1
تذكّرتْ فريسكي ذلك اليوم الذي دخلت فيه، قبل أربع سنوات، إلى عائلة دوق دميوسيس الإمبراطورية.
كان ذلك في شهر آذار، حين تتفتَّح أزهار البرقوق.
قال بعضهم أن زواجها كان بيعًا للأميرة لتسديد ديون المملكة.
وقال آخرون أنها محظوظة لأنها لم تُجبر على أن تكون الزوجة الثانية لنبيل عجوز، بل دخلت إلى عائلة دوقية.
فقد أُلغي زواجها مرة من قبل.
وكان ذلك أمرًا خارجًا عن إرادتها.
فقد انقلبت عائلة الخطيب الإمبراطوري، وارِن دميوسيس، الذي كان قد خُطب لها مقابل سداد ديون المملكة، رأسًا على عقب في غضون أشهر قليلة بسبب رجل واحد.
والأغرب أن المكان الذي ذهبت إليه لتتزوج فيه مرة أخرى كان نفس عائلة دميوسيس، الدوقية الوحيدة في الإمبراطورية.
لم تكن ذاهبة لتتزوج وارِن دميوسيس، بل ذلك القاتل المجنون الذي دمَّر عائلة دميوسيس.
وكان ذلك الرجل شخصًا تعرفه فريسكي منذ زمن طويل.
* * *
أن تُزوَّج أميرة مملكة مقابل ديونها أمرٌ فيه من العار ما فيه، ثم يُفسخ الزواج أيضًا.
والآن تتزوج من شخص آخر من نفس العائلة؟
لم يسع أحد في المملكة، بل في القارة بأسرها، إلا أن يُطلق لسانه باللوم والأسف على خبر زواجها.
فهل كان زواجها -كما يقول المتطفلون- شقاءً محضًا؟
أم كان حظًّا سعيدًا؟
في داخل العربة المتحركة، وبينما كانت تُرتب فستان زفافها الذي أصبح مزعجًا، فكَّرت فريسكي دوسون في الأمر.
سواء كان حظًّا أم شقاءً، فقد شعرت بالامتنان لأن الطريق الذي يقودها إليه لم يُرعبها.
تذكَّرت الصبي الذي جاء إلى مملكة دوسون قبل أكثر من عشر سنوات، مدَّعيًا أنه صديق إخوتها.
شعر أسود حالك، وتحته عينان زرقاوان كالجواهر المصقولة.
في تلك العينين الشبيهتين بالياقوت الأزرق، انعكست خضرة حدائق القصر الملكي لدوسون بكل بهائها.
قال الناس أنه الوحش الذي قطع رأس أبيه بالسيف، وأعاق ساق أخيه غير الشقيق فأقعده.
قالوا أن الأميرة فريسكي المسكينة مأخوذة قسرًا لتتزوجه.
لكن الغريب أن فريسكي لم تشعر بأدنى خوف وهي في طريقها للزواج منه.
بل إن قلبها كان يخفق بشيء يشبه الترقُّب والحماس.
صحيح أن الزواج جاءها كأنها تُباع، لكنه لم يكن زواجًا من شخص مجهول تمامًا.
إذا كان لا بد من الزواج من أحد، فكانت تتمنى لو كان هو ذاك الشخص.
وربما –فكَّرت فريسكي الساذجة– تكون هذه بداية الحب.
* * *
وصلت فريسكي وخدمها إلى قصر الدوق بعد أيام عدة.
لم ترسل مملكة دوسون مع الأميرة سوى عدد قليل من الخدم والفرسان، وبعض المجوهرات، ومصروف الطريق.
وكانت هي نفسها، الأميرة الجميلة، قد زُيِّنَت وزُيِّنت كأنها هدية ملفوفة بعناية داخل العربة.
لم يُقم الدوق مراسم زفاف، بناءً على طلبه الصريح.
وخوفًا من إغضاب الدوق، أبقاها إخوتها مرتدية فستان الزفاف طوال أيام السفر بدلاً من إقامة احتفال.
كان الفستان الأبيض الناصع أكثر الأشياء إزعاجًا خلال الرحلة الطويلة.
وبعد أيام طويلة من ارتدائه، شعرت فريسكي بدوار خفيف حين نزلت من العربة ووضعت قدميها على الأرض.
خرج أهل القصر لاستقبال الأميرة.
لم يكن الدوق بينهم.
رفعت فريسكي رأسها المحجوب بالستار، فنظرت إلى القصر المهيب المنتشر أمامها.
ظنَّت أنه قد يكون مشغولا جدًّا.
لكنها كانت تأمل أن يظهر على الأقل في موعد العشاء.
غير أن ساعة العشاء حانت ولم يظهر صاحب البيت.
خرجت إلى مائدة العشاء وجسدها لا يزال متعبًا من السفر، فأُخبرت أن السيد لا يزال في مكتبه.
“القصر… هادئ جدًا.”
“سيدي الدوق حساس الأعصاب.”
كان القصر الذي يضم عشرات الخدم يبعث بشعور غريب بالبرودة والخراب، كأنه منزل مهجور.
لم يقطع السكون سوى صوت أدوات مائدتها حين تصطدم بالصحن من حين لآخر.
أوصاها أهل البلاط الملكي بألا تخلع فستان الزفاف حتى يأتي الدوق بنفسه ليخلعه عنها.
فبقيت ترتديه حتى في مائدة العشاء التي غاب عنها الزوج.
لم تكن قادرة على ابتلاع الطعام بسبب الإرهاق الشديد، والفستان الثقيل، و المشد الذي يضغط على خصرها.
