3
“هل أنتِ بخير يا سيدتي…؟”
“أنا بخير. فلا داعي للذهاب إلى الدوق.”
“لكن…”
رأت آنّا حالها المنهكة فشعرت بأن قلبها قد هبط بغتة إلى الأسفل.
كان خدّاها، اللذان كانا كالخوخ الناعم فيما مضى، قد احمرا وتورّما من كثرة البكاء.
أعادت سايكي رداءها المنزلق إلى مكانه وقالت:
“أريد أن أستحمّ لأُغيّر مزاجي. فلتُعدِدن لي ماء الحمّام، و حضّري لي حساءً يا آنا. لا بدّ أن أتناول شيئاً خفيفاً.”
“…حاضر، سيدتي.”
تفرّق الخادمات وهنّ يترقّبن نظراتها بحذر.
وهرعت آنّا بدورها إلى المطبخ مسرعة.
* * *
بعد أن أفرغت صحنَ الحساء الكريمي، وأتمّت استحمامها، ارتدت سايكي ثوباً من الموسلين السماوي الذي أحضرته من المملكة.
وضعت طبقة خفيفة من البودرة على بشرتها الرقيقة فسترتْ بعضَ الاحمرار والتورّم.
كان لباسها، مقارنة بما كانت ترتديه في القصر الملكي، أكثر حرية وخفّة بلا شكّ.
لكن سايكي لم تبدُ سعيدة البتة؛ بل ظلّت تنظر إلى المرآة بنظرة شاردة خالية من الحياة.
” هل تفضّلين هذه الإسوارة يا صاحبة السمو؟”
“…افعلي ما ترينه مناسبا يا آنّا.”
كانت آنّا قد نادتها دون قصد بلقبها القديم في القصر الملكي.
لكن سايكي لم تبالِ بذلك، فلم تُبدِ أي ردّ فعل يُذكر.
أكملت آنّا تزيينها بحذر ومهارة.
“هل لديكِ موعدٌ محدّد في ذهنكِ اليوم؟”
“لا، سأكتفي بالتجوّل في الحديقة. رأسي مشوّش.”
نظرت آنّا إليها بقلق وهي ترى ضعفها، ثم تعمّدت أن تتكلّم بصوت مرتفع مرح:
“فكرة رائعة حقّاً. سمعتُ أنّ في قصر الدوق ثلاث حدائق. لا شكّ أنّ عبير الأزهار سيُحسّن مزاجكِ.”
“ربّما.”
“آه! وقد يحدث أن تلتقي بالسيد الدوق وأنتِ تتجوّلين. وقد تزيّنتِ بهذا الجمال، فلا بدّ أن يُطري و يثني عليكِ.”
عند سماع هذا الكلام رفعت سايكي عينيها بهدوء.
“هل تظنّين ذلك حقّاً؟”
“ماذا؟”
التقت عيناها بعيني آنّا اللتان امتلأتا بالفراغ البنّي، فارتعشت الأخيرة ارتجافة خفيفة.
“ذلك الرجل ليس ممن سيقول لي أنني جميلة، حتى لو كان مجرّد كلام فارغ.”
“…”
“لا أريد لقاء الدوق. الآن… أريد أن أرتاح فقط.”
كأنها دمية مسرحية قُطع خيطها، ظلّت تنظر إلى المرآة بلا تعبير، بلا حياة.
نظرت آنّا إليها في حيرة واضطراب.
* * *
كان في قصر دوق درميوسيس ثلاث حدائق تحمل أسماءًا.
وقد أُنشئت هذه الحدائق قبل أن يُتبنّى إيكالي في هذا البيت، بل قبل ولادته بزمن طويل، وسمّيت بأسماء الملكات السابقات الثلاث في الإمبراطورية.
كان إيكالي يُعالج الأوراق بوقفةٍ لا تكاد تختلّ في مكتب السيّد الذي لا يزال عبق السجار يعتمّ فيه بخفّة.
ثيابٌ مكوية بلا تجعيدة واحدة.
قلم ريشة جافّ بلا أثر حبر.
زجاجة الحبر مرتبة بعناية.
أوراقٌ مُنظّمة بإتقان دون مساعدة أحد.
كلّ ذلك كان ينطق بشخصيته.
“إذن لم تخرج طوال الأيام الثلاث السابقة؟”
سأل بصوتٍ خالٍ من الارتفاع والانخفاض وهو يوقّع على الورقة التي أمامه.
