حين حرّك يوستار رأسه حركةً خفيفة، انسكب ضوء الثريّا إلى الأسفل، فاصطدم بجوهرة الدبوس المثبّتة في شعره وتناثر الضوء في كل اتجاه.
كان الضوء المتناثر مبهرًا مدت لايلا يدها دون وعي محاولة لمس الدبوس المغروس في رأسه، لكنها تراجعت فجأة وقبضت يدها بإحكام.
هناك شيء ما يتغيّر فكّرت لايلا كان الإحساس أشبه بذلك الوخز اللطيف الذي يلامس الجسد حين تنتفخ التربة الناعمة قليلًا قبيل انبثاق البراعم.
“هل نذهب؟”
ثنى ذراعه اليمنى ومدّه إليها في البداية، كان هذا النوع من المرافقة محرجًا إلى حدٍّ بعيد، لكنها الآن باتت تستجيب له بصورة طبيعية تمامًا.
أمسكت يدها المغطّاة بقفاز قفاز من الدانتيل الرقيق المنسوج بدقة رقيق بذراعه كما لو كانت تلتف حوله، وبدأ الاثنان يسيران ببطء.
كان الطعام قد أُعدّ مسبقًا من أجلهما في قاعة الطعام وبعد أن ارتشفا قليلًا من الشراب الدافئ ذي الطعم الحامض الخفيف، قُدِّم الطبق الأول.
خلال إقامتها في القصر الملكي، تعرّفت لايلا على عدد لا يُحصى من المكوّنات الغذائية التي لم ترَ مثلها في حياتها، بل ولم تسمع بأسمائها من قبل.
في الحقيقة، لم تكن الغرف الواسعة المزيّنة بالجواهر والكريستالات النفيسة، ولا الممرّات الطويلة التي لا يبدو لها نهاية، هي ما أثار دهشتها أكثر، بل تلك التفاصيل الصغيرة البسيطة كانت أعظم وقعًا في نفسها.
من قاعة الطعام التي جلسا فيها، كان يمكن رؤية المدخل الشرقي للقصر الملكي بوضوح عبر نافذة زجاجية كبيرة وسط ليل الشتاء العميق الثقيل، بدت أضواء المصابيح المتناثرة كأزهار تتفتح في الظلام.
وبينما كانت لايلا مأخوذة بتدرّج الظلال في الضوء الخافت، رأت فجأة ظهر طفلٍ شاحبٍ مائل إلى الزرقة ينساب بين أعمدة المصابيح ويختفي في تلك اللحظة، شعرت بقشعريرة باردة تسري في مؤخرة عنقها، فأدارت رأسها نحو يوستار على عجل.
“ما بكِ يا لايلا ؟”
نظر إلى وجهها مرة، ثم أدار رأسه يتفحّص الخارج، لكنه لم يرَ شيئًا وحتى لايلا نفسها لم تعد ترى شيئًا الآن.
“هل كان هناك شيء غريب في الخارج؟”
ترددت لايلا لحظة، ثم تظاهرت بالهدوء
“هل مات كثير من الناس في هذا القصر؟”
“نعم، بالطبع منذ أن بُني القصر، ومع مرور الزمن، مات عدد كبير من الناس لماذا تسألين؟”
“حتى الأطفال… لا بد أنهم ماتوا بكثرة، أليس كذلك؟”
رمش يوستار بعينيه بهدوء وبينما كان يكسر بطرف شوكته قطعة شو رقيقة مقرمشة
“نعم، كثيرون بعضهم مات بسبب المرض، وبعضهم قُتل هل رأيتِ طفلًا؟”
أومأت لايلا برأسها.
“رأيتُ ظهره فقط أراهم أحيانًا لا أعرف لماذا يظهر الأطفال بكثرة، لكن…”
وفي تلك اللحظة، كانت لايلا قد أدارت رأسها نحو النافذة بلا اكتراث، لكنها فجأة انتفضت وتراجعت بجسدها إلى الخلف.
كان الطفل الذي ركض قبل قليل قد عاد، والتصق بالزجاج، محدّقًا فيها بعينين ثابتتين.
متى عاد؟ فكّرت لايلا لقد تلاقت أعيننا لا بد أنه أدرك أنني أراه ماذا يريد…؟
“لايلا ، انظري إليّ.”
تحوّل نظرها نحوه مدّ ذراعه وأمسك يدها كما لو كان يضمّها
“انظري إليّ.”
“حسنًا…”
“وأنتِ، اكتفي بالنظر إليّ.”
ترددت
“لكن هذا لن…”
“لن يحلّ الأمر، أعلم لكنهم سيختفون قريبًا هل سبق أن خاطبكِ أيٌّ منهم مباشرة؟ لم يحدث، أليس كذلك؟”
حين فكّرت في الأمر، وجدت أن كلامه صحيح كان قصر سييرَو الملكي مكانًا يكثر فيه ظهور الأشباح إلى حدٍّ يجعل المرء يتساءل كيف يواصل الأحياء العيش فيه، لكنها لم تكن تظهر في مجال رؤية لايلا إلا للحظات قصيرة ثم تختفي.
