أشارت تشاي هيون برأسها إشارة خفيفة تعني “أحضر شيئًا للشرب”، ففهم راندولف المعنى على الفور ونهض من الأريكة.
في اللحظة التي رفعت فيها يوليا يدها محاولة الرفض قائلة أنها لا تريد شيئًا، دفعته تشاي هيون – التي لم تكن على ما يرام – بقوة ليبتعد.
“منذ فترة قصيرة، وصلتني هذه الأوراق إلى المنزل.”
بمجرد أن ابتعد راندولف، شعرت تشاي هيون براحة ملحوظة، فاستقبلت الظرف الذي قدمته يوليا بوجه أكثر انفراجًا، وبدأت تفحصه بعناية.
في الزاوية العلوية اليسرى من الظرف البريدي، كان ختم كل من قيادة الجيش وهيئة المعاشات التقاعدية مطبوعًا بوضوح.
“كان جدي جنديًا. هذا إشعار من القيادة يفيد بأنهم يأملون في أن يزور جدي متجر الخياطة المعيّن من قبلهم لتفصيل زي عسكري جديد يرتديه في احتفالية النصر لهذا العام. وهذا… إيصال استلام المعاش التقاعدي.”
“نعم، بعد القراءة يتضح الأمر كذلك. لكن ما المشكلة في ذلك؟”
كان ختم جيش وينتشستر الرسمي صحيحًا تمامًا، والمحتوى لم يحمل أي شيء غريب.
بينما كانت تفحص الإشعار من الأمام والخلف بعناية – وقد بدت آثار الطي المتكرر واضحة عليه – قالت يوليا بصوت حذر:
“…جدي متوفى منذ ثلاث سنوات.”
“……”
عمّ الصمت المكتب.
حتى راندولف، الذي كان يُعد الشاي والحلوى، بدا مرتبكًا وكتم أنفاسه، ووصل شعور توتره إلى هنا.
في هذا الفضاء الهادئ، ابتسمت يوليا ابتسامة محرجة وقالت:
“غريب، أليس كذلك؟ لو وصل هذا الإشعار بعد وفاته مباشرة لكان مفهومًا، لكن بعد ثلاث سنوات كاملة… لا أفهم لماذا يصل الآن فجأة.”
“نعم… غريب فعلًا.”
بالتأكيد. أي شخص يراه سيقول الشيء نفسه.
أنزلت تشاي هيون بصرها لتتأكد من التواريخ المطبوعة على إشعار القيادة وإيصال الاستلام.
“هل ذهبتِ إلى البلدية؟”
“آه… أخشى أن يكون إشعار وفاة جدي قد سُجّل بشكل خاطئ، وأن أتعرض لاحقًا لمشاكل أو ضرر بسبب ذلك. إن كان الأمر كذلك، أتمنى أن تساعديني المحامية. أنا… لم أتلقَ أي معاش تقاعدي بعد وفاة جدي.”
يا للعسر.
كانت تنوي رفض المساعدة بعد سماع القصة وإنهاء الأمر، لكن بعد أن سمعت التفاصيل، لم تستطع إطلاق كلمة رفض من فمها.
من جهة، شعرت أن هذا أمر يمكن حله بسهولة نسبية، ومن جهة أخرى، خافت أن تتورط فتزداد الأمور تعقيدًا دون داعٍ.
خدشت مؤخرة رأسها بحيرة، ثم نهضت في النهاية.
“الآنسة ريندل، قومي معي.”
“ماذا؟”
“إن كان المعاش التقاعدي ما زال يُصرف بعد وفاة جدك، فلا بد أن يكون له سجل رسمي. فلنبدأ بالبحث عن ذلك أولًا.”
“…هل ستساعدينني حقًا؟”
“…نعم، نوعًا ما.”
على الأقل الآن.
جمعت تشاي هيون حقيبتها وهي تأمل في سرها أن يكون الأمر مجرد خطأ إداري بسيط.
حين رأى أن صاحبة المكتب تستعد للخروج، غطّى راندولف الحلويات التي أعدّها بغطاء زجاجي.
كانت إيلويز – أو بالأحرى تشاي هيون داخل جسدها – تبدو أكثر اضطرابًا وقلقًا من ذي قبل وهي تجمع أغراضها بتثاقل.
