شدّدت لايلا قبضتها على أصابع قدميها، وهي تنظر إلى الأرض بقلب قلق، دون أن تفقد تركيزها شعرت أن سرعة رسم النقش كانت بطيئة بشكل لا يصدق.
الظل.
فكرت لايلا
خلف سحابة الغبار التي كانت تتجمع وتتشتت، ظهر ظل.
كان منبطحاً، متوتراً ومشدوداً كالسهم قبل انطلاقه، ومتربصاً كالزاحف قبل الانقضاض.
‘إنه قادم.’
تلك اللحظة، ومع دوي هائل اجتاح القرية الفارغة كالعاصفة، وثبتت أليس من مكانها واندفعت لتنقض على ليلى. وفي الـتـزامُن ذاته، اكتمل التحام نهايات النقش السحري، فاندفعت شفرات حادة كالحِراب من الأرض الرمادية.
”آه—!“
تشابكت شفرات الحِراب والتفّت حول جسد أليس وحبستها، فغدت لا تستطيع الحِراك كانت تتلوى وتطلق صرخات بشعة، فبدت كحشرة عملاقة غُطيت بالمبيدات الحشرية.
”اتركوني، فُكّوا هذا—! فُكّوه فوراً—!“
تراجعت لايلا بضع خطوات وهي تحدق بعينين متسعتين لقد نجحت في إمساك أليس، ولكنها لم تعد تعلن ما الذي يجب فعله الآن.
ما لم يكشف الشيء الذي يحتل جسدها وعقلها عن نفسه، فلن تتمكن لايلا من القيام بعملية الالتباس
اهتزّ السجن المصنوع من شفرات الحِراب بشكل مائل مصدراً صوت ارتطام قوي! لم تكن تلك قوة يمكن أن يطلقها إنسان.
كانت أليس على وشك تدمير السجن المكون من القوة السحرية، والمستخدم لاحتجاز الوحوش السحرية.
”تَعَالَي إلى هنا، أيتها اللعينة—!“
امتد ذراع أليس المنثني فجأة عبر القضبان سُمع صوت طقطقه وبدا كأن العظام قد انخلعت لتطول الذراع محاولة الإمساك بياقة لايلا.
في تلك اللحظة، شمّت لايلا رائحة مألوفة مختلطة بالغبار العكر.
عندما تراجعت متفادية يد أليس بسرعة، رأت شعراً بلاتينياً طويلاً يلمع تحت ضوء الشمس الباهت.
هل هذا هو شعور مقابلة حاكم في قلب الجحيم؟ شعرت لايلا بلحظة خلاص.
”يوستار!“
عندما نادت لايلا باسمه، أدار يوستار رأسه ونظر إليها.
ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيه… وتوقفت خطى لايلا للحظة بينما كانت تقترب منه.
لماذا؟ بينما كانت لايلا في حيرة، اقترب يوستار من أليس التي كانت تتخبط محتجزة في القفص الحديدي كانت الآن قد فقدت عقلها تماماً، تطلق العواء وتكشر عن أسنانها كالوحش.
”يوستار، كن حذراً قد يحدث…“
في اللحظة التي فتحت فيها لايلا فمها، مدّ يوستار ذراعه بسرعة داخل القفص الحديدي ووضع يده عميقاً في فم أليس المليء بالأسنان، وراء حنجرتها حدث الأمر بسرعة فائقة لدرجة أن لايلا لم تستطع حتى أن تصرخ.
ومع ذلك، لم يكن يوستار هو من صرخ.
”آه—! كَهْ، قُحْ…!“
بدأ جسد أليس المُنكمش بالاهتزاز العنيف.
أمسك يوستار بفكي أليس بيد، وكانت يده الأخرى لا تزال مغروسة في عمق حلقها وهو يشدّ بقوة بدا وكأنه يحاول اقتلاع جذر مغروس بعمق في الأرض.
”البشر الذين تستبد بهم العواطف هم دائماً من يخلقون المتاعب المرهقة.“
في اللحظة التي نطق فيها يوستار بذلك، اتسعت عينا لايلا على مصراعيها.
رأت ألسنة اللهب تضطرب داخل بؤبؤ عينيه تحول طرف شعره البلاتيني إلى اللون الأحمر المتوهج، ثم أصبح أسود.
لقد كان الديسيبتور
شقّت صرخة أليس الأخيرة السماء الرمادية الغائمة خرجت كتلة لزجة، سوداء ومقززة، من داخل حلقها كانت تتلوى كأنها حية في يد يوستار، أو بالأحرى في يد الديسيبتور.
”لقد طال بقاؤك، لكنك لا تبدو لذيذاً بما يكفي لتؤكل.“
نظرت لايلا إلى المشهد وهي تحبس أنفاسها تقلصت الكتلة الضخمة تدريجياً في يده حتى أصبحت بحجم قبضة طفل.
