3 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة³
انستا : aahkk_7
***
بُهتت تسي شيا حين رأت الأمير يحيط بأدق تفاصيل حرسِه إحاطة السوار بالمعصم، فتلجلج لسانها قائلة: “في الحقيقة.. أنا وتشانغ شينغ ينغ أخوةٌ بالعهد،
نحن..”
ووقفت الكلمات في حنجرتها، بينما تظاهر الأمير بالجهل، يرقبُ استرسالها في نسج الأكاذيب ببرودٍ لا يلين.
أدركت أنه أبصر الحقيقة خلف حجب زيفها، لكنها وقد بلغت القلوب الحناجر، لم تجد بُدًا من تبديل كذبتها؛ فاستبدلت صلة القربى بوشيجة العشق.
قالت بتهيبٍ كأنما تُغالب خجلًا: “إن بيني وبين تشانغ مودةً ضاربة الجذور.. ولما كنتُ أهوى التنكر منذ الصغر، خشيتُ عليه سوء العاقبة حين ألمّ به الوجع؛ فانتحلتُ شخصيته لئلا يدركه العقاب”.
”فلمَ لمْ تفصحي عن ذلك لقائد الركب، بدلًا من الفرار إلى عربتي، واضعةً نفسك ورفيقكِ في أتون خطرٍ أعظم؟”
هكذا سألها الأمير، بينما كانت أنامله الرشيقة تنقر على الطاولة نقرًا وئيدًا، وكأنها مطارقُ تضربُ على شغاف قلبها.
ثم ابتسم ابتسامةً باردة كادت تجمد الدماء في عروقها: “إذن، أنتِ توارين سرًّا أشد وطأةً من انتحال الشخصية، وأعظم خطرًا من أن تُقتلي في مكانكِ كجاسوسة”.
أطبقت تسي شيا صمتًا؛ فقد أحيط بها، ولم يبقَ لها إلا انتظار حكم القدر. تفرّس الأمير في ملامحها، ورأى ندف المطر لا تزال عالقةً بثيابها، وأهدابها السوداء ترتجف بكبرياءٍ يرفض الاستسلام، فقال متهكمًا: “ابسطي كفكِ اليسرى”.
مدت يدها بوجل، فاستطرد قائلًا: “الأيدي لا تكذب؛ فهي سجلٌّ لكل ما اجترحته النفسُ في حياتها”.
تفرس في راحتها، ولاحت على ثغره مسحةُ انتصار: “كفكِ تخبرني أنكِ من عائلةٍ رفيعة، ذكيةُ الفؤاد منذ الصغر. وفي الثالثة عشرة، ارتحلتِ من تشانغ آن إلى.. إقليم «شو»، أليس كذلك؟”.
أجابت بصوتٍ تحاول جاهدةً تثبيته: “نعم”.
“وهناك التقيتِ بمن ملك قلبكِ.. ومن خطوط كفكِ، أرى قلبًا جافيًا وبطشًا حازمًا؛ فلأجل الهوى، أنتِ قادرةٌ على إبادة عائلتكِ بأكملها.. والوسيلةُ كانت..”— هنا نظر إليها كمن أبصر فريسته تقع في الشرك: “إذن، اسمُكِ.. هوانغ تسي شيا”.
انقبض قلبها، لكنها استردت يدها في كمّها وقالت برقةٍ حزينة: “ليس الأمرُ كذلك”.
سألها ببرود: “أيُّ أمرٍ تقصدين؟ أصلُكِ، أم الجريمة، أم الهوية؟”.
“أنا هوانغ تسي شيا، لكني لم أهرق دمًا قط.. فكيف بدمِ عائلتي؟!”.
اتكأ الأمير على وسائده الحريرية متهكمًا: “أتقولين إنكِ ظُلمتِ؟”.
كانت تسي شيا تجثو في العربة، تبدو كفراشةٍ واهنة فوق سجاد الفاوانيا الفاخر، بإمكان الأمير سحقها بإصبعٍ واحدة. لكنها انتصبت بظهرٍ مستقيم وعينين تشعان إصرارًا: “يا سمو الأمير، من منا بلا والدين؟ جئتُ آلاف الأميال لا لغسل اسمي فحسب، بل لآخذ بثارهم ممن غدر بهم. هربتُ من الموت لأحق حقهم، وما كان تشانغ شينغ ينغ إلا رحيمًا بضعفي، فلا تؤاخذه بجميل صنعه”.
رمق الأمير القارورة الزجاجية التي تسبح فيها السمكة الحمراء بذيولها الغيمية؛ فقالت تسي شيا بصوتٍ خفيض: “هذه السمكة تُدعى «أغاشني»، وتقول الأساطير إنها تتراءى دومًا بجوار الضحايا الذين قُضوا غدرًا”.
انتبه الأمير: “أحقًّا؟”.
“نعم، هكذا يُقال. لكن في ظني، هي إشاعةٌ من صناعة قاتلٍ بارع ليضلل التحقيق، أو مسؤولٍ عاجز ليداري فشله، وكونُها بجوار سموك؛ فهذا يعني أن ثمة غدرًا طال عزيزًا عليك، ولا يزال السرُّ حبيس الغموض”.
لمعت عينا الأمير، فقالت له بشجاعةٍ منقطعة النظير: “إن أعنتني على أمري، أعنتُك على كشف هذا السر. مهما طال الزمن وتلاشت الآثار، سآتيك باليقين”.
ضحك الأمير بمرارة: “يا لكِ من جريئة! أتظنين أنكِ قادرةٌ على فعل ما عجز عنه الأباطرة؟ وكيف لكِ أن تبيعي لي عدلًا وأنتِ لا تملكين تبرئة نفسكِ؟”.
بينما كانت تسي شيا تعض على شفتها صامتة، بدت في عيني الأمير كزهرة فاوانيا عصف بها المطر لكنها لم تفقد شذاها. قال بصوتٍ خفتت حدته: “يرميكِ العالم بالقتل، فإن نصرتُكِ، قالوا بيننا ما بين الرجال والنساء.. غادري، فلا رغبة لي في أمركِ، ولن أسلمكِ للعدالة.. اذهبي وشأنكِ”.
همت بالخروج ممتنةً لرحمته، وحين وصلت العربة إلى “قصر جيان بي”، شُغل الحرس بالأمراء القادمين. نظر الأمير للخارج بضيق وقال: “يبدو أن العالم سيعلم أنني شاركتُ عربتي مع قاتلة”.
همست بإصرار: “لستُ قاتلة!”.
لكنه دفعها قائلًا: “اخرجي”.
وبينما كانت تهمُّ بالنزول، ركل خلف ركبتها بخفة، لتسقط في بركة الماء والوحل بجوار القصر. وبينما كانت تتخبط في طينها، قال الأمير للوصيفات ببرود: “يا له من خادمٍ أخرق.. خذوه ليغسل قذارته، وليعد أدراجه مشيًا”.
تركها الأمير في وحلها، تواجه قدرها بصفتها “خادمًا” لا يُعرف أهو رجلٌ أم امرأة، بينما انصرف هو ببروده الملكي المعهود.
***
انستا : aahkk_7
Chapters
Comments
- 3 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة³ منذ ساعتين
- 2 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة² منذ 3 ساعات
- 1 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة منذ 3 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 3"