4
“صدقتِ السيدة فيما قالت. أنا التي كنتُ مخطوبةً للأمير وارن، لا يليق بي أن أترككِ واقفةً هكذا خارجاً.”
“من الجميل أنّ لدينا نوع من التفاهم بيننا يا أميرة سايكي.”
انتشرت ابتسامة الرضا على وجه السيدة تيلي.
نظرت سايكي إليها بعينين خاليتين من العاطفة.
“لكن، كما تفضّلتِ أنتِ، فأنا جسدٌ بِيعَ إلى السيد الدوق الحالي. فكيف لي أن أجرؤ على مخالفة إرادته؟”
“ماذا…!”
“أعتذر. أرجو أن تعودي الآن.”
دهشت السيدة دهشةً بالغة حتى فغرت فاها من الرفض المفاجئ.
بينما احمرّ وجه تيلي من الغيظ والذهول، خاطبت سايكي الحارس بهدوء أن يُعيدها، ثم ابتعدت عن البوّابة الرئيسية بخطىً وئيدة مطمئنة.
وبعد أن ابتعدت مسافةً كافية، لم يعد صوت تيلي وهي تصرخ غاضبةً يصل إلى أذنيها.
هرعت آنّا خلف سايكي التي كانت تعود إلى القصر.
“هل… هل أنتِ بخير، يا صاحبة السمو؟”
كانت آنّا تعلم جيّداً أنّ سيدتها أميرةٌ رقيقة القلب.
أليست هي التي أمضت ثلاث ليالٍ وأياماً تبكي وتمتنع عن الطعام والشراب لأنّ زوجها لم يأتِ إليها؟
لو انهمرت الدموع الآن بعد أن سمعت تلك الإهانات الصريحة أمام وجهها، لما كان ذلك غريباً.
لكن سايكي ظلّت تنظر إلى الأمام بوجهٍ شارد، ثم تمتمت:
“أنا بخير فلا تقلقي.”
“يا صاحبة السمو…”
بدت آنّا وكأنّها هي التي على وشك البكاء.
في تلك اللحظة، توقّفت سايكي فجأة أمام القصر.
كان زوجها واقفاً هناك أمام المدخل.
* * *
الآن تذكّرتْ: في هذا الوقت بالذات من السنة.
كانت السيدة تيلي تأتي يوميّاً تقريباً إلى قصر الدوق وتُقيم اعتصاماً صاخباً، غاضبةً من إيكالي الذي قتل زوجها واغتصب منصب رئيس العائلة.
بالطبع، لم يكن رفع الصوت وحده كافياً ليُسلّم إيكالي المنصب إليها، لكنّ وجودها هذا كان يُثقل أجواء القصر لفترةٍ من الزمن.
قبل العودة بالزمن، كانت سايكي تتجنّب لقاء تيلي قدر الإمكان خشية غضبها الشديد.
والآن، وقفت سايكي دوسون تنظر بهدوء إلى الرجل الواقف أمامها.
قميصٌ مشدود الأزرار حتى أسفل العنق، وقفةٌ لا تكاد تختلّ.
شعرٌ أسود كالليل يتمايل مع نسمات الربيع، تماماً كما كانت تحبّه فيما مضى.
أخذت سايكي نفساً عميقاً وهي تواجه زوجها الذي لم يتغيّر شكله منذ أربع سنواتٍ مضت.
لم يتفوّه أحدٌ منهما بكلمةٍ أولى.
ساد بينهما صمتٌ ثقيل.
انحنت آنّا الواقفة خلفها بحركةٍ مرتبكة وقالت أوّلاً:
“أ-أقدّم التحيّة لسعادة الدوق.”
“هل عدتِ من جولةٍ في الحديقة؟”
سأل إيكالي وهو يوجّه نظره نحو آنّا.
بدلاً من الإجابة على السؤال، ألقت سايكي كلماتٍ مباشرة:
“سيدي الدوق، هل كنت تعلم بقيام السيدة تيلي باعتصام أمام البوّابة الرئيسية؟”
عاد بنظره إليها.
لم يكن هذا الجواب الذي يرغب في سماعه، لكن إيكالي أومأ برأسه بهدوء كمن يعلم الأمر مسبقاً.
كان يعلم ومع ذلك لم يلتقِ بها.
“ستنصرف من تلقاء نفسها عندما تتعب.”
كان في صوته شيءٌ من التعب والضجر.
لقد كان هكذا طوال الأربع سنوات الماضية.
حتى عندما كان يصادف تيلي، وحين كانت تهاجمه بأظافرها أو تُطلق كلاماً يُحمرّ له الوجه، لم يكن يردّ بكلمة.
