2
بعدها، بقيت محبوسة دون أن ترى شعاعًا من النور.
لماذا وصل الأمر إلى هذا الحد؟
بل، كيف وصل إلى هذا الحد؟
سالت الدموع على خدَّيها النحيلين راسمة طريقًا جديدًا كلما جفَّ السابق.
لم تكف دموعها عن التدفُّق.
كلما حرَّكت ذراعها الهزيل، صدر صوت خشخشة معدنية من القيد المتصل بالسقف.
قال لها السجّان أنها محبوسة منذ أربعة أشهر.
أي لأكثر من مئة يوم.
رغم أنها وُلدت وترعرعت في عزٍّ ورفاهية، الا أنها قد حاولت الصمود، لكن حياة السجن كانت تأكل روحها رويدًا رويدًا.
‘لماذا وصل الأمر إلى هذا الحال…؟’
تسلَّل ضوء القمر الأزرق الشديد من النافذة الصغيرة بحجم كفٍّ واحد.
تجمَّع الضوء على الأرضية الحجرية الصلبة كبركة صغيرة.
ونظرت فريسكي إلى ذلك الضوء وهي تتمتم لنفسها كمن فقد عقله:
‘هل زوجي… بخير؟’
أُلقي القبض على كل أفراد العائلة والشيوخ والأعيان، وأُخضعوا للاستجواب بتهمة الخيانة العظمى.
ومن الواضح أنه سيلقى القبض على زوجها الذي كان في ساحة الحرب أيضًا من قبل الحرس الإمبراطوري.
وربما قُتل ميدانيًّا في الحال.
ابتسمت فريسكي ابتسامة ساخرة بشفتيها المتشقِّقتين.
أن تقلق عليه في مثل هذا الوضع!
‘ذلك الرجل لا يحتاج إلى قلقي على الإطلاق.’
الأميرة الساذجة التي تزوَّجت في العشرين، ها هي الآن في الرابعة والعشرين.
كانت تتعب شيئًا فشيئًا من الزوج القاسي الذي ذهب إلى الحرب ولم يردّ عليها ولو برسالة واحدة.
كلما اقتربت منه، جرحت؛ وكلما حاولت الاتكاء عليه، سقطت.
وحين تسقط، يمضي هو في طريقه دون أن يلتفت إليها.
ضحكت ضحكة خفيفة ساخرة.
ربما كان الزواج منه خطأً من الأساس.
إذن فقد كان زواجهما شقاءً حقًّا.
كان الناس على حق.
أقرَّت فريسكي بذلك أخيرًا.
رفعت ذراعها اليسرى المخدَّرة ببطء، واتكأت على الحائط.
في تلك اللحظة، سُمع صوت ما من خارج الباب الطويل.
“…؟”
صرخة قصيرة كأنها صرخة احتضار، ثم اختفت فورًا.
بعد لحظات، فتح الباب الخشبي الداكن، ودخل ظلٌّ أسود ضخم عبر الممر.
“من…؟”
نظرت فريسكي بعينين خاويتين إلى الرجل في الظلام.
وحين تقدَّم خطوة أخرى، أضاء ضوء القمر البارد درعه السوداء ووجهه.
فتحت فريسكي عينيها على وسعهما.
خَرَّ السجّان الذي كان يجُرُّه الرجل على الأرض بلا حياة.
كان قد فارق الحياة بالفعل.
عرفت فريسكي هوية الرجل المدرَّع.
“…إيكالي؟”
نظرت فريسكي إلى زوجها الذي لم ترَه منذ أربع سنوات بعينين مندهشتين.
تجمَّعت الدماء الداكنة بين فواصل الأرضية المرصوفة بنمط شبكي.
كان السجّان ملقى تحت قدمي الزوج دون أي حركة.
نظرت فريسكي إلى زوجها من خلف القضبان بوجه يعتريه الرعب.
كان يتنفَّس بصعوبة كمن ركض مسافة طويلة، يلهث كالوحش.
كانت الدرع السوداء التي تغطي جسده النحيل ملطَّخًة بدماء لا يُعرف أصحابها.
كان يرتدي خوذة تغطي وجهه كاملاً، لكن عينيه الزرقاوتان اللامعتان اللتان تظهران من الفتحة كانتا عيني زوجها بالتأكيد.
رائحة الدم القوية، وتنفُّسه المتسارع الذي يرفع صدره بعنف، أخافاها.
ومع ذلك، شعرت في الوقت نفسه بارتياح غريب.
بل شعور بالفرح غير مناسب للموقف.
آه، إذن هكذا.
جاء زوجي لينقذني.
لم ينسني.
مع هذا الاكتشاف المتسرِّع، احمرَّت أطراف عيني فريسكي وهي تنظر إلى زوجها أمامها.
نطقت اسمه بتردُّد بين شفتيها الجافتين:
“إيكالي… إيكالي…”
كانت تعتقد أنها فقدت كل أمل في الرجل الذي لم يمنحها نظرة واحدة طوال أربع سنوات، الذي نسي لطفه في الطفولة وصار قاسيًا بلا رحمة.
لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك تمامًا.