أتكره العمل إلى هذه الدرجة؟
حاولت أن تلصق بهذا الوجه المعقود سببًا مقنعًا، لكن حين قاربته، بدا أن الأمر ليس بهذه البساطة.
لم تلاحظ المرأة النظرة الهادئة الثاقبة التي يراقبها بها الرجل، فرفعت قلم الحبر وسألت نفسها هل يجب أن تأخذه أم لا، ثم وضعته في حقيبتها اليدوية على الفور.
أمسكت القفازات البيضاء المزينة بالدانتيل بيدها دون ارتدائها – كأنها تحملها للإتيكيت فحسب – ثم رفعت رأسها.
التقت نظراتهما قبل أن تتمكن من الالتفات.
لم تكن المرأة التي لم تتفاجأ أبدًا من التقاء النظرات فجأة تتأثر عادةً، لكنها هذه المرة انتفضت وتشنج كتفاها.
ثم ما لبثت أن عبست، كأنها توبخ راندولف على نظرة خفية ألقاها إليها.
اكتفى راندولف بهزة كتف واحدة خفيفة ردًا على نظرتها اللائمة.
* * *
“لقد استُلم المعاش التقاعدي طوال ثلاث سنوات كاملة.”
“…ماذا؟”
لم يسعَ الجميع – تشاي هيون ورفاقها الذين توجهوا إلى البلدية – إلا أن يذهلوا من كلام موظف النافذة.
انحنت يوليا إلى الأمام بجسدها كله.
“هل المعاش المُصرف فعلاً باسم ريتشارد ريندل؟”
“هل جدك هو ريتشارد هاري ريندل، المولود في 15 مارس 1845؟”
“نعم، هو بالضبط.”
“تفضلوا، يمكنكم التحقق هنا.”
قال موظف النافذة وهو يمد الوثائق إلى يوليا:
“كل شيء مدوّن هنا بوضوح.”
“كما ترون، تم صرف المعاش بانتظام منذ مارس 1905 وحتى أبريل من هذا العام.”
تفحصت يوليا النقطة التي أشار إليها الموظف بلطف، ثم سلّمت الوثائق إلى تشاي هيون بوجه مشوش بالحيرة.
كان الأمر حقيقيًا.
كان مبلغ أربعون فرنكًا باسم ريتشارد ريندل يُصرف شهريًا.
“أنا… أنا لم أستلم شيئًا منه أبدًا. منذ وفاة جدي، لم يُودَع في حسابي ولا فرنك واحد من هذا المعاش. أقسم.”
“هل يمكن معرفة الحساب الذي تم إيداع المعاش فيه؟”
تقدمت تشاي هيون وسألت الموظف بصوت أكثر هدوءًا وثباتًا من المعتاد، بينما كانت تُهدئ يوليا بحركة يد خفيفة تمنعها من الاستمرار في الشرح المتوتر.
“نعم، لحظة من فضلكم.”
أخذ الموظف شهادة العلاقة الأسرية وبطاقة الهوية الخاصة بيوليا ريندل، ثم دخل إلى الأرشيف الداخلي، و أعاد الخروج بعد وقت قصير.
“أرجو أيضًا أن تعطوني عنوان إرسال الإيصالات.”
“ها هو… آه، يبدو أن العنوان قد تغيّر مرة واحدة.”
“ماذا؟”
ردت يوليا بدهشة واضحة،
“تغيير العنوان؟”
“الآنسة ريندل، هل عنوانكم هو الشقة 401، شارع شيدفن رقم 3؟”
“لا… لا، أنا أعيش في شارع كوستيسي رقم 29. هذا البيت الذي ولدتُ وعشتُ فيه طوال حياتي.”
“إذن، هل هذا الحساب البنكي العادي للإيداع والسحب هو حسابكم؟”
“لا… ليس هو.”
تتابعت المفاجآت غير المرغوبة.
مع توالي الأحداث غير المتوقعة، احمرّت أطراف عيني يوليا.
ظلت تشاي هيون محافظة على هدوئها طوال الوقت، لكنها عندما رأت الفتاة على وشك البكاء بيأس حقيقي، فتحت فمها كمن يرى أن هذا هو التحدي الأكبر.