برزت عيناه الزرقاوان الساحرتان من بين الدخان الخفيف الضبابي.
أومأ هانس، الواقف مقابله، بالإيجاب.
“نعم. ويقال أنها لم تتناول الطعام بالقدر الكافي أيضاً…”
“فهمت.”
صمت هانس لحظة.
لم يُسمع سوى صوت القلم وهو يخطّ على الورق وسط صمتٍ ثقيل.
لم يرفع إيكالي رأسه إلا بعد أن أنهى تدقيق جميع الأوراق العاجلة.
“أما الطعام فإن جاعَتْ فستأكل. فهي ليست طفلة صغيرة.”
“هذا صحيح، لكن…”
نظر هانس إلى سيّده بعبوسٍ خفيّ.
كان من الصعب عليه أن يرى سيّده يواصل العمل دون أن يُلقي نظرة واحدة على عروسه الجديدة التي قطعت مسافات طويلة لتصل إليه، وها هو اليوم الثالث يمرّ دون أن يُكرّمها بلقاء.
“…ألا يُفضّل أن تُقابل سمو الأميرة ولو مرّة واحدة؟”
“وما الداعي لذلك؟”
“…”
“أوصِ بأن يُعدّ الطعام في كلّ وقت، فلا يُعرف متى قد تشعر بالجوع. وإن احتاجت شيئاً فليُعالَج الأمر بتصرّفك دون الحاجة إلى استشارتي.”
“حسناً.”
“اخرج الآن.”
“…”
تردّد هانس قليلاً، ثم جمع الأوراق الموقّعة، ورتّبها، ووضعها في مظاريف منفصلة.
وفي تلك الأثناء، نهض إيكالي من مكتبه ليستريح، وجلس على الأريكة التي لونها كلون النبيذ.
ألقى برأسه إلى الوراء، أغمض عينيه ببطء ثم فتحهما، وأخرج سجارة من علبتها.
قطع طرفها، وضعها بين شفتيه، أشعلها بحجر الولّاعة، فانتشر الدخان الكثيف مرة أخرى في أرجاء المكتب.
فرك عينيه المتعبتين، ثم نهض واتّجه نحو النافذة.
عندما سُحب الستار، بانت إحدى حدائق قصر الدوق من النافذة.
تسلّل ضوء الشمس الدافئ عبر نافذة المكتب المظلمة الضبابية، فاستقرّ على وجهه الأبيض الناصع.
كانت الحديقة المفعمة بالورود الوردية الفاتحة من نوع الهازل والرانونكولوس في أوج تفتّحها، تحتضن مشهد الربيع بكلّ ما فيه من بهجة.
وقف قرب النافذة، فَعَقَدَ حاجبيه قليلاً تحت أشعة الظهيرة، ثم حدّق في مكانٍ ما في الحديقة وتمتم:
“خرجتْ إذن.”
“ماذا؟”
سأل هانس، الذي كان على وشك الخروج حاملاً الأوراق الموقّعة، مستغرباً.
نظر إيكالي إلى سايكي وهي تتجوّل بجانب الورود، ثم أردف:
“سايكي… خرجت إلى الحديقة.”
“آه، حقّاً؟ يبدو أنّ السيدة الدوقة قد استعادت بعض قواها. هذا أمرٌ مطمئن.”
قال هانس بارتياحٍ واضحٍ ونبرةٍ منعشة.
أمّا وجه إيكالي فظلّ جامداً لا تعبير فيه.
حدّق بلا مبالاة في الأميرة وهي تتجوّل في الحديقة.
ثم تابعها بعينيه وهي تسير ببطءٍ بلا هدفٍ واضح، قبل أن يسحب الستارة كاملةً ويغلق المنظر.
* * *
بعد ثلاث ليالٍ وأيامٍ من البكاء المتواصل، استعادت سايكي بعضَ نشاطها بفضل طبقٍ واحدٍ من الحساء الدافئ.
تجوّلت في الحديقة برفقة آنّا بخطىً هادئة.
عبير الورود الذي يتجدّد كلّ ربيع، و الحشائش الخضراء اليانعة، ذكّراها بأنّها حقّاً عادت إلى ربيع قصر الدوق قبل أربع سنوات.
فقد كان الاتجاه السائد في تصميم الحدائق قد تغيّر، وبعد ثلاث سنوات من عودتها السابقة استُبدلت الورود بحديقة زجاجية.
