ما إن انتهى الكلام حتى انهار نصف وجه أليس السليم كبرجٍ من الطين.
شعرت لايلا بقشعريرة تجتاح عمودها الفقري حتى خُيّل إليها أنّ عظامها كلها تبرد دفعةً واحدة، فشدّت ما تبقّى من قوتها في ساقيها
كانت أليس قد قرأت مخاوف لايلا كلّها بوضوح وأشبه بعصفورٍ مبحوح الحنجرة يصدر صوتاً متقطّعاً، اقتربت من لايلا ومدّت أصابعها الشاحبة تمسح بها محيط عنقها مسحاً خفيفاً كأنّها تتحسّسه.
“لذا كنتُ أحمي هذه الفتاة طوال هذا الوقت أليس كذلك؟ لو لم أكن هنا لكانت هذه المسكينة قد ماتت منذ زمن بعيد إمّا على يد أبيها، أو بيدها هي نفسها ولو أنني تركتُ هذه الفتاة الآن، لما عاشت سنةً كاملة قبل أن تموت أتريدين ذلك؟”
أما لايلا فظلّت رافعةً رأسها لا تتحرك وكانت أصابع أليس باردةً كالثلج، وبدا أنها قادرة في أي لحظة على أن تقبض على عنقها أو تثقبه
“إنك ترتجفين لا بدّ أنك تخافيننب بالطبع، يجب أن تخافي فأنا قادرة على أن أنتزع حياتك في هذه اللحظة لكنّ جسدك يغويني أكثر من ذلك… سيكون أنفع لي بكثير من هذه الفتاة.”
همست أليس بذلك بصوتٍ يشبه تغريد الهمهمة، إلا أنّه لم يكن مما يسرّ السمع.
كان صوتاً لا يسمع إلا في الكوابيس أحسّت لايلا بأن دمها يبرد في عروقها، فأغمضت عينيها بشدة، ثم أطلقت نفساً طويلاً على غير إرادة منها، قبل أن ترمق بعينيها أليس وهي تتحرك ببطء.
إن الشجرة التي تخاف الشتاء لن تثمر طوال حياتها تمتمت لايلا في ذهنها بجملةٍ كانت قد قرأتها يوماً.
لم تكن تعلم لمَ خطرت في ذهنها الآن لعلّ المشهد المظلم الممتلئ بالغبار والرماد، كالقبر، ذكّرها بالشتاء؟ كان الهواء البارد ينساب بين شقوق الخشب المفتوح كأنه يهبّ من أعماق الصقيع.
تباعدت شفتا لايلا المنطبقتان ببطء.
“…لكن انظروا، أيها المرضى التائهون إنّ الشجرة التي كشفت جسدها طوعاً أمام الصقيع حتى ماتت، تحيا من جديد مع الربيع، وتخرج أزهاراً وثماراً جديدة.”
ارتجفت حاجبا أليس قليلاً.
“ما هذا الكلام؟”
كانت عينا لايلا الحمراوان تلمعان وهي تحدّق في أليس دون أن تخفض رأسها.
“أعني أنني لا أخاف منك.”
تشنّج وجه أليس المشوّه وانكمش.
في تلك اللحظة، انطلقت من بين أصابع لايلا، المختبئة في جيبها، بطاقةٌ رقيقة وكأنها انزلقت خارجاً من تلقاء نفسها.
كانت أداةً سحرية—الليل المستعار
“ما هذا…؟”
ارتدّت أليس خطوةً إلى الخلف، وفجأةً انطمس كلّ ما أمام عينيها في سوادٍ حالك.
ظلمة فوق ظلمة، طبقةٌ أخرى من القتام تُسدل على الأولى، حتى غمرها ظلامٌ أشدُّ ظلامٌ أثقل وأكثف من أعمق ظلمةٍ في الليل
انطلق هديرٌ منخفض صوتٌ لا يخرج إلا من حنجرة وحش غير أنّ لايلا لم تتردد، وانطلقت راكضةً لتخرج من ذلك المكان.
أنا في وضعٍ غير مؤاتٍ هنا.
لكن كم ستستطيع الهرب؟ قاومت رغبتها في الالتفات خلفها وركضت بكل ما أوتيت من قوة نحو خارج القصر ثم دفعت مشبك السوار المثبّت على ذراعها إلى اليمين.
“أتظنين أنك ستفلِتين مني؟!”
انفجرت صرخةٌ وحشية من الظلام المتراكم. وفي تلك اللحظة، ارتفعت قدما لايلا قليلاً عن الأرض بفعل القوة التي اجتاحتها. وما إن لامست قدماها الأرض من جديد حتى انطلقت أماماً بسرعةٍ خاطفة، كأنّ الريح تدفعها.
“تعالي هنا! قلت لك تعالي! أين ذهبتِ؟!”