كأنّه معتادٌ على ذلك. كالمذنب.
بل كان ينتظر أن يمرّ الوقت فحسب، ولم يطردها بقسوةٍ قطّ.
في البداية، تساءلت سايكي لماذا كان ضعيفاً إلى هذا الحدّ أمام تيلي.
لكن الآن لم يعد يهمّها ذلك.
نظرت إليه بنظرةٍ حازمة وقالت:
“سعادة الدوق، لا يليق أن تترك الأمر هكذا دون اكتراث. لقد صبّت عليّ للتوّ إهاناتٍ لا تُحصى.”
“إهانات؟”
في حياتها السابقة، بعد أن ذهب إيكالي إلى الحرب، كانت سايكي تُجبر على سماع أقذر الشتائم من تيلي كلّما التقت بها في المجتمع الراقي.
كانت تيلي تُشهر بها أمام الجميع أنّها عروسٌ اشتريت بالمال.
بل وكانت تسخر من عائلتها الملكية أمام سيدات الإمبراطورية.
في ذلك الوقت، كانت سايكي تصمت وتطبق شفتيها رغم كلّ الإذلال.
لأنّ زوجها كان في الحرب، ولأنّ عدم اعترافه بها كان يُؤلمها أكثر من أيّ شيء.
بعد لحظة تأمّل في الماضي، رفعت خصلة شعرٍ سقطت على خدّها وقالت:
“أتمنّى أن تكون هذه المرّة الأخيرة التي أتحمّل فيها إهانة زوجة الدوق السابق، يا سعادة الدوق.”
“وما هي الإهانة التي تعرّضتِ لها بالضبط؟”
ضيّق إيكالي حاجبيه قليلاً وهو ينظر إليها.
“قالت أني دمية بيعت بسبب الديون و تتظاهر الآن بأنّها دوقة.”
“…”
“في الحقيقة، هذا النوع من الكلام لا يؤذيني كثيراً.”
“…”
“أستطيع أن أتحمّل سماع أنني أميرةٌ بيعت لقاتل. لكنّي لا أريد سماع إهاناتٍ تُوجّه إلى عائلتي الملكية من السيدة تيلي. أرجو من سعادتك اتّخاذ الإجراء المناسب.”
نظرت سايكي إليه بعينين لا تعبران عن أيّ شعور.
نظر إليها إيكالي للحظة ثم أومأ برأسه.
“سأتخذ الإجراءات اللازمة لئلا تتمكّن حتى من الوقوف أمام البوّابة الرئيسية بعد اليوم.”
نظر إلى ردّ فعل سايكي بلامبالاة، كأنّه يسألها: هل هذا يكفي؟
كان جواباً في غاية السهولة.
فما دامت لن تُقيم اعتصاماً أمام القصر، فإن فرص لقائها ستقلّ بشكل ملحوظ لفترة من الزمن.
لم تتراجع سايكي هناك، بل أضافت مطلباً آخر:
“لديّ طلبٌ آخر أودّ تقديمه.”
“وما هو؟”
“أرجو أن تُعدّ لي غرفةً في الجناح المنفصل، لا في المبنى الرئيسي.”
عند سماع ذلك، عبس إيكالي الذي لم يتغيّر تعبيره حتى الآن.
“والسبب؟”
“أودّ أن أقلّل من فرص مواجهتك قدر الإمكان.”
أطلق إيكالي ضحكةً ساخرة قصيرة.
“بحسب كلام الأميرة، أنتِ مُباعةٌ إليّ، ومع ذلك تطلبين عدم رؤية وجهي في منزلي؟”
“سيدي الدوق، خلال الأيام الثلاثة التي مضت منذ دخولي هذا القصر، لم تسأل عن حالي ولو مرّة واحدة.”
“…”
“فاعتقدتُ أنّ إقامتي في المبنى الرئيسي أو في الجناح المنفصل لن تحدث فرقاً كبيراً بالنسبة إليك. أم أنّني مخطئة؟”
أذهلته وقاحتها الصريحة.
رفع الخصلات التي سقطت على جبينه عدّة مرّات، ثم وضع يده على خصره وأطلق نفساً طويلاً.
“هل هذا بسبب عدم زيارتي لكِ في ليلة الزفاف؟”
“…”
“أسألكِ: هل تفعلين هذا لأنني لم آتِ إليكِ في ليلة الزفاف؟”
عند هذا الكلام الصريح، احمرّ وجه آنّا الواقفة خلفها احمراراً شديداً.
“لم أظنّ أنّ امرأةً بيعت قسراً ستتمنّى ليلة الزفاف.”
“سعادة الدوق، هناك حدود حتى للاستهانة بي.”
