2 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة²
انستا : aahkk_7
****
لاحَت في الأفقِ سُحبُ الصباحِ القانية، وانسلّت خيوطٌ من ضياءٍ أحمرَ وهاجٍ تشقُّ أديمَ السماء. حثت “هوانغ تسي شيا” خُطا جوادها بلهفةٍ مُضطربة، حتى أدركت ركبَ الحراسةِ الأميريّ قبيل أن تلوحَ بواباتُ المدينة في ناظرها.
عند باب “مينغ دي” في العاصمة “تشانغ آن”، كانت المداخلُ الوسطى الثلاثةُ موصدةً كعادتها، ولم تُشرع إلا المداخلُ الجانبية. بيد أنه ما إن أقبلَ الموكبُ الأميريُّ، حتى فُتح البابُ الثاني من جهة اليسار على مصراعيه إجلالًا، دون أن يجرؤ أحدٌ على استيقاف الركب أو تفتيشه.
انخرطت تسي شيا في مؤخرة الجمع، ودلفت المدينةَ وئيدًا. وحين جاوزت البوابة، رمت بطرفِ عينها نحو “ملصقات المطاردة” المثبتة هناك؛ أبصرت في الملصق صورة فتاةٍ في ربيعها السادس أو السابع عشر، عيناها ككوكبي صُبح، ووجنتاها كبتلات الخوخ النضرة، ترتسمُ على ثغرها ابتسامةٌ عذبةٌ تنمُّ عن دلالٍ ووقار. كانت ملامحها تشعُّ نبلًا وحُسنًا لا يخطئه بصر.
وإلى جوارِ الصورة، نُقشت عباراتٌ تقطر قسوة:
”هوانغ تسي شيا، ابنة إقليم «شو»، مُدانةٌ بجرائم قتلٍ نكراء، مجرمةٌ عاتية.
على كافّة الأقاليم والولايات القبضُ عليها حيةً أو ميتة.”
أطرقت تسي شيا ببصرها للحظةٍ خاطفة، ثم رفعت رأسها برزانةٍ وثبات، وعيناها ترنو للأمام دون وجل.
كانت خوذةُ الحرسِ تواري معظمَ وجهها، حتى إن الرفيق “لو” السائر بجوارها لم يلحظ اضطرابها. همس وهو يقود جواده عبر شارع الطائر القرمزي: “لحسن الحظ، لم ينتبه إلينا أحد”. اكتفت تسي شيا بإيماءةٍ صامتة.
استقر الموكبُ أخيرًا عند قصر الأمير “كوي”. وبحسب الخطة المتفق عليها مع الرفيق “تشانغ”، كان عليها التسللُ بعيدًا فور إيواء الخيول، مستغلةً انشغال الحرس بوجبة الإفطار. وبينما كانت تهمُّ بالخروج، ناداها أحدهم: “تشانغ شينغ ينغ، ألن تأكل؟”.
تظاهرت بالصّمم وانسلّت بمحاذاة الجدار، ليتولى “لو” الردَّ عنها ضاحكًا: “لا بد أنها آلامُ البطنِ مجددًا!”.
ظنت أنها نالت حريتها، لكن صوتًا من خلفها جمد الدماء في عروقها: “هيه، إلى أين؟ أنتَ، يا صاحب ركب الحراسة! جاءت الأوامرُ بأن القصرَ الجديد يُعاني نقصًت في الخدم، وسترافقُ الأميرَ إلى هناك”.
خفق قلبها رعبًا؛ فالسوءُ يطاردها أينما حلت. لم تجد بُدًا من الالتفاف والانحناءِ طاعةً للقائد، ثم عادت أدراجها نحو الإسطبل. كان عليها الهرب، ليس خوفًا من انكشاف وجهها فحسب، بل لتجد من يمدُّ لها يد العون. لمحت عربةً مركونةً في زاويةٍ قصية؛ فاستغلت خلوّ المكان وتسللت إليها.
كانت العربةُ آيةً في الفخامة؛ وسائدُ من ديباج “كوي” الأزرق، وسجادٌ من المخمل الفارسي الأرجواني المزين بزهور الفاوانيا. خلعت تسي شيا بزّتها العسكرية وخوذتها وأخفتهما، ثم حشرت جسدها النحيل داخل خزانةٍ صغيرة أسفل المقاعد، مُحكمةً إغلاق الباب الخشبي المزخرف. كانت تسمع دقاتِ قلبها المتسارعة، وتتحسس أنفاسها المكتومة، حتى تحركت العربةُ معلنةً بدء الرحلة.