تأمّلت الورود التي تفتّحت على كلّ منبت بهدوء.
“عدتُ حقّاً…”
سارَتْ على طول الحشائش الكثيفة والجدار العالي المجاور، حتى وصلت إلى البوّابة الرئيسية.
تبعتها آنّا بخطى سريعة دون تردّد.
“يا صاحبة السمو، يبدو أنّكِ قد زرتِ قصر الدوق الجديد مرّاتٍ عديدة من قبل، حتى في غيابي.”
“وما الذي جعلكِ تعتقدين ذلك؟”
“لأنّكِ تعرفين المكان جيّداً. كنتُ أظنّ أنّ القصر كبيرٌ جداً لدرجة أنني لن أجد حتى حديقة الورود هذه…”
كما قالت آنّا، كانت سايكي قد مرّت بالحدائق الثلاث المسمّاة، ثم واصلت سيرها متجاوزةً حديقة الورود.
“مجرد وهمٌ ربّما. أنا فقط أسير حيث يقودني قلبي. على أيّ حال… الورود جميلة جداً.”
“صحيح تماماً. مشرقة وعطرة.”
كان العام الأول من زواج سايكي في قصر الدوق سلسلةً من الأيام الكئيبة.
طوال نصف عام من الزواج، عاملها زوجها كأنها شبحٌ شفّاف، ثم غادر فجأة إلى الحرب دون أيّ كلمةٍ أو وداع.
لم يكن أتباع الدوق يحبّونها.
وكان ذلك طبيعيّاً، إذ لم تنل ثقة الدوق قطّ.
ظلّت أربع سنواتٍ كلّها تتجوّل كضيفةٍ غير مرغوب فيها.
أحياناً كانت مجرّد رؤية الورود التي تتفتّح أسفل نافذة غرفتها يجعل الحزن يتصاعد في حلقها كالغثيان.
في الصيف، كانت الورود الحمراء القوية المشرقة تتفتّح ببهاءٍ يُوهم أنّها تسرق حيويتها، ومنذ قدومها إلى قصر الدوق لم تزل تذبل تدريجيّاً.
ذكرياتٌ لم تكن ممتعةً على الإطلاق.
بعد دقائق من السير على طول الجدار، بدت البوّابة الرئيسية للقصر تلوح في الأفق البعيد.
وراء البوّابة كانت عربةٌ واقفة، وأمامها، عند البوّابة المشبّكة، كان حارسٌ يتشاجر مع شخصٍ ما.
لم تلبث سايكي أن أدركت من صاحبة العربة.
قال الحارس للسيدة الواقفة على الجانب الآخر:
“أقول لكِ مرّةً أخرى، لا يمكن الزيارة إلا بإذن السيد الدوق. لقد أمر صراحةً بعدم السماح للسيدة بالدخول مطلقاً!”
“أيّها الوقح! هل نسيتَ أنّ زوجي كان يحمل لقب الدوق؟ الجميع في الإمبراطورية يعلم أنّ إيكالي ذاك الوغد قد سلب منصب زوجي وابني!”
“مهما كان الأمر، سيدتي…”
“يتيمٌ ناكر للجميل الذي أُنعم عليه!”
أمسكت السيدة ذات الشعر الأسود الملفوف بعنفٍ أسنانها وصرخت بحدّة.
برّقت عيناها الخضراوان غضباً، لكن موقف الحارس ظلّ صلباً.
“أعتذر، سيدتي. لكن لا يمكنني مخالفة أمر السيد الدوق.”
أظهرت السيدة وجهاً مليئاً بالغيظ وهي تصرّ على أسنانها.
ثم، وهي تحدّق بشراسة عبر القضبان، لمحت شخصاً يقف بعيداً فاتّسعت عيناها فجأة.
” الأميرة سايكي!”
صاحت السيدة بسمٍّ في صوتها.
“السيدة تيلي.”
كانت تلك السيدة تيلي، زوجة الدوق السابق درميوسيس.
بعد أن استولى إيكالي درميوسيس على سلطة العائلة، طُردت هي وابنها.
ولو لم يقطع إيكالي رأس الدوق السابق، لكانت سايكي قد تزوّجت ابنه الحقيقي وارن درميوسيس، وأصبحت كنتها.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
التعليقات لهذا الفصل " 3"