5
حتى لو كانت آنّا أقرب المقرّبين إليها، فمن الأفضل أن تُقلّل سايكي من الكلام قدر الإمكان.
و خاصّة أن قول شيء كـ: “لقد جئتُ من المستقبل، وعلمتُ أنّني لم أنل حبّ زوجي لأكثر من أربع سنوات، بل إنّ العائلة بأكملها دُمّرت بتهمة الخيانة العظمى” أمرٌ لا يُمكن قوله أبداً.
اكتفت سايكي بابتسامة بدلاً من الكلام المعقّد.
“لا يليق ارتداء فساتين بهذه القيمة بي أنا التي بيعتُ إلى عائلة الدوق. ثمّة من يراني أيضاً.”
“لكن إن ارتديتِ ثياباً رخيصة جداً، فسوف يسخر منكِ النبلاء الآخرون.”
ربّما لها وجهة نظر.
رمشت سايكي بعينيها البنّيتين الواسعتين عدّة مرات متردّدة.
وبسبب إلحاح آنّا الشديد، قرّرت سايكي أن تبيع في البداية بعض خواتم المجوهرات التي لن تستخدمها كثيراً.
“بالمناسبة، يا سيدتي… لم أكن أتوقّع أبداً أن تطلبي من السيد الدوق مثل هذا الطلب. ما الذي دفعكِ إليه حقّاً؟”
“لا شيء… فقط فكّرتُ كثيراً خلال الأيام الثلاثة الماضية. ليس شرطاً غريباً إلى هذا الحدّ، أليس كذلك؟”
“يا سيدتي… ما الذي ليس غريباً فيه؟!”
قالت آنّا وهي تشكو من أنّ قلبها كاد يهبط إلى أسفل من الرعب.
نظرت سايكي إلى آنّا هذه وابتسمت ابتسامة خفيفة فحسب.
كان ذهن سايكي ممتلئاً تماماً بالرجل الذي التقته للتوّ، والذي لم يتغيّر شكله عن أربع سنوات مضت.
صحيح أنّ إيكالي درميوسيس، بعد أربع سنوات من الفراق، كان يمتلك جاذبية تأسر الناظر إليه بمجرّد النظر.
كان كتمثال منحوت بإتقان.
لكن حين يلتقي نظرها بعينيه الزرقاوين الباردتين، تشعر سايكي وكأنّ أنفاسها تتوقّف فجأة.
عندما تلقّت سيف إيكالي وعادَت إلى أربع سنوات مضت، كان أوّل ما فعلته هو استيعاب الوضع، ثمّ إدراك موقعها الحقيقي.
كانت جسداً بيعَ إلى إيكالي مقابل ديون العائلة الملكية.
في الأصل، كان قد تمّ الاتفاق على زواجها من وارن، الابن الشرعي للدوق السابق وزوجته بعد عشر سنوات من البحث عنه، لكن مع تولّي إيكالي رئاسة العائلة، تغيّرت الشروط قليلاً.
حتى بعد طرد وارن والسيدة تيلي من القصر، أصرّ إيكالي على إتمام زواج عائلة درميوسيس مع عائلة دوسون الملكية.
تغيّر الطرف الآخر فقط، أمّا المبلغ فلم ينقص.
ولم يكن لدى العائلة الملكية رغبة حقيقية في الرفض.
فإن رفضته، سيتعيّن عليهم البحث عن عريس آخر يقبل سايكي.
سواء إيكالي أو وارن، تغيّر الاسم فقط، أمّا الزواج المشروط بالمال فظلّ كما هو.
لذلك، لم يكن بإمكانها أن تطلب الطلاق منه ببساطة وتنال ما تريد.
و خاصّة إن كانت بلا مال على الإطلاق، فذلك مستحيل أكثر.
ومع ذلك، لا يمكنها الجلوس مكتوفة الأيدي.
أدارت سايكي وجهها.
كان ثوب الزفاف الأبيض النقي الذي ارتدته أيّاماً قليلة معلقا على الجدار.
كان ذلك الثوب من الأغراض المفضّلة التي صنعها خيّاطو دوسون بعد ليالٍ عديدة من السهر تحت ضغط الملك.
ثوبٌ فريد من نوعه، مزيّن بجواهر نادرة من كنوز العائلة الملكية.
حين حدّقت سايكي في الثوب طويلاً، صاحت آنّا مذعورة:
“يا إلهي، يستحيل بيع هذا الثوب! أيّة أميرة تبيع ثوب زفافها؟!”
“حسنٌ… ربّما. سيبدو الأمر سيّئاً في نظر الآخرين، أليس كذلك؟”
“المشكلة ليست في نظر الآخرين فقط!”
قالت آنّا بعينين متّسعتين وبلهجة حازمة.
