على عكس ما قاله السائق عن وعورة الطريق، وصلت العربة إلى الحيّ التجاري سريعًا.
بعد إرسال الرسالة، والتوقف عند مخبز «سول»، والاستماع إلى حكاية زوج السيدة إنولا الذي عاد منذ مدة من ساحة المعركة، خرجتا ليجدا أن الظلام قد بدأ يخيّم على المكان. كان المطر الذي خفّ قليلًا قبل حين قد تحوّل الآن إلى وابلٍ غزير.
“من الأفضل أن نُسرع.”
قالت ماري وهي تنظر بعينين واجمتين إلى المطر المنهمر بعنف، كأنه يجلد الأرض بلا رحمة. وما لبثتا أن دخلتا أحد المتاجر، اشترتا ما تحتاجانه، ثم خرجتا وكلتاهما تعانق سلالًا ورقية ممتلئة بكلتا يديها. كانت العربة متوقفة عند مدخل زقاق قريب، لكن الركض تحت هذا المطر الغزير وهما تحملان كل ذلك الحمل بدا مستحيلًا.
“يبدو أن العم جون يجب أن يأتي إلى هنا… فلورا، انتظري لحظة فقط. سأذهب وأناديه.”
كانت ماري تحاول أن تناوِل فلورا ما تحمله، حين اصطدم بهما فجأة رجل ضخم كان يمرّ بجانبهما، فدفع ماري بعنف.
“آه!”
أسرعت فلورا والتقطت ماري قبل أن تسقط. نَجَت من الوقوع، لكن الألم كان شديدًا لدرجة أن ماري أفلتت كل ما كانت تحمله، فتبعثرت الأغراض على الأرض. وفي تلك اللحظة، انقضّ الرجل على أصغر كيس من بين الأشياء المتدحرجة، ثم فرّ مسرعًا إلى داخل الزقاق.
شهقت ماري وقد شحب وجهها، وصرخت بصوت عالٍ:
“آه… ماذا نفعل؟! هناك مال في ذلك الكيس!”
رفعت فلورا بصرها تتفحّص المكان. لم يكن هناك أي أثر لفرسان الحراسة، ربما احتموا من المطر في مكان ما.
“سأذهب وأعود. ابقي هنا قليلًا.”
أنزلت فلورا الأغراض في مكان لا يطالها المطر، وما إن همّت بالتحرّك حتى شُدّ ياقة ثوبها بقوة.
“فلورا…! أظن أنه من الأفضل ألا تذهبي.”
رغم ارتباكها، حاولت ماري إيقاف فلورا. كان لديها شعور سيئ.
“ليس في الكيس مال كثير، ثم إن الأمر… غريب قليلًا.”
في اللحظة التي اصطدم بها الرجل، شعرت ماري برائحة نفّاذة غريبة، أقرب إلى العفن. قد يكون مجرد رائحة المطر، لكن القشعريرة التي سرت في جسدها كانت مرعبة على نحو غير مألوف.
“لن يستغرق الأمر وقتًا.”
“انتظري…! فلورا!”
بهدوء، أزاحت فلورا يد ماري عن ياقة ثوبها، ثم تركتها خلفها واندفعت تركض في الشارع الغارق بالمطر.
—
كانت فلورا تلهث حين توقفت عند مفترق طرق. بعد ركضٍ طويل، كانت وجنتاها محمومتين، والماء البارد ينهمر عليهما بلا توقف. مسحت خدّيها بظهر يدها، ثم نظرت إلى الجدار المسدود أمامها، وأدارت رأسها إلى الخلف.
“إلى أين ذهب؟”
كانت تظن أنها ستلحق به سريعًا، لكنها فقدت أثره عند آخر لحظة. كانت متأكدة أنها تتبّعت خطاه حتى هنا، ومع ذلك اختفى وكأنه تبخّر. السبب كان جهلها بالمكان؛ فبعيدًا عن الشوارع الرئيسية، كانت الأزقة الضيقة تتشعّب كالمتاهة، ما جعل المطاردة بالغة الصعوبة.
وفوق ذلك، فإن الركض بين الأزقة الغريبة، واجتياز البرك الطينية الموحلة تحت المطر المتواصل، أبطأ حركتها كثيرًا.
“إذا تأخرت أكثر، ستقلق ماري…”
لقد ضاع المال الذي استلمته من كبير الخدم، ولا بد أن ماري الآن في حالة هلع. وما إن خطرت ماري ببالها، حتى عجزت فلورا عن تخيّل العودة خالية الوفاض.
رفعت جفونها المبتلّة وهي تتلقى المطر الغزير، ومسحت رؤيتها الضبابية بيدها، لكن البرد تسلل إلى جسدها عبر كتفيها المبتلّين. ومع القشعريرة التي اجتاحتها، نزعت الروب المبتل وألقته جانبًا.