“لم أستهن بكِ قطّ.”
تشوّه وجهه.
كان حوارهما يتعثّر مراراً.
“إن كان لديكِ شكوى، فقوليها بوضوح.”
“لقد أبلغتكَ بشكواي ومطلبي بوضوح: أريد استخدام مبنى منفصل.”
“ها…”
كانت سايكي تعلم أنّ إيكالي لم يلمسها طوال الأشهر الستة التي سبقت مغادرته إلى الحرب.
لم يكن يشعر نحوها بأيّة عاطفة.
كانت سايكي السابقة هي الوحيدة التي عانت من لهيب العاطفة في الماضي.
عند تذكّر الماضي، ارتفع إليها ذلك الشعور المرّ القديم.
نظرت إليه بهدوء، ثم ابتسمت برفعة شفتيها:
“إن أردتَ قضاء وقتٍ معي يا سعادة الدوق، فلن أتمنّى نقلي إلى مبنى آخر بالتأكيد. لكنني أعلم جيّداً أنّ ذلك ليس ما تريده.”
بعد ثلاثة أيام من تركه العروس وحدها، لم يكن لدى إيكالي سببٌ ليحتفظ بها قربه.
فهم إيكالي معنى كلامها فتجهّم وجهه بحدّة، لكنّه لم يجد ما يردّ به.
أطلق تنهيدةً طويلة.
“سأفكّر في الأمر.”
“شكراً لك.”
لم تُصرّ أكثر، بل تراجعت بهدوء.
أمسكت بحافة تنورتها وقدّمت تحيّةً مهذّبة، ثم سارت مع آنّا نحو القصر.
“يا صاحبة السمو… كيف تجرئين على قول مثل هذا الكلام…”
التصقت آنّا بها بوجهٍ شاحب كالموتى.
كيف وجدت الجرأة لتطلب مثل هذا المطلب الجريء أمام قاتل الإمبراطورية؟
فضلاً عن أنّ العائلة الملكية في دوسون مشغولة بمراعاة مشاعر إيكالي.
بينما كانت آنّا تلهث عرقاً بارداً وتُلحّ، سُمع صوتٌ بارد من الخلف:
“انتظرا لحظة.”
التفتت سايكي وآنّا إلى إيكالي.
سأل بوجهٍ غاضب:
“لماذا تنادينها بصاحبة السمو؟”
“ماذا؟”
ارتعشت آنّا كأنّ سكيناً قد لامس عنقها من الرعب.
“أعلم أنّكِ تكرهين الزواج منّي كرهاً شديداً. فأنتِ أيضاً مباعة إليّ رغماً عنكِ، أليس كذلك؟”
“…”
“لكنكِ الآن سيدة قصر درميوسيس في الإمبراطورية. استخدمي اللقب الصحيح. وإن تكرّر الأمر، فسأعاقب خادمتكِ بالجلد.”
نظر إيكالي مباشرةً في عيني سايكي، لا في عيني آنّا.
كان تحذيراً لآنّا، وكلاماً موجّهاً إلى سايكي في آنٍ واحد.
أدركت آنّا حينها فقط أنّها نادت سيدتها بلقب صاحبة السمو.
بعد أن اعتذرت آنّا مراراً بوجهٍ مرعوب، تمكّنت سايكي أخيراً من العودة إلى القصر معها.
وبينما تدخلان من البوّابة الكبيرة للقصر، التفتت سايكي نظرةً خلفها.
كان إيكالي لا يزال واقفاً في مكانه.
* * *
عادت سايكي إلى غرفتها وبدأت تفحص الأغراض الثمينة التي أحضرتها من المملكة.
كانت هناك مجوهرات اعتادت استخدامها في القصر الملكي، وبعض الفساتين التي صنعها خيّاط القصر الملكي خصيصاً لها.
بالإضافة إلى ذلك، أرسلت العائلة الملكية بعض القطع المفضّلة لديها.
لم تكن هذه كافية لتسديد ديون العائلة الملكية الهائلة، لكنّها بالتأكيد أصولٌ جذابة.
نظرت آنّا بدهشة إلى سايكي وهي تُخرج الفساتين البرّاقة وتضعها على السرير.
“ما الذي ستفعلين بهذه الثياب كلّها؟”
“سأبيعها.”
“ماذا؟ لماذا؟”
“إذا بعتها واشتريت ثياباً أرخص، سيكون ذلك أفضل.”
“ماذا؟ لكن… لماذا تبيعين الثياب؟ لماذا تذهبين إلى هذا الحدّ؟”
صمتت سايكي لحظة أمام سؤال آنّا.
“لأنني أريد الطلاق من إيكالي في أقرب وقت ممكن.”
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 4"