفلتُ خطأ صغيراً.
“هل تعلمين مدى أهمية بيانات الضرائب الخام من كل إقطاعية؟ إنها أساس التقرير الذي سيُقدَّم لجلالة الإمبراطور!”
كان خطأً تافهًا: رقم واحد في غير مكانه.
وعلى أي حال، يوجد جهاز سحري في المراجعة النهائية يكشفُل عدم حدوث مشكلة.
لكن كل ذلك لم يكن يهمّ.
المهم أن دونوفان، وهو في مزاج سيّء، وجد الخطأ قبل الجهاز السحري.
لم أستطع إنكار الخطأ، فتحمّلتُ نوبته بصمت، وكانت أقرب إلى نوبة غضب طفلٍ مدلّل منها إلى توجيه بنّاء.
عندما عدتُ إلى مكتبي، ناولتني كوني ورقةً وهي تراقب دونوفان بعصبية.
نصف الورقة مليء بشتائم مشفّرة لدونوفان بالشيفرة السرية لموظفي الخزانة.
والنصف الآخر اقتراحٌ أن نذهب لنشرب بعد الدوام لنخفّف الضغط.
‘فكرة رائعة.’
أشرتُ لها بدائرة بأصابعي.
ربما لأن بيرة باردة تنتظرني، بدت الساعات المتبقية أقلّ قسوة.
تحمّلتُ بضع ساعات أخرى، ثم رنّت أجراس نهاية الدوام.
دفعتُ كل ما تبقّى من مهام إلى الأسبوع القادم وغادرتُ المكتب مسرعة.
ما إن خرجتُ من مبنى الخزانة حتى شعرتُ وكأنّ جبلاً هائلاً رُفِع عن كتفيّ.
‘عمل الأسبوع القادم نفكّر فيه الأسبوع القادم.’
تمتمتُ لنفسي وأنا أتّجه إلى بقعة مظلّلة تحت شجرة قرب القصر الخارجي، المكان السري الذي اتّفقنا أنا وكوني عليه لتجنّب الرفقة غير المرغوبة.
انتظرتُ نحو عشر دقائق، لكن كوني لم تظهر.
‘لعلّني جئتُ مبكّرة جداً.’
مرت عشر دقائق أخرى، وبدأ القلق يتسلّل إليّ.
في اللحظة التي كنتُ على وشك العودة إلى المكتب، رأيتُ شخصاً يقترب من بعيد.
“كارولينا؟”
لكن الواصلة لم تكن كوني.
“هيذر؟ منذ زمن! كيف حالك؟”
هيذر صديقة كوني من مسقط رأسها، فنعرف بعضنا معرفة عابرة.
سلّمتُ عليها، فابتسمت بحرارة.
“بخير والحمد لله. أوه، تفضّلي، كوني طلبت مني أعطيكِ هذا.”
ناولتني ورقة مجعّدة.
فتحتُها: «حدث شيء ولا أستطيع المغادرة، نذهب لنشرب في مرّة ثانية».
“يا مسكينة، يوم جمعة وتضطر للبقاء.”
“بالضبط، كانت على وشك الخروج لكن دونوفان أمسكها وأجبرها على إعادة عمل تافه من جديد.”
‘متوقّع.’
“قالت لي أبلّغكِ أنها آسفة جداً.”
أدّت هيذر المهمة بأمانة ثم انصرفت.
‘ماذا أفعل الآن؟’
عادة كنتُ سأعود إلى البيت مباشرة، لكن اليوم كنتُ بحاجة ماسّة إلى تلك البيرة الباردة.
‘سأذهب وحدي إذن.’
الحانة قريبة من القصر ومنطقة آمنة، والجوّ في أوائل الصيف مثالي للمشي.
اتّجهتُ بهدوء إلى شارع ريكل.
كان سوق احتفالي بالنصر مفتوحاً، وبائعون ينادون بحماس منذ مدخل الشارع.
بينما كان الجميع منشغلين بالتجار الصائحين، جذبني طفلة صغيرة تبيع زهوراً.
كانت خجولة، تتردّد كثيراً قبل أن تجرؤ على مخاطبة المارّة.
‘على أي حال، حان وقت تغيير زهور المزهرية.’
اقتربتُ من البسطة، فأشرق وجه الفتاة.
ابتسمتُ لها واشتريتُ باقة فريزيا.
“نادر أن نرى الفريزيا في هذا الوقت من السنة.”
علّقتُ وأنا أداعب بتلة بإصبعي.
الفتاة، التي كانت تلفّ الباقة بمهارة لافتة، قالت بخجل:
“من شمال العاصمة، موسم التفتّح هناك متأخّر قليلاً، وهذه آخر باقة لأن الشمال نفسه في نهاية الربيع.”
ناولتني الباقة بابتسامة خجولة.
بينما كنتُ أستنشق عبير فريزيا أوائل الصيف، اقترب رجلٌ يرتدي قبّعة غطية عميقة بخطوات سريعة.
“هل لديكِ فريزيا؟”
“آسفة، الباقة التي اشترتها السيّدة للتو كانت الأخيرة.”
نظرت الفتاة إليّ باعتذار، فتبعها نظر الرجل إليّ أيضاً.
الوجه الذي كنتُ أرى منه خط الفكّ فقط، امتلأ أمامي بالكامل.
‘واو… وسيم جداً.’
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 1"