لم تكن طاقتها قوية، ولم يكن معظمها يحمل ضغائن أو تعلّقًا شديدًا بالأحياء.
باستثناء جدّة يوستار.
“لا تقلقي اتركيهم وشأنهم سيبقون متى ما شاؤوا، ثم يرحلون.”
“وكيف تعرف ذلك، يوستار؟”
“لا أستطيع أن أراهم بوضوح مثلكِ، لكنني عشت هنا طويلًا أحيانًا أشعر بهم وأحلم كل ليلة.”
وخلال حديثه، كان الطفل الملتصق بالنافذة قد اختفى دون أثر.
هزّت لايلا رأسها، وهي تستحضر في ذهنها تلك العينين الدائريتين السوداوين، ثم بدأت تأكل الطعام في طبقها كان طبق السمك، الذي قُرمش جلده فقط وبقي لحمه طريًا مطهوًا على البخار، رائعًا، لكن الطعم لم يصل إليها كما ينبغي.
“سبق أن تحدّثت دوقه هيميرد عن هذا الأمر.”
“عن ماذا؟”
حرّكت لايلا أدوات المائدة بآلية، وأجابت بهدوء
“قالت إن النوم في هذا المكان سيكون صعبًا في ذلك الوقت لم أفهم قصدها ، لكنني أدركت لاحقًا الأصوات التي تُسمع ليلًا، والكوابيس التي تزور النوم الخفيف… والآن، بعد أن اعتدت حتى على ذلك، يبدو الأمر مضحكًا.”
ارتسمت على شفتي يوستار ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، ثم تلاشت سريعًا.
بعد ذلك، أنهى الاثنان وجبتهما دون أن يتبادلا حديثًا يُذكر قُدِّم الحلوى ميلفوي محشوّ بالزبدة والمكسّرات فوق صلصة شوكولاتة دافئة.
بالنسبة إلى لايلا ، التي لم تعتد تناول الحلويات سوى الفاكهة قبل مجيئها إلى القصر، كان الطعم قويًا إلى حدٍّ جعل لسانها يؤلمها.
“بعد أن ننتهي من الحلوى، ما رأيكِ أن نخرج في نزهة قصيرة؟”
فتحت لايلا عينيها على اتساعهما، وحدّقت فيه، ثم حوّلت نظرها إلى الخارج كانت أغصان الأشجار ترتجف وتتلوّى تحت رياح الشتاء.
“سيكون الجو باردًا.”
“نرتدي ملابس دافئة فحسب قد يساعدنا الهواء البارد على تحسين المزاج.”
تحرّك طرف شفتي لايلا قليلًا، كأنها توشك أن تبتسم، لكنها لم تفعل.
“لستُ في مزاج سيئ لكن أظن أن النزهة فكرة جيدة.”
ابتسم يوستار ابتسامة صافية.
“حسنًا إذن لنتجوّل في مكان هادئ.”
لكن قبل أن يتمكّنا من أكل نصف الحلوى، سُمعت خطوات مسرعة تقترب من قاعة الطعام فُتح الباب، فالتفت يوستار ولايلا في آنٍ واحد.
كان غالِن كان يلهث حتى كاد ينقطع نَفَسه انحنى لهما انحناءة قصيرة
“سموّ الأمير، السيدة كريسلاد طرأ أمر يستدعي حضوركما على وجه السرعة وصل تقرير من السيد فيليكس، رئيس مقرّ كيرون.”
تلاقت نظرات لايلا ويوستار للحظة ثم قال يوستار
“حسنًا ، اذهب أنت أولًا يا غالِن.”
“نعم ، أعتذر عن الإزعاج أثناء الطعام.”
وما إن غادر غالِن، حتى دفعت لايلا طبق الحلوى الذي لم يُستكمل، ومسحت فمها بمنديل ناعم، واستعدّت للنهوض أما يوستار، الذي كان على وشك أن يقول إن الأمر ليس بتلك العجلة، فاكتفى بهزّ كتفيه ونهض خلفها.
“يبدو أن التوقيت لا يرحم.”
نظرت إليه لايلا بطرف عينها، وأطلقت ضحكة خافتة متسللة مع نَفَسٍ قصير.
***
غسقُ مساءِ الشتاء قصيرٌ في غمضة عين يبهت الشفق، ويشتدّ الظلام في طريقٍ غابيٍّ تسير فيه شقيقةٌ وأخوها الصغير، وقد احمرّت أطراف أنوفهما من شدّة البرد.
قال الصبي، الذي بدا في السادسة أو السابعة من عمره، وهو يركل حجرًا بضجر
“سأموت من البرد، يا أختي.”
فأجابته أخته ميرييلا، وهي تُدخل يده أعمق في جيبها
“لهذا قلتُ لك أسرِع في المشي يا فين.”
“الطريق زلق ألم أقل لكِ إن علينا التوقف عن جمع الفطر؟”
ولمّا استمرّ في التذمّر، نفد صبر ميرييلا في لحظة، فرفعت قبضتها الصغيرة وكأنها ستضرب رأسه.