قذفها الديسيبتور في فمه وابتلعها سُمع صراخ وأنين من داخل فمه.
”أليس! يا ابنتي!“
في تلك اللحظة، سُمع صوت عويل من بعيد كان دونوفان.
”أليس!“
اختفى سجن الحِراب، وظهرت أليس، التي كانت قد استُنفدت تماماً، طريحة في مرمى بصر لايلا.
احتضن دونوفان جسد أليس المترهل وانتحب فوقها.
“لقد ماتت.”
فكرت لايلا.
وفي اللحظة التي خرجت فيها تنهيدة إرهاق، صرخ دونوفان وهو يحتضن ابنته ويبكي.
”يا إلهي!“
فُتحت عينا أليس، اللتان كانتا مغمضتين كالميتة، بخط رفيع فتحت لايلا شفتيها بذهول وهي ترى المشهد.
كان وجه أليس التي استعادت وعيها سليماً تماماً اختفت آثار التشويه البشع، وأصبح وجهها نظيفاً وناعماً بلا أي جروح.
”…أبي؟“
”أليس! يا إلهي، لا أصدق أههه…“
عنقت أليس والدها بوجه حائر لا تعلن ما الذي حدث.
وفيما كان دونوفان منحني الرأس يبكي متشبثاً بابنته.
”لايلا.“
فزعت لايلا وتراجعت قافزة.
رأت عينيْن خضراويتين بلون الربيع المنعش.
”…يوستار؟“
ابتسم يوستار بابتسامة باهتة، بدا على وجهه بعض الإرهاق.
”نعم، أنا هو.“
ارتفع حاجب لايلا بحدة من الإجابة التي بدت هادئة للغاية.
وفي اللحظة التي كانت على وشك الانفجار غضبًا
”أعلم أنك غاضبة مني، لكن لنتعامل مع السينك أولاً، ثم نتحدث انظري، هناك.“
أدارت لايلا رأسها ونظرت إلى حيث أشار يوستار كُشف عن حفرة سوداء قاتمة لم تُرى من قبل بدا أن اللعنة التي كانت تخفي السينك قد انتهت بعد أن أزال الديسيبتور الشيء الذي كان داخل أليس.
”لنغلق السينك أولاً، قبل أن يمتص طاقة أخرى هذه القرية كلها ملعونة اللعنة متأصلة في كل مكان إذا تجمعت، سيصعب السيطرة عليها مرة أخرى.“
أجابت لايلا وهي تزم شفتيها
”سيتعين عليك أن تشرح لي كل شيء بالتفصيل لاحقاً، يوستار.“
مضت لايلا قُدماً، وأطراف سترتها ترفرف نظر يوستار إلى ظهرها العازم، وأرخى حاجبيه وابتسم بوهن.
***
على الرغم من رفضهما الشديد، لم يستطع دونوفان أن يسمح ليوستار ولايلا بالمغادرة دون أن يصطحبهما إلى منزله.
كان جسد أليس سليماً كالمعجزة من المؤكد أن التغيرات التي حدثت لجسدها عندما كان الشيء بداخلها لم تؤثر على أليس الحقيقية.
لقد صُدمت بوجهها أكثر من أي شيء آخر صرخت بعدم تصديق، وأجهشت بالبكاء وهي تحدق بوجهها في المرآة.
دونوفان، الذي بالكاد توقف عن البكاء في طريق عودتهما إلى المنزل، احتضن ابنته وانتحب مرة أخرى، وعندها فقط هدأت الأمور.
بعد الانتهاء من الوجبة التي أعدها الأب وابنته، نادت لايلا على يوستار ليرافقها إلى الخارج كان قد فك شعره الذي كان مربوطاً لأعلى، وبدا متعباً، لكنه تبع لايلا بطاعة.
”هل يجب أن أستعد للتوبيخ؟“
قال يوستار عندما وصلا إلى مكان يبعد بضع خطوات عن منزل دونوفان عندئذ، استدارت لايلا فجأة نحوه ونظرت إليه نظرة غضب جامد.
”كيف فكرت في إدخال شيطان؟“
شدّ يوستار شفتيه بخط مستقيم، يفكر في إجابته.
”لو لم أفعل ذلك، لكنا قد اضطررنا لقتل أليس أيضاً.“
”مهما كانت الظروف مستعجلة، فأنت…“
”هل كنتِ لتقبلين بموت أليس؟“
”ليس هذا ما أعنيه! قصدي…!“
تلاشت كلمات لايلا وتجعد وجهها أكثر.