توقف الموكبُ عند جسرٍ صغير في الضواحي الغربية. سمعت صوتَ الأمير “كوي” الهادئ: “توقفوا”.
ثم مدَّ يده بقارورةٍ زجاجيةٍ فيها سمكةٌ حمراءُ زاهية تسبح بوقار، طالبًا تزويدها بالماء.
#أمل/ كوي مش اسم الأمير، كوي هو لقب النبالة او الإمارة الممنوحه إله تبعه هو؛ لهيك بلقبوه بالأمير كوي
تعجبت تسي شيا؛ أيُّ سرٍّ يربطُ هذا الأمير المهيب بهذه السمكة الصغيرة؟
ومع عودة العربة للحركة، ارطم جبينُها بباب الخزانةِ محدثًا صوتًا خفيًا. ظنت أن ضجيج العجلات قد وارى صوتها، لكنها أبصرت عبر الشقوق يدًا بيضاءَ متسقة الأصابع، كأنها ماءُ ربيعٍ يعكس زهر الكمثرى، ترفعُ إبريقَ الشاي. وفجأة، وبحركةٍ صاعقة، ركل الأميرُ باب الخزانة وقذف بقدح الشاي داخلها!
صاحت تسي شيا بذعرٍ حين باغت الماءُ عينيها. وفي طرفة عين، وجدته يسحبها من كتفيها ويطرحها تحت قدميه، يده تضغطُ على نحرها، وقدمه على صدرها. كانت حركاته تنمُّ عن سطوةٍ لا تُقاوم.
رفعت بصرها لترى وجهَه؛ عينان عميقتان كالحبر، وأنفٌ أقنى، وشفاهٌ رقيقةٌ تنطقُ بالترفع. كان الأمير “لي شو باي” يفيضُ نبالةً باردة، وكأن هدوءه هو التاجُ الحقيقي لسيادته.
تفرّس في وجهها طويلًا، ثم سحب قدمه وألقى إليها بمنديلٍ حريريٍّ أبيض وهو يقول باشمئزازٍ خفي: “كونكِ امرأة؛ فعلى الأقل حافظي على نظافتك”.
سقط المنديلُ عليها كالسحابة. غمرها الخجلُ الممزوجُ بالحنق؛ فبعد كل هذا العناء في التنكر، كشف أمرها بلمحةٍ واحدة، وبدا مزدريًا لحالها الرثة وشعرها المنكوش وثيابها المبتلة.
سألها بصوتٍ رخيم: “متى تسللتِ؟ وما خطبكِ في عربتي؟”.
أطرقت ببصرها، متصنعةً الحياءَ والارتباك، وقالت بصوتٍ رقيق: “أنا.. ابنةُ عم ’تشانغ شينغ ينغ‘. أصابه وجعٌ شديد؛ فحللتُ محله تنكرًا لئلا يُعاقب.. وكنتُ أرومُ الهربَ، لكنهم أجبروني على مرافقة الموكب؛ فاستجرتُ بعربتك خوفًا من الانكشاف”.
اتكأ الأميرُ على وسائده ببرودٍ وقال: “يبدو عذرًا مستساغًا.. فما اسمُ عائلتكِ إذن؟”.
أجابت بلا تردد: “اسمي يانغ”.
ابتسم الأميرُ ابتسامةً باردةً لم تبلغ عينيه، وسرد لها تاريخ عائلة “تشانغ” بدقةٍ مذهلة، من مكان ميلاد والده الذي يمارس الطب، إلى تفاصيل زواج شقيقه، ثم قال منهيًا لعبتها: “أما «تشانغ شينغ ينغ» هذا.. فمن أين له بابنة عمٍّ تُدعى يانغ؟”
#أمل/ بالصين دايما اسم العيلة بسبقك اسم الشخص، وبما انها زي ما بتقول بنت عمه فالمفروض تكون اسم عيلتها مثل اسم عيلة قريبها؛ فهي المفروض جاوبته تشانغ مش يانغ
****
انستا : aahkk_7
Chapters
Comments
- 3 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة³ منذ ساعة واحدة
- 2 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة² منذ ساعة واحدة
- 1 - فوانيس الرّبيع– اسمٌ سيّئُ السمعة منذ ساعتين
التعليقات لهذا الفصل " 2"