فكرت في البحث من مكان مرتفع، فرفعت بصرها بين المباني القديمة المتلاصقة. كان المشهد كئيبًا؛ سماء مظلمة، زقاق مهجور، وفراغ موحش يبعث على القلق.
عندها فقط، تردّد في أذنها كلام ماري قبل أن تفترقا، حين قالت إن هناك شيئًا مريبًا.
اللصوص الصغار لا يعرفون كيف يمحون آثارهم.
تذكّرت فلورا ذلك فجأة، فأدارت رأسها بسرعة. وفي تلك اللحظة، وكأنهم كانوا ينتظرون الإشارة، خرجت الظلال من العتمة واحدًا تلو الآخر.
“جئتِ بنفسك، يا له من لطف. شقراء بلون البلاتين، أليس كذلك؟”
تقدّم ثلاثة رجال ذوي ملامح خشنة بخطوات متثاقلة وهم يتمتمون.
“وفّرتِ علينا عناء البحث… لم أكن أظن أنكِ ستأتين إلى هنا من دون أن تعرفي الخطر.”
من حديثهم، أدركت فلورا أنهم استدرجوها عمدًا. وحين ألقت نظرة سريعة خلفها، شعرت بوجود رجلين آخرين يسدّان طريق العودة.
لكن فلورا، التي لم تكن تنوي الانصياع لمكائدهم، مدّت يدها بهدوء وقالت:
“أعيدوا ما أخذتموه.”
فضحك أحدهم، كأنه وجد ردّها جريئًا على نحو مثير للسخرية، ولوّح أمامها بالكيس الذي سرقه من ماري، يقذفه في الهواء ويمسكه بيد واحدة.
“يا لكِ من حمقاء… لا تعرفين حتى أنكِ ستموتين بسبب هذا المال.”
تغيّر تعبير فلورا الهادئ قليلًا.
إن لم يكن هدفهم المال، فقد ظنّت أنهم لا يعدون كونهم تجّار بشر. لكن بتلك الكلمات، تأكّد لها على وجه الدقة أن غايتهم هي حياتها نفسها.
في تلك اللحظة، شدّ أحد الرجال الذين كانوا يضحكون بخبث ويضيّقون الدائرة ببطء عينيه فجأة. انزلقت نظرته اللزجة على منحنيات جسد فلورا، التي كانت بارزة بوضوح من خلال الفستان المبتلّ الذي التصق بجسدها تحت المطر، كأنه يلعقها بعينيه.
“يا لها من قطعة جميلة، أليس كذلك؟ هل من الضروري حقًا أن نقتلها؟”
قال الرجل وهو يبلل لسانه بقذارة، ثم التفت إلى الرجل الواقف بجانبه. عندها أخذ الآخرون، الذين كانوا يضحكون بوقاحة، يحدّقون هم أيضًا في جسد فلورا بنظرات شهوانية.
“انظروا إلى جسدها… هههه…. من الظلم قتلها هكذا، أليس من الأفضل أن نستمتع قليلًا قبل ذلك؟”
“صحيح. يمكننا أن نقول للموكِّلة إننا قتلناها وانتهى الأمر. من سيكتشف الحقيقة أصلًا؟”
بدا أنهم ظنّوا أن فلورا تجمّدت تمامًا من الخوف، لذلك راحوا يتفوهون بكل تلك الكلمات الدنيئة بلا أي تحفّظ.
لكن فلورا، على عكس ما ظنّوه، كانت تركّز بهدوء على كلمة واحدة نطقوا بها: الموكِّلة.
من بين أولئك الذين استهدفوا الدوق، كان هناك من نجا وفرّ حيًّا. وربما، بسبب ذلك، خطط هؤلاء لاستدراجها إلى هنا والتخلّص منها.
“ليست من النوع الذي تنطلي عليها مثل هذه الحيل. إن اكشفت الأمر، ستُزهق أرواحنا في اليوم نفسه. دلّلوها قليلًا ثم أنهوا الموضوع.”
حسم الرجل الذي بدا قائدهم الأمر، مخاطبًا رفاقه الذين كانوا يضحكون.
بهذا القدر… كانت فلورا قد سمعت ما يكفي.
أنزلت يدها التي كانت ممدودة من دون أن يلاحظوا، ومرّرتها بخفّة نحو فخذها الأيمن. لكن تعبيرها تصلّب فجأة.
السيف الذي يفترض أن يكون هناك… لم يكن موجودًا.
—
كان المطر قد هدأ قليلًا، لكن ما إن خرجت العربة من أسوار القصر الإمبراطوري حتى انهمر بعنف مخيف. وزاد الطين بلّة أن الرياح كانت شديدة إلى حدّ جعل هيكل العربة يهتزّ مرارًا مطلقًا أصواتًا موحشة.
رفع كلود جفنيه المتعبين بصعوبة. وفي مجال رؤيته، وقعت عيناه على وجه هارييت، الجالس قبالته، وقد التصق بزجاج النافذة يراقب الخارج.