“يا أحمق! ألا تعلم كم يصعب العثور على فطر الثلج؟ جدّتنا تؤلمها ركبتاها ولا تستطيع النهوض منذ أياميقولون إن شرب منقوع فطر الثلج يُحسّن حالتها.”
قال متأففًا
“تفو! لماذا تضربينني؟ أنا أعلم ذلك أيضًا!”
سحب فين يده بغضب فجأة من جيب أخته واندفع يركض إلى الأمام كانت ميرييلا تسير بحذر فوق الطريق المغطّى بطبقة رقيقة من الجليد، لكنها توقّفت فجأة وهي تصرخ
“آه!”
التفت فين إلى الخلف.
“ما بكِ يا أختي؟”
“يا للمصيبة، نسيتُ السلة التي وضعت فيها أمّنا طعام الغداء! وكان فيها المنديل أيضًا.”
“ماذا؟”
انعقد جبين فين الصغير كان الظلام قد ابتلع الغابة، حتى بات من الصعب رؤية ما أمامهما، والسماء ملبّدة كأنّ مطرًا متجمّدًا على وشك الهطول لا يزال شيء من ضوء القمر حاضرًا، لكن غيومًا سوداء كثيفة كانت تتجمّع من بعيد.
“فين، يجب أن نعود ونحضر السلة.”
“كيف نعود الآن؟ أنا متجمّد حقًا لنذهب غدًا يا أختي.”
“لا، لا يجوز ذلك المنديل هدية أبي لأمّنا ماذا لو عبثت الحيوانات بالسلة ومزّقته؟”
لكن فين أصرّ على موقفه ولم يتحرّك خطوة واحدة.
قالت بعد تفكير
“حسنًا، افعلْ هكذا عدْ أنتَ إلى البيت أولًا، وأنا سأرجع لأبحث عن السلة خذ هذا.”
وضعت ميرييلا السلة التي فيها الأغصان والفطر في يد أخيها لم تكن ثقيلة، ومع ذلك بدا على فين الانزعاج وهو يكاد يبكي
“قلتُ نذهب غدًا!”
“أسرِع إلى البيت! الوقوف هنا سيجعلك تشعر بالبرد أكثر إن سقط أنفك من التجمّد فلن أتحمّل المسؤولية.”
“حتى لو وبّختني أمّنا فلن أبالي!”
صرخ فين ثم استدار بعنف وبدأ يمشي وبينما كانت ميرييلا تتوغّل في الغابة، صرخت خلفه
“انتبه لئلا تنزلق يا فين! وإياك أن تُسقط فطر الثلج! يجب أن نقدّمه لجدّتنا سليمًا!”
“حسنًا!”
تردّد صوت فين، وهو يجيب بنبرة حادّة، رنّانًا على امتداد الوادي الضحل هزّت ميرييلا رأسها يمينًا ويسارًا وهي تنظر إلى أخيها الطائش، ثم أسرعت راكضةً نحو طريق الغابة الذي غمره الظلام.
كان فين يهزّ السلة وهو يختار المواضع التي غطّاها الجليد الرقيق لينزلق عليها كان ينتعل جوارب محشوّة بالقطن صنعَت من ثياب قديمة لم تعد صالحة للّبس، لكن ارتداء القباقيب الخشبية في مثل هذا الفصل كان يجعل قدميه تتجمّدان من شدّة البرد ومع ذلك، كان الانزلاق فوق الجليد ممتعًا.
وبينما كان فين ينزلق بسلاسة فوق الجليد، كاد أن يُسقط السلة، فاضطرب على عجل وأعاد تثبيت جسده.
أما ميرييلا، فقد تجمّدت أطراف أصابعها واحمرّت وهي تجمع فطر الثلج ولو علمت أنّ فين عبث أو أتلف الفطر أثناء لعبه، فلا شكّ أنّها كانت ستثور عليه غاضبة.
“يا بُنيّ.”
توقّفت خطوات فين المتتابعة فجأة أدار رأسه وأخذ ينظر حوله، ثم أطبق شفتيه بإحكام حين لفحه هواء بارد هبّ من أعماق الغابة أخذت أطراف أذنيه توخز من شدّة الصقيع.
“يا بُنيّ.”
وحين همّ فين أن يستأنف سيره، عاد ذلك الصوت الخشن الغليظ ليوقفه مرةً أخرى، كأنه يشدّه من مؤخرة عنقه كان صوتًا غريبًا؛ كأن الغابة بأكملها تتردّد به، أو كأن الريح المتجمّدة تتكسّر، ثم تتجمّع قبل أن تهوي فجأة.
“من هناك؟”
قال فين وهو يلتفت حوله.
كان صوته المرتجف بالكاد يُسمع من شدّة الخوف أكان ذلك وهمًا؟ أم أنه أساء السمع إلى صوت الريح؟
في تلك اللحظة، صدر صوت رنينٍ معدنيٍّ خافت من بين أشجار الشوح المتكاثفة.
التعليقات لهذا الفصل " 72"