نظرت المرأة إلى راندولف بعينين تتوسلان:
“افعل شيئًا ما”.
ماذا تريدين أن أفعل؟
هل تقصدين أن أهدئ فتاة على وشك البكاء؟
وقف راندولف صامتًا للحظة، ثم قال بكلمة واحدة:
“يبدو أن إشعار الوفاة قد فُقد أو أُهمل.”
“……”
نظرت إليه المرأة بذهول واضح، كأنها تقول:
“من لا يعرف هذا؟”
أدرك راندولف أن طلبهما كان فعلاً أن يهدئ الفتاة الباكية، فتراجع خطوة إلى الوراء كمن يقول:
“هذا خارج اختصاصي”.
“إذن… إذن سأقوم الآن بتسجيل إشعار الوفاة بشكل صحيح!”
جمعت تشاي هيون الوثائق وأوقفت يوليا.
“الآنسة ريندل، من الأفضل تأجيل تسجيل وفاة جدك قليلاً.”
“ولمَ ذلك؟”
كانت على وشك الاندفاع لتسجيله فورًا.
شكرت تشاي هيون موظف النافذة، ثم أمسكت بيد يوليا وسحبتها خارج البلدية.
“انظري هنا… كما ترين، تم تغيير عنوان السيد ريتشارد ريندل وحساب استلام المعاش في فبراير 1916. أليس هذا التاريخ هو تاريخ وفاته؟”
“…نعم، صحيح.”
شهقت تشاي هيون شهيقًا خفيفًا بدلاً من التنهيد.
“هذا يعني أن شخصًا ما، بعد وفاة السيد ريتشارد، تعمد القيام بتحويل المعاش إلى عنوان وحساب آخر. وربما لهذا السبب تحديدًا تم إغفال إشعار الوفاة. فلو تم تسجيل الوفاة ومعالجتها بشكل صحيح، لما استمر صرف المعاش.”
“……”
“لذلك، من الأفضل أن نبدأ بالتحقق من هذا العنوان الجديد ورقم الحساب أولاً. حتى لا يتكرر الأمر، علينا أن نفهم كيف حدث هذا ونحله من جذوره.”
ظلت يوليا واقفة مذهولة تستمع إلى كلام تشاي هيون، ثم تمتمت بصوت مرتجف متقطع:
“تقصدين… أن شخصًا ما استغل وفاة جدي واستلم المال باسمه؟ وليس مجرد خطأ إداري؟”
“بالنظر إلى توقيت تغيير العنوان والحساب، يصعب تصنيف الأمر على أنه خطأ روتيني بسيط.”
“إذن…”
لو أردنا الدقة، فالأمر يشمل تزوير وثائق رسمية، وتزوير وثائق خاصة، والاختلاس… لكن قول الحقيقة كاملة قد يدفع يوليا إلى البكاء الشديد، وهذا ما أرادت تشاي هيون تجنبه.
“اليوم تأخر الوقت، والبنوك أغلقت أبوابها. فلنكتفِ بهذا القدر اليوم… هل تودين تناول العشاء؟ أعرف مطعمًا يقدم يخنة لذيذة جدًا. بعد أن نمتلئ جيدًا، سأطلب منه أن يوصلكِ إلى البيت بأمان.”
أشارت تشاي هيون بذقنها نحو راندولف الواقف خلفها:
“ليس أنا، بل هذا الرجل هو من سيقود السيارة ويوصلكِ سالمة.”
كان راندولف واقفًا بهدوء ينظر إلى تشاي هيون فقط، كأنه لا يفكر في شيء، ثم أومأ برأسه أخيرًا.
* * *
فقدت يوليا شهيتها تمامًا، فأنهت تشاي هيون وإياها وجبة قصيرة سريعة، ثم عادت إلى المنزل.
وقفت تشاي هيون طويلاً تحت الماء الساخن المنهمر.
بعد تفكير طويل، قالت ليوليا أنها ستتولى التحقيق في أمر السيد ريندل بنفسها أكثر، وطلبت منها الانتظار حتى تتصل بها.
كان التحرك مع الضحية أثناء التحقيق في القضية يسبب لها إزعاجًا من نواحٍ عدة.