ومع صوت طقطقة، بدا كأنّ جسد أليس يسطح كلياً ثم ينكسر فجأة ليأخذ شكل العنكبوت.
كانت تحرّك يديها وقدميها في اتجاهاتٍ مختلفة وهي تشقّ طريقها خارج الظلمة التي نشرتها الليل المستعار.
رغم أن تلك الظلمة الغليظة كانت واسعة، إلا أنّ سرعة أليس كانت أعظم بكثير.
سمعت لايلا صوتها وهي تزحف نزولاً على الدرج، فدفعت الأرض مرة أخرى في تلك اللحظة تذكّرت ما قاله لها يوستار.
—تذكّري يا لايلا لا يجوز استخدام الـرانر لمدة تتجاوز عشر دقائق متواصلة إنها أداة سحرية، لكنها تستهلك القدرات الجسدية للمستخدم وإذا تجاوز استخدامها عشر دقائق، تصابين بإجهادٍ حاد ويزداد الضغط على الجسم لهذا يتناوب الفرسان على استخدام الرانر في مطارداتهم، وفق استراتيجية محددة.
لسوء الحظ، لا رفيق لي أتقاسم معه الاستراتيجية فكرت لايلا.
كان الرانر هو نفسه الأداة التي استخدمها يوستار حين هرب بها من ريجيكوس وكذلك الليل المستعار
ولم يسبق للايلا أن استخدمت هذه الأدوات وحدها قط فكان يوستار دائماً معها، وما إن تُفَعِّل أداةً أو تصنع غلافاً حتى يتولى هو بقية الأمور.
لكن يوستار ليس هنا الآن.
كانت أليس تطاردها بسرعة لا يكاد يُصدّق أنها بشرية أرادت لايلا إيقاف الرانر قليلاً لكنها لم تستطع.
فما إن تبطئ قليلاً حتى تمسك بها أليس، فتسحبها إلى داخل القصر مجدداً، أو ربما تقتلها قبل ذلك.
—تعالي إلى هنا! تعالي حالاً! أيتها الساحرة الحقيرة كالفأر!
كان الصوت خلفها لم يعد صوتَ بشر، بل كان أشبه بطنين آلاف الحشرات وهي تصدر حفيفاً مرعباً.
قفزت لايلا للأمام كأنها تنزلق، لكن مفترق الطرق الذي ينبغي أن يظهر لم يبدُ في الأفق.
“اللعنة.”
تمتمت لايلا بشتيمة قصيرة وهي تواجه درباً غريباً في الغابة ومن خلفها دوّى ضحكٌ خافتٌ مقرف.
—قلت لك إنك لن تهربي! قلت لك إنك لن تهربي! لم يفلت من يدي شيء قط لم يهرب أحد قتلتهم جميعاً! جميعاً قتلتهم!
جميعاً حتى وهي تهرب كانت لايلا تكرّر الكلمة في عقلها لم تكن تعني أهل القرية فقط بل ربما أيضاً ذلك الرجل من هويرهيس الذي هرب معها… الرجل الذي خانها وتركها لا بد أنه مات هو أيضاً…
كانت الدروب متشابكة، ما إن تتقدّم حتى تجد نفسها عائدة إلى ساحة فينتوسهيس.
لن ينتهي هذا أبداً كانت تلهث وبدا أنها لم تصل بعد إلى عشر دقائق، لكن ركبتيها ترتعشان وكاحلها يؤلمها كانت تستطيع الركض، لكن ما إن تتوقف حتى يصرخ جسدها كلّه ألماً.
يجب أن أوقف حركتها أو أبطئها ولو قليلاً لكن كيف…؟ كيف؟
عندها التفتت لايلا نحو قصر فينتوسهيس كان جدارُه الخارجي الضخم المغلّف بالرماد يبدو صخرةً أكثر منه بيتاً.
—سأقتلك! سأقتلك! سأقتلكم جميعاً! سأقتلك وأقتل تلك الفتاة أيضاً وأقتل ذلك الرجل الذي كان معك!
ارتدّ إلى ظهر لايلا صوت ارتطامٍ عنيف، كصوت شجرة ضخمة تنكسر بالكامل، مصحوباً بصراخ أليس التفتت لايلا بسرعة لترى أليس تقترب بسرعة مذهلة، مغطاة بجروح وخدوش.
ما في داخل أليس ليس له جسد، لكن أليس نفسها بشر… تُخدش فتنزف، تُضرب فتتكسر عظامها.
تتكسر…
تكسر العظام… لا بأس.
عضّت لايلا على أسنانها وسارت إلى الخلف، وقبل أن تغرس فيها الأسنان الطويلة التي ملأت فم أليس، فعّلت الرانر من جديد.
انزلقت مبتعدةً بسرعة، فيما انطلقت من أليس صرخة غضب وهي تحرّك عنقها بحدة.