أومأت سايكي موافقةً.
“لا تنظري إليه حتى. وامنعي نفسكِ من التفكير فيه أصلاً.”
“حسناً. لن أبيعه فلا تقلقي.”
رغم ذلك، ظلّت نظرة آنّا المتوجّسة ثابتة.
وبسبب وقوف آنّا أمامه بذراعين مفتوحتين كأنّها تحمي شيئاً ثميناً، ابتسمت سايكي لأوّل مرّة منذ عودتها بالزمن ابتسامة خفيفة.
* * *
مر أسبوع كامل منذ قدومها إلى قصر عائلة الدوق.
كان الأسبوع أطول مما توقّعت.
تساقطت أزهار الخوخ التي كانت تمدّ أغصانها قرب النافذة على الأرض بسبب زخّات المطر المبكّر.
قطفت سايكي زهرةً مورقة كانت الأقرب إلى النافذة قبل أن يهطل المطر بكثافة ثم ضغطتها بنفسها لتصنع منها ضغط زهور.
كانت تخرج البتلات المسطّحة وتنظر إليها كلّما شعرت بألمٍ حادّ في صدرها، في المكان الذي قطع فيه سيف إيكالي السابق جسدها.
“إذا وجدتُ إطاراً لاحقاً ووضعتها فيه، فستكون جميلة جداً.”
“صحيح. عندما أخرج إلى السوق سأحضر إطاراً.”
قالت آنّا بتأثّر وهي ترى سيدتها تستعيد شيئاً من حيويتها تدريجيّاً.
ضفّرت آنّا شعرها الطويل ورفعته، ثم زيّنته بأزهار وردية متفرّقة.
كانت البتلات الوردية تتناسب تماماً مع خدّي سايكي.
“إذن اليوم ستلتقين برئيس الخدم؟”
“نعم. هناك أمر أريد التحقّق منه بنفسي.”
مع سؤال آنّا، عادت الظلمة إلى عيني سايكي.
منذ أيّام قليلة، بدأت تفكّر في زيارة رئيس الخدم لترى بنفسها سيف العائلة المقدّس.
السيف الذي شقّ جسدها، وفصل روحها عن جسدها، وأعادها إلى أربع سنوات مضت.
لم تكن تعلم بوجود هذا السيف عندما عاشت في قصر الدوق أكثر من أربع سنوات في الخط الزمني السابق.
“ربّما في المخزن تحت الأرض… حيث يُحفظ كنوز رئيس العائلة.”
إذن، هل كان إيكالي يعلم أنّ هذا السيف قادر على إعادة الزمن؟
ربّما لم يكن يعلم هو الآخر.
فسيوف العائلة أو الملكية، رغم قيمتها البالغة تفتقر إلى الاستخدام العملي، لذا غالباً ما تُوضع في المخازن ولا يُلتفت إليها.
لعلّه سمع في طفولته مجرّد كلام عابر أنّ هناك سيفاً كهذا في المخزن، فحسب.
سيف يُميت الإنسان دون ألم.
ولا يتجاوز هذا الحدّ في معرفته.
* * *
كان إيكالي درميوسيس رجلاً مشغولاً جدا.
عندما قتل الأب الذي ربّاه وقطع رأسه وعَلَّقه، غادر نصف التابعين لعائلة الدوق القصر مرتعدين من هذه الوحشية.
لم يعد أحد في المجتمع الراقي يدعوه إلى الحفلات أو يزوره في قصره.
في المقابل، كان إيكالي يقضي أيّامه في انشغال تجاري مكثّف.
كان يمضي وقت الإفطار إمّا بتجاهله أو بشرب كأس شاي سريع في مكتبه.
يغرق في الأوراق حتى ينظر من النافذة فيجد أنّ الظهيرة قد حلّت.
أدرك متأخّراً أنّه قد مرّ أسبوع على دخول عروسه الجديدة القصر.
وليس فقط بسبب انشغاله، بل كان إيكالي لا يغادر مكتبه أصلاً.
كان القصر الذي دخلته العروس الجديدة يبدو قاحلاً كما لو لم يأتِه أحد.
استقرّ ضوء الظهيرة على شعره الأسود المصفّف بعناية.
ضيّق عينيه المتعبتين.
كان القصر الذي يقطنه قاتل الإمبراطورية هادئاً إلى درجة تثير الرعب.
لكنّ هناك تغيّراً حدث مؤخّراً.
نهض إيكالي وهو يفرك جفنيه المتعبين.
خلال الأيّام القليلة الماضية، كلّما نهض ليستريح قليلاً ووقف عند النافذة، كان يرى مشهداً مألوفاً.
سايكي تتجوّل بين أحراش الورود.