كيف يمكنها أن تعبر عن ذلك؟ في اللحظة التي سمعت فيها سؤال يوستار، فكرت لايلا: ‘فضلتُ أن تموت أليس على أن أرى الشيطان يلتهمك ويحدث لك سوء.’
كانت فكرة قفزت إليها غريزياً دون أن تتمكن من إيقافها أو التفكير فيها، وقد صدمتها هذه الفكرة.
أخرجت لايلا أنفاساً مضطربة، وداسَت الأرض بعنف وهي تشدّ قبضتيها ورغم أنها كادت تصرخ صرخة قوية عجزاً عن كبح غضبها، إلا أنها ضغطت على رأسها بكل قوتها بدلاً من ذلك.
“توّقعتُ أن لايلا لن تقبل بتضحية أليس ولهذا الغرض، استدعيتُ الديسيبتور الخلاصة هي أننا أنهينا المسألة بسرعة ودقة، أليس كذلك؟ بالإضافة إلى أن السينك قد اختفى.”
لم تعجبها نبرته التي كانت تحمل نوعاً من الاسترضاء.
نظرت لايلا بعيداً وحاولت كبح غضبها المتصاعد.
عندما اقتربت من موقع السينك المخفي، تدفقت ذكرياته دفعة واحدة نحو لايلا.
تسللت إليها مشاعر مثل الضغينة والكراهية والغضب المتشابكة بين القريتين، وشعرت أن جزءاً منها لا يزال باقياً في جسدها مثل شوكة سمكة لم تستطع بصقها.
ربما لهذا السبب كانت عواطفها تضطرب بشدة.
”لن يضيع أحد ويموت هناك بعد الآن يمكن اعتبار الأمر قد تم حله بنجاح.“
في اللحظة التي قضى فيها يوستار على السينك، تحولت فينوسهيس وهويرهيس إلى غبار وانهارت حرفياً في وقت واحد كل ما تبقى صامداً بسبب اللعنة، استعاد الآن شكله الحقيقي.
يمكن اعتبار ذلك راحة.
ويمكن اعتبار الأمر حُلاً جيداً، كما قال يوستار.
ولكن…
”ومع ذلك، لا يمكنني القول بأن قرارك كان حكيماً.“
ابتسم يوستار بمرارة على كلام لايلا.
”سأضبط نفسي في المرات القادمة.“
”تضبط نفسك؟“
استدارت لايلا بعنف ورمقت يوستار بنظرة مرعبة.
كانت عيناها تتوهجان كالـغَـسَـق الصيفي، بالرغم من أن الشفق كان قد زال بالفعل.
“لا تفعل ذلك مجدداً أبداً.”
“لايلا ، أعلم مدى قلقك، ولكن… لم يُلحق الديسيبتور أبداً ضرراً بالغاً إلى هذا الحد صحيح أنني أنا أيضاً أجد الأمر مزعجاً.”
“لا أظن أنك تقول ذلك جهلاً، لكني مضطرة للقول لا تعتقد أن الشيطان سيبدي لك أي اعتبار يا يوستار كان الوضع جيداً حتى الآن؟ لا أحد يعلم ما سيحدث غداً الشيطان ليس تابعاً سهل الاستخدام تستطيع أن تتلاعب به كما يحلو لك.”
لفظت لايلا أنفاساً خشنة بعد أن رمته بكلماتها الحادة.
“سأدخل أولاً.”
مرّت بجوار يوستار ببرود كريح الشمال في منتصف الشتاء.
وعندما اختفى أثر لايلا ، تمايل دخان أسود خلف كتف يوستار ووصل إلى أذنه همس الديسيبتور الذي لا يسمعه سواه
— يا للسخرية ساحرة تخاف مني هكذا.
لوّح يوستار بيده بضجر.
“ابتعد واختفِ، ولا تخاطبني في أذني.”
سُمع صوت ضحك مدوٍ.
— أنت أيضاً أصبحتَ فظاً جداً معي مؤخراً لا يهمني أن يقع الاثنان في الحب، لكن لست تخطط لشيء لا طائل منه، أليس كذلك؟
تذكّر يوستار فجأة أن لايلا نسخت نقش العقد المرسوم على ظهره.
ولأول مرة، شعر بالامتنان لأن الديسيبتور لا يستطيع قراءة أفكاره.
“قلت لك اخرس واذهب إلى الجحيم.”
مع صوت ضحك مقزز، تلاشى الدخان سريعاً تنهد يوستار وهو ينظر إلى الطريق المؤدي إلى فينوسهيس وهويرهيس.
في المستقبل، سيتعين عليه وعلى لايلا الوقوف عند مفترق طرق مراراً وتكراراً.
هل سيكون قادراً على اتخاذ الخيار الحكيم في كل مرة؟ هذا أمر لا يمكن معرفته الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 67"