كانت قد عزمت فعلاً على عدم قبول أي طلبات أو قضايا جديدة، مهما كانت.
لكن في اللحظة التي رأت فيها ذلك الشعر البني الداكن الذي يشبه الشاي المغلي الثقيل، وعينيها الدائريتين اللتين تشبهان جوزة البلوط الناضجة تمامًا، عادت إليها ذكرى وجه دفين في أعماق الماضي، فلم تستطع الرفض مهما حاولت.
تلك العينان البنيتان الدائريتان المليئتان بالود والإعجاب والحنين…
ثم تلك العينان نفساهما، وهما تتحولان كجوزة بلوط عفنة متعفنة، تغرقان في الموت…
“…ماذا؟”
رفعت تشاي هيون رأسها فجأة وهي تمسك بالجدار وتتلقى الماء الساخن من فوق رأسها.
كان نفسها القصير الرطب مليئًا بالذهول.
رمشت رموشها المبللة ببطء كما لو كانت تتحرك في حلم.
لماذا لم أنتبه؟
لماذا لم أدرك ذلك حتى الآن؟
تساؤلات بلا إجابة تسبح في ذهنها بلا توقف، ثم تغوص عميقًا في القاع.
أدركت تشاي هيون فجأة أنه منذ حلولها في جسد إيلويز، لم ترَ ولو حلمًا سيئًا واحدًا.
كان المرآة المغطاة ببخار الماء الساخن قد أصبحت غائمة جدًا، فلم يعد وجه إيلويز ينعكس عليها.
لو كان ينعكس عليها وجه إيلويز بدلاً من يون تشاي هيون، لربما كان الأمر أهون قليلاً.
وهي تنظر إلى المرآة الغائمة، شعرت كأنها تقف على ضفة بحيرة محاطة بضباب كثيف.
الجسد الذي احمرّ من شدة الحرارة تحت الماء الساخن كان يحترق كله داخل مكان محبوس بلا مخرج.
جثث منتفخة طافية فوق سطح بحيرة مغطاة بالطحالب الخضراء الداكنة.
جثث محترقة حتى صارت كالفحم داخل حاويات مشتعلة، عاجزة عن الخروج.
مع كل نفس، يندفع بخار الماء إلى حلقها فيخنقها.
رائحة الماء النتنة والدخان الكريه تتعاقبان على تضييق مجرى تنفسها.
وقفت تشاي هيون على الحد الفاصل بين الماء والنار، ثم فتحت باب الحمام وخرجت دون أن تمسح الماء المتساقط عن جسدها، وسقطت على الأرض كمن ينهار.
اصطدمت ركبتاها بالأرض، لكن الألم لم يصل إليها.
انكمشت على نفسها قدر ما استطاعت، ثم غطت وجهها بيديها كمن يفرّ.
اختلطت أنفاسها – هل هو شهيق أم بكاء؟ – وأصبح الأرض مبللة تحتها.
مع عودة الكوابيس، عادت المشاعر المدفونة والذكريات المطمورة إلى الحياة.
الشعور بالذنب لأنها نجت وحدها، والندم لأنها لم تمت معهم.
بدأت يدها تنزلق تدريجيًا إلى أسفل، نحو عنقها الذي يسهل الإمساك به.
وأصبح تنفسها أسرع… و أثقل…
* * *
بعد وقت طويل، وبعد أن غسلت وجهها مرة أخرى فقط، خرجت إلى غرفة الاستقبال.
كان راندولف جالسًا على الأريكة.
كان قد استحم في الحمام الآخر، وارتدى سروالا منزلياً مريحاً و رداءا فضفاضًا، وفتح جريدة أمامه.
بجانبه، كانت هناك بطانية رقيقة مطوية بعناية.
لم يكن راندولف يستخدم غرفة الضيوف الصغيرة المجاورة لخزانة الملابس.
كان يفضل المكان الواسع المفتوح، فأصر على النوم في غرفة الاستقبال طوال الأيام الماضية، حتى تركته تشاي هيون على راحته ولم تعد تجبره.
كانت الأريكة ضيقة جدًا لجسده الطويل الذي يفوق طول إيلويز برأس كامل، لكن ذلك لم يبدُ أمرًا مهما في نظره.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"