وإلا لما شعرت بهذا الارتياح المفاجئ حين رأت وجهه.
بسبب ذرَّة الأمل تلك، لم تستطع كبح دموعها.
ارتفع الألم في صدرها، فارتعشت شفتاها.
“أنا… أنا كنت خائفة جدًّا حقًّا. لكنك جئت… لم تنسني… لذلك… هيك…”
انهمرت دموع فريسكي كطفلة، وارتجف كتفاها بعنف.
كانت تظنُّ أن زوجها سيقترب منها الآن ويضمُّها إلى صدره.
في تلك الأثناء، كان إيكالي ينظر إلى زوجته التي تناديه بلا انقطاع بعينين دامعتين.
انحنى يلتقط المفاتيح المعلَّقة على خصر السجّان، ثم فتح باب القضبان ودخل.
اعتقدت فريسكي أنه سيُثني عليها.
أنه سيقول لها كم كانت خائفة طوال هذه المدة، وأنها أحسنت الصبر والتحمُّل في غيابه.
مهما كان قاسيًا، فإنه حين يرى زوجته التي عانت في السجن، لا بد أن يُعانقها بحنان ويُعوِّضها عن كل ما مرَّت به.
يجب أن يضمَّها إليه، هي التي عانت بسببه.
ثم يخرجان معًا من هذا السجن، وتُكافأ على ذلك الانتظار الطويل.
فالخيانة العظمى؟ أمر لا يُعقل ولا يُصدَّق.
رفعت فريسكي عينيها الدامعتين من الفرح والأسى المختلطين.
لكن ما وقع عليه بصرها في تلك اللحظة كان لمعان شفرة سيف.
توقَّفت كلماتها فجأة.
جفَّت دموعها في الحال.
نظرت إليه بوجه مذهول.
“ماذا تفعل…؟”
“لا وقت لدينا.”
“…ماذا؟ انتظر قليلاً.”
سُمع صوت معدني حاد وهو يسحب سيفه من غمده القديم.
لمع نصل السيف تحت ضوء القمر ببريق قاسٍ.
لم يكن قد أخرج السيف ليقطع قيدها، هذا واضح.
نظرت فريسكي إلى حزمة المفاتيح في يده، ثم رفعت بصرها إليه ببطء.
تلاشت الآمال التي كانت تتلألأ في عينيها المبلَّلتين شيئًا فشيئًا.
رفعت وجهها الشاحب إليه، لكنه قال:
“غدًا سيُعدم كل أفراد عائلة درميوسيس.”
“…”
“ولن أنجو أنا أيضًا. لن يفلت أحد من الموت البائس.”
كانت عيناه، المخفيتان جزئيًّا تحت الخوذة، خاليتين من أية حياة.
اعتقدت فريسكي أن عينيه لا تختلفان كثيرًا عن شفرة سيف بلا عاطفة.
يا للعجب، كيف لم تدرك هذا إلا الآن؟
تابع زوجها كلامه:
“…هذا السيف هو السيف العائلي المقدَّس الذي يفصل الجسد عن الروح. به يمكنك الموت دون أي ألم. سيكون ذلك أفضل بكثير من أن تُعدمي أمام أعين الإمبراطورية كلها.”
كتمت فريسكي شفتيها بقوة، لكن الدموع استمرت في السيلان رغم إرادتها.
كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه القسوة؟
كيف يستطيع أن ينظر بهذا الوجه البارد إلى زوجته التي قضت أكثر من مئة يوم في السجن بسببه؟
كيف لا يظهر في عينيه ذرة شفقة أو رحمة؟
أمسكت بأرضية الحجر بغيظ، لكن لم يكن هناك ما تمسكه. سال الدم من تحت أظافرها المكسورة.
فتحت فمها أخيرًا بقلب مجروح:
“…هل هذا كل ما لديك لتقوله لزوجتك عند لقاءها بعد أربع سنوات؟”
كانت فريسكي تسخر من الجميع حين وصفوه
بالوحش.
كيف يمكن لذلك الفتى الجميل الودود أن يكون وحشًا؟
لا بد أن له أسبابًا وجيهة لقتل أبيه بالتبني وكسر ساق أخيه غير الشقيق.
الناس يسيئون فهمه.
إنه إنسان طيِّب. أنا أعرفه جيدًا…
كانت تلوم من يسبُّونه وتعتبرهم أغبياء.
لكنها أدركت الآن، متأخرةً جدًّا:
كانت هي الغبية الحقيقي طوال هذه السنوات.
نظرت إلى الرجل الواقف أمامها، ممسكًا بالسيف كأنه يحاكمها، كأنه ينظر إلى شخص غريب.
ثم تمتمت بغضب مكبوت:
“وحش.”
“…”
“أنت وحش حقيقي.”
كانت تتمنى لو استطاعت، قبل موتها، أن تخدش صدره بجرح ولو صغير.
أن تصبَّ عليه أقذر الشتائم حتى يحمرَّ وجهه، وتجرح قلبه.
لكنه لم يتغيَّر ولو قليلاً رغم سماعه لكلمتها وحش.