التغيير الوحيد في هذا القصر القاحل.
وبشكلٍ يدعو للدهشة، كان التوقيت دقيقاً لدرجة أنّه كلّما نهض للراحة، يجدها تتجوّل بين الأحراش الزاهية.
“…”
الأميرة من المملكة الصغيرة التي تزوّجها.
كانت له صلة بها منذ الطفولة عندما كان يتردّد على قصر دوسون، وبعد البلوغ كان يراها من بعيد في المناسبات الدبلوماسية بين البلدين.
لكن حتى لو جمع كلّ صور سايكي في ذاكرته، لم يرَ يوماً وجهاً بهذا القدر من الكآبة.
كانت سايكي دوسون تحمل وجهاً متجمّداً حتى في لقائهما الأوّل بعد الزواج.
بل وألقت عليه موضوع السيدة تيلي مباشرة في اليوم الثالث من وصولها من دوسون، بمجرّد رؤيتها زوجها لأوّل مرّة.
“أستطيع أن أتحمّل سماع أنني أميرة بيعت لقاتل. لكنّي لا أريد سماع إهانات توجه إلى عائلتي الملكية من السيدة تيلي. أرجو من سعادتك اتّخاذ الإجراء المناسب.”
كانت سايكي التي نطقت بهذه الكلمات مختلفة تماماً عمّن عرفها.
نظرت إليه الأميرة التي كانت تُلقّب بزهرة دوسون بوجه بارد كالصقيع في قلب الشتاء.
حسنٌ، من الذي يرغب في الزواج منه أصلاً؟
الزواج من قاتل الإمبراطورية، والابتسام في مثل هذا الوضع هو الذي يبدو غريباً.
“… يا للقذارة.”
تمتم بصوت خفيض كأنّه يمضغ الكلمة.
كان من المعروف للجميع أنّ سايكي كانت الأميرة المحبوبة من الجميع في عائلة دوسون الملكية.
ومع ذلك، كانت تمشي بين الأوراق الخضراء ووجهها مغطّى بظلال الكآبة.
الأميرة التي لم تفارق الابتسامة وجهها يوماً.
عند رؤيتها هكذا، شعر إيكالي بحرارة تتصاعد في أحشائه.
غضب يعصر أمعاءه.
إلى جانب طلبها إبعاد السيدة تيلي، طلبت سايكي نقل إقامتها إلى الجناح المنفصل.
مهما كانت الصلة القديمة في الطفولة، فهي لا تريد حتى مشاركة الهواء نفسه مع قاتل إمبراطوري وحشي.
تمتم إيكالي بشتمة أخيراً وهو يتلمّس جيب سترته الداخلي.
وضع سجارة جديدة بين شفتيه وبحث عن ولاعته، فسأله هانس:
“قذارة؟ هل تقصد السيد وارن؟”
“هو أيضاً قذر.”
أجاب بضيق وهو لا يزال يحدّق خارج النافذة.
ضيّق عينه اليمنى تحت ضوء الشمس المتسلّل.
هزّ هانس كتفيه.
“سمعتُ أنّ الأمير وارن الذي طُرد من العائلة يتواصل سرّاً مع ماركيز هوليوم. يبدو أنّه يطلب مساعدة مالية من الماركيز لاستعادة الإقطاعية التي كانت تابعة له عندما كان أميراً.”
“وبمجرّد استعادتها، سيحاول الزحف إلى العاصمة.”
“نعم، هكذا يُقال.”
“بتلك الساق.”
سخر إيكالي بسخرية قصيرة.
تذكّر أخاه بالتبنّي الذي أعاقه هو بنفسه، فازداد مزاجه سوءاً.
الجسد الذي سيبقى مقعداً على كرسي متحرّك مدى الحياة كان أيضاً من فعله.
كان وارن يناديه بابن الشيطان.
في غضون ذلك، اختفت سايكي ببطء بين أحراش الورود.
تبعتها الخادمة وغابت أيضاً.
بحث إيكالي لا إراديّاً بعينيه عن الشعر البنّي الذي اختفى بين الأوراق، ثم عبس.
“… أصبحت نبيلة إمبراطورية، ومع ذلك لا تُقيم حفلات شاي ولا تخرج إلى الساحات.”
“ماذا؟ من؟”
اقترب هانس وأشعل سجارته.
سحب نفساً عميقاً من السجار السميك ونفث الدخان، فامتلأ المكتب بدخان خفيف ضبابي.
لم يدرك هانس إلا بعد اقترابه من النافذة أنّ سيّده يتحدّث عن عروسه.
“يبدو أنّ الزواج منّي مرعب إلى هذا الحدّ. تقبع في القصر طوال الوقت ووجهها مكفهر.”
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 5"