“أما زلنا بعيدين؟”
“يقولون إن السرعة في هذا المطر خطيرة. يا له من مطر ربيعي… كأنه لا ينوي التوقف.”
كما قال المساعد، كان الشارع خلف النافذة الضبابية بفعل المطر الغزير خاليًا تمامًا. ومن الطبيعي، فمن ذا الذي يخرج في مثل هذا الطقس العاصف؟
همّ كلود بصرف نظره، لكن هارييت نقر بلسانه بضيق وتكلم.
“مع ذلك، هناك من يتجوّل تحت المطر في هذا الجو.”
تبع كلود نظره إلى الخارج، فالتقط مشهدًا غريبًا. هيئة تشبه الإنسان كانت تتنقّل هنا وهناك.
“أوقف العربة حالًا!”
حدّق عبر النافذة ثم أمر بالتوقف فجأة. ونتيجة لذلك، ارتطم مؤخر رأس هارييت الذي كان جالسًا بلا استعداد، فأطلق أنينًا متألمًا.
“لماذا تفعل هذا مجددًا؟ قلت لك إن الأمر خطر في هذا الطقس…”
بينما كان هارييت يتمتم مستعيدًا ذكرى يوم مماثل، فتح كلود باب العربة بعنف فجأة.
اندفع المطر والرياح إلى الداخل، فعبس هارييت مغمضًا عينيه، ثم ما لبث أن شهق وهو يرى ما كان الدوق يحدّق فيه.
“تلك المرأة… أليست خادمة تعمل في قصرنا؟ لماذا تقف هناك تحت المطر…”
لم يكن منظرها يليق بخادمة تابعة لبيت الدوق، بل بدت كمتسوّلة تائهة تهيم في الشوارع.
والمرأة التي كانت تتجوّل تحت المطر في الساحة كانت معروفة لكلود أيضًا. لم يكن يعرف اسمها، لكنه رأى وجهها مرارًا. بل أدقّ من ذلك، كانت خادمة كثيرًا ما ترافق فلورا.
نزل كلود من العربة فورًا من دون أن يجيب.
“سيدي، ستمتلئ بالمطر!”
نزل هارييت مسرعًا خلف الدوق، وفتح المظلة على عجل.
كانت ماري، التي تبلّلت تمامًا وهي تنظر حولها باضطراب، ترفع رأسها فجأة حين غطّى ظلّ كبير جسدها. رفعت وجهها الملطّخ بالدموع.
“ماذا تفعلين هنا؟”
ما إن تعرّفت ماري على كلود، وهي في هيئة فأر مبتلّ، حتى انفجرت بالبكاء.
“سيدي… سـ… ساعدني من فضلك.”
حدّق كلود فيها بقلق، متفحّصًا حالها. كانت مبتلّة فحسب، ولحسن الحظ لا يبدو أنها تعرّضت لأذى جسيم.
“أخبِريني ما الذي حدث.”
“أنا… مهما بحثت… لم أجدها.”
كانت الخادمة تتابع كلامها وهي تكبت نشيجها. امتزج صوت بكائها مع صوت المطر، فلم يكن من السهل تمييز كلماتها.
نفد صبر كلود، فحثّها بحدّة.
“قولي بوضوح، ما الذي لم تجديه؟”
“…فلورا…”
ارتجفت ماري أمام هيبة صوته، وابتلعت أنفاسها بصعوبة قبل أن تجيب.
“رجل ما سرق مالي… فلورا لحقت به لتستعيده…”
“ظننت الأمر أخطر من هذا… بسبب ذلك فقط تفعلين هذا بنفسك؟ على الأرجح، ذلك اللص الصغير هو من انتهى به الحال نصف ميت.”
قال هارييت ذلك وهو ينقر بلسانه بفتور، لكن ماري، التي كانت تبكي بانهيار، تشبّثت بياقة ثوبه.
“…لكن… فلورا لا تعرف طرق هذه المنطقة. ماذا لو كانت تائهة في مكان ما؟ ثم إن ذلك الرجل… كان غريبًا. كانت تفوح منه رائحة دم… وكلما فكّرت الآن، أشعر أنه تعمّد الاصطدام بي.”
سأل كلود بصوت بارد:
“متى حدث ذلك؟”
“ذلك…”
راحت ماري، وسط بكائها، تحرّك عينيها كأنها تنقّب في ذاكرتها.
“منذ متى اختفت فلورا؟”
“…مرّ أكثر من ساعة.”
“في أي اتجاه ذهبت؟”
كانت ماري قد كفكفت دموعها تمامًا، فرفعت يدها وأشارت بتردّد نحو نهاية الزقاق.
حين وقعت عينا كلود على ذلك الزقاق الضيّق المظلم الذي لا ينفذ إليه أي ضوء، اشتدّ بريق عينيه على نحو ملحوظ.
التعليقات لهذا الفصل " 47"