ما دام لا تموت هكذا، فذلك الشيء داخلها يتحكم فيها بقوة إنه لا يريد قتل أليس بعد… ربما لا يستطيع أن يتحرّك بقوته من دونها.
—قفــي!
هبّت أليس فوق الأرض كالعنكبوت مرة أخرى، ذراعان وساقان تتحرك بسرعة مجنونة حاولت لايلا التحكم بدقة في قوة الرانر كما كان يفعل يوستار، لكنها لم تكن تملك خبرته.
فانطلقت بأقصى سرعة نحو قصر فينتوسهيس، نحو الجدار الهائل الصلب الذي بدا كأنه لن ينهار ولو بعد ألف عام.
ومن خلفها سمعت لايلا صوت فم أليس وهو ينفتح على اتساعه.
وفي اللحظة التي كانت أطولُ أنيابها الحادّة تستعدّ فيها لافتراس عنق لايلا، غيّرت لايلا مسارها فجأة—بعد أن كانت مندفعةً بخطّ مستقيم نحو الجدار—وانعطفت بقوة في اللحظة الحاسمة.
—كـــــــــوااااانغ!
دوّى صوت هائل، وتدحرج جسد لايلا مرات عدّة فوق أرض صلبة.
“آغ…!”
أطلقت لايلا صرخة خافتة عندما ارتطم ظهرها بعمود بئر الماء المتين ، ظهرها وعنقها وكتفها كانت تصرخ ألماً، ومعصمها الأيسر آلمها كطعنة سكين لكن لم يكن هناك وقت للتأخير.
“هَه… هَه…”
أخذت لايلا تلهث، واتكأت بيدها اليمنى على الأرض لترفع جسدها المُحطَّم.
ارتفع غبار كثيف من الموضع الذي ارتطمت فيه أليس. هل انهار الحائط؟ لا، لا بدّ أن ذلك غير صحيح لو انهار الحائط لما كان المكان هادئًا إلى هذا الحد.
لم يعد الـرَانَر صالح للاستخدام.
كانت ركبتاها المرتجفتان بالكاد تحملانها واقفة حتى قطع ثلاث خطوات من مكانها كان يتطلّب منها تركيز كل قواها، وإلا كانت ستنهار لا محالة.
هل ماتت؟
لا، لا يمكن أن تكون قد ماتت.
ولكن إن كانت قد ماتت حقًا…!
تمايلت ركبة لايلا اليمنى وهي تسند جسدها الذي كان يثقل عليه حتى التنفس.
ما كانت تريده هو أن يفقد ذلك الشيء داخل أليس قوته.
ولو أمكنها فقط إبطاء سرعته، ولو قليلًا، لسنحت لها فرصة التفكير في طريقة للخروج من هذا الوضع.
لكن ماذا لو ماتت؟ ذلك الشيء لا يموت ولقتل ما مات مرة أخرى، للأسف، كانت قوة يوستار هي المطلوبة كان هذا شيئاً لا تستطيع لايلا فعله بعد بقدرتها.
ماذا سيحلّ بدونوفان لو ماتت أليس؟ حاولت لايلا الحفاظ على رباطة جأشها بينما تستحضر أسوأ الاحتمالات.
قد يكون ما قاله ذلك صحيحًا، وقد يكون دونوفان قد فكّر فعلًا في قتل أليس عند ولادتها… لكنه على أي حال اختار أن يربّي ابنته طوال أكثر من عشرين عامًا، أليس كذلك؟ ثم إن…
— إنها فتاة طيبة القلب حقًا.
عندما تحدث دونوفان عن أليس، لم يبدُ كاذباً فبالرغم من اختلاط الأسى والارتباك والشفقة والشعور بالذنب بشكل فوضوي، إلا أن الحب كان واضحاً في جوهره.
لا وقت لهذا الآن، فكّرت لايلا كان يبدو وكأن أصوات حفيف تتردد باستمرار وكأن أليس ستخترق سحابة الغبار وتصبو نحوها في أي لحظة.
أخرجت لايلا أحد الأدوات السحرية التي تُمنح لفرسان تنتينيلا كان شيئًا صغيرًا أملس يشبه نردًا مصنوعًا من الخزف.
وضعتْه بين أسنانها وعضّت عليه، فصدر صوت كَرَرْدَق وبدأ حبر أسود أشبه ما يكون بالحبر السائل ينساب من أسفل قدميها ليشكّل دائرة سحرية.
انبثق عواء وحشي ومن خلال سحابة الغبار التي بدأت تتلاشى، كان يمكن رؤية هيئة مألوفة تتلوّى نظرت لايلا إلى الدائرة تحت قدميها النقوش المعقّدة كانت تحتاج إلى مزيد من الوقت لتكتمل.
— سأقتلكِ.
اخترق صوت مروع مليء بالضغينة ضوضاء الخشخشة وانطلق مثل السهم.
التعليقات لهذا الفصل " 66"