بل بدا أكثر هدوءًا، كأنه اطمأن، فتمتم بصوت خافت بلا ارتفاع ولا انخفاض:
“سيقتحم الحرس الإمبراطوري المكان قريبًا. عندها لن تكون هناك فرصة أخرى.”
أخذ نفسًا عميقًا بين كلماته، ثم رفع السيف الحاد نحو عنقها.
كان يقصد أن فصل الروح عن الجسد بهذا السيف أرحم بكثير من أن تُساق إلى منصة الإعدام وتُقطع رأسها أمام الشعب الإمبراطوري.
كأولئك الذين يختارون الانتحار بدلاً من أن تُقطع رؤوسهم أمام أعين الجميع وتُعلَّق على الرماح.
“…سألحق بكِ قريبًا.”
كما قال إيكالي، بدأ صوت أقدام مجموعة من الحرس الإمبراطوري يقترب من بعيد.
يبدو أن اكتشافهم لتدمير المنطقة المحيطة بالسجن الإمبراطوري للوصول إليه قد تمَّ.
أطرقت فريسكي رأسها كمن استسلم للأمر الواقع.
نظر إيكالي إلى زوجته المستلقية كجثة.
“لو التقينا مرة أخرى في زمن آخر…”
“…”
“…فإلعَنيني، فريسكي.”
حتى إن لم يقلها، لفعلتُها على أي حال.
لم تستطع إخراج الكلمات التي في صدرها.
مرَّ سيف العائلة المقدَّس على جسدها.
* * *
حين فتحت عينيها مرة أخرى، كان ما يظهر أمامها سقف غرفة مألوفة.
ارتعبت وأرادت أن تأخذ نفسًا عميقًا من الصدمة.
لكن المشد الذي يشدُّ خصرها منعها من ذلك.
خلعت فريسكي فستانها بسرعة، ثم رمَت المشد المصنوع من عظام الحوت خارج السرير.
انبطحت على الفراش وهي تلهث بصعوبة.
مهما حاولت استنشاق الهواء، شعرت أن رئتيها مثقوبتان ولا تكفيانها.
وحين أدركت أنها لا تزال على قيد الحياة، دفنت وجهها في الغطاء وبكت بكاءً وحشيًّا.
حين قطعها زوجها بسيفه المقدَّس، لم تشعر –كما قال هو– بأي ألم.
ربما بفضل قوة السيف، عادت بها الذاكرة إلى ليلة وصولها الأولى إلى قصر الدوق.
لكن فرحة العودة إلى الحياة لم تدم طويلاً.
لم تستطع فريسكي كبح دموعها على الإطلاق.
لأن قلبها يؤلمها أشدَّ الألم.
جسدها سليم، لكن صدرها كان مُمزّقا إربًا.
تمسَّكت فريسكي بالغطاء وعانت طويلاً في صمت.
* * *
لم تغادر فريسكي دوسون غرفتها لثلاثة أيام كاملة منذ وصولها الإمبراطورية.
كانت آنا، الخادمة التي جاءت معها من القصر الملكي، تتصبَّب عرقًا وهي تتمتم:
“يا للمصيبة حقًّا…”
حين رأت الفستان و المشد ملقيين تحت السرير، ظنَّت آنا أن مزاج فريسكي قد تعكر بسبب ليلة الزفاف الأولى فقط.
فطوال الطريق من المملكة إلى قصر الدوق، لم تكف فريسكي عن الحديث بحماس عن الشاب الذي ستُعيد لقاءه بعد غياب طويل.
كانت تتساءل ببراءة الفتيات كم سيكون أجمل، وهل سيذكرها أم لا… وذلك لم يمضِ عليه سوى ثلاثة أيام.
“لا بد أن السيد الدوق لم يأتِ إليها في ليلة الزفاف، فأصابتها خيبة أمل كبيرة.”
يا للأميرة المسكينة.
تنهَّدت آنا بحزن صادق.
“ماذا نفعل؟ إن استمرت هكذا قد يحدث لها مكروه حقًّا.”
“صحيح. مرت ثلاثة أيام كاملة ولم تتناول حتى رشفة من الحساء. في البداية كنا نسمع بكاءها، أما الآن فلا صوت على الإطلاق… هل هي بخير حقًّا؟”
“يا للعجب، ما هذا؟ لم يمضِ على زواجهما وقت طويل حتى…”
كانت الخادمات اللواتي جئن من القصر الملكي يتهامسن فيما بينهن.
نظرت آنا إلى الباب المغلق بقلق.
كان الزواج بدون مراسم، باردًا وخاليًا من الاحترام، لذا كان من المتوقَّع إلى حدٍّ ما أن يصل الأمر إلى هذا الحال…
تنهَّدت آنا بعمق، ثم قالت بعزم:
“لا يمكن أن نترك الأمر هكذا. يجب أن أخبر السيد الدوق. ينبغي أن يعرف حال السيدة الآن. إن تركناها هكذا…”
“لا داعي لذلك.”
التفتت الخادمات مذهولات.
فُتح الباب دون ملاحظتهن، ووقفت فريسكي تنظر إليهن.
التعليقات لهذا الفصل " 2"