حين كانت في طريقها إليه، كانت تشعر ببعض الحماس لمجرد فكرة رؤيته.
لكنها الآن، وهي جالسة وحيدة على مائدة غريبة، تُقطِّع قطعة صغيرة من الخبز، بدأت تهدأ وتعيد النظر في وضعها بواقعية.
امرأة ترتدي فستان زفاف مهترئًا في قصر لا يرحِّب بها صاحبُه.
نظرت إلى ذيل الفستان المجعد، فشعرت أنها صارت كممثلة في مسرحية.
* * *
بعد العشاء، دخلت فريسكي غرفتها بعد أن حلَّت ضفائرها التي كانت مرفوعة كإكليل زهور.
ظلت جالسة قرب النافذة، منتظرة أن يأتي إليها ولو مع اقتراب غروب الشمس.
لكنه لم يأتِ.
استندت إلى ضوء الشمعة الخافت، وأخذت تنظر إلى الخارج بلا توقف.
كان الغاب الأسود يتمايل قرب خط الأفق.
تجاوزت الساعة منتصف الليل.
عندها فقط أدركت فريسكي، و بكل وضوح، أن صاحب هذا القصر لا يُبدي أي اهتمام بها.
* * *
“إيكالي… أريد أن أتحدث معك قليلاً.”
وقفت فريسكي بوجه مُظلم، تسدُّ طريقه.
وقف أمامها الرجل الذي كان صديق طفولتها، وحبها الأول، وزوجها الآن، والذي قتل والده واستولى على السلطة.
لا شك أن ملامح الطفولة التي عرفتها لا تزال موجودة في وجهه هنا وهناك.
لكن حين رأت عينيه الزرقاوين المشوبتين بهالة كئيبة وثقيلة، عجزت عن فتح فمها.
نظر إليها فجأة وقد سدَّت طريقه، فاكفهرَّ حاجباه قليلاً.
كان الامتعاض باديًا على ملامحه بوضوح.
كلما رأت تلك النظرة، شعرت فريسكي أنها تتقلَّص وتنكمش داخل نفسها.
كأنها تواجه غريبًا لا تعرفه، لا الشخص الذي عرفته يومًا.
شدَّت قبضتها بجهد، مستجمعة شجاعتها.
‘أريد أن أقول له: لنذهب معًا في نزهة.’
مضى شهر على زواجهما.
شهر كامل لم تتبادل فيه مع زوجها حوارًا حقيقيًا، فلمَّا رأت أزهار الخوخ تتفتَّح عند نافذة غرفة النوم، عزمت اليوم على أن تكلِّمه مهما كلَّف الأمر.
كانت أزهار الخوخ زهرة المملكة الوطنية في دوسون، فهي منتشرة هناك بكثرة.
كان إخوتها وإيكالي يتأملون تلك البتلات الزهرية الزاهية باللون الوردي الفاقع، ويقطفونها معًا أحيانًا.
لعله يتذكَّر أيام الطفولة إن رأى الزهور.
ولعلَّ المشي معًا تحت أشجار الزهور اليانعة يفتح باب الحديث عن الماضي بيسر وسلاسة.
أمسكت فريسكي بذيل قميصه بشجاعة.
مهما اعتبر الناس زواجهما عارًا، إلا أنها كانت تريد أن تبني حياة زوجية سعيدة مع حبها الأول.
نظر إليها –المرأة التي صارت زوجته قبل شهر– من أعلى.
“هل هناك شيء تحتاجينه؟”
كانت عيناه الزرقاوتان خاليتين من أية عاطفة، كأنه ينظر إلى غربية.
حرَّكت فريسكي شفتيها بحذر وهي ترى الفرق الشاسع بينه الآن وبين ما كان عليه في الطفولة.
“لا… ليس ذلك…”
“إذن.”
عدلت خصلة شعر خلف أذنها، وتردَّدت طويلاً.
احمرَّت وجنتاها بخفة.
“لقد أزهرت الأزهار في الخارج الآن. وبعد أيام قليلة سيأتي المطر فتذبل كلها، فالمشي الآن سيكون جميلاً. وأنا قلقة عليك لأنك تعمل كل يوم دون راحة. وأيضًا…”
شعرت بتوتر غامض يجتاحها، فاحمر خدَّاها أكثر.
كانت كلمة زوجي تجعلها تشعر بخجل لا يُطاق ودغدغة في القلب.
ابتلعت بقية الكلام وابتسمت ابتسامة متعثرة.
“أعتقد… أنه سيكون لطيفًا لو تأملنا الزهور معًا…”
حين رفعت زاوية شفتيها، انتفخ خدَّاها الأبيضان قليلاً وأشرق فيهما لون وردي ناعم.
أما إيكالي فظل ينظر إلى وجهها الطفولي البريء في صمت.
ثم رفع يده ببطء، وفكَّ أصابعها التي كانت تمسك بقميصه، وقال:
“خذي معك إحدى الخادمات واذهبي.”
“لكن…”
حين مدَّت يدها مرة أخرى لتمسكه، تقلَّصت عيناه الزرقاوتان الشاحبتان بألم ظاهر.
“لا داعي لأن تطلبي مني مثل هذه الأمور. في المرات القادمة، افعلي ما تشائين بنفسك.”
استدعى إيكالي الخادم قبل أن تتمكَّن من قول كلمة أخرى، وأمره باختيار خادمة ترافق السيدة في نزهتها.
ثم عاد مباشرة إلى مكتبه.
كأنه أنهى لتوه مهمة ينبغي التخلُّص منها.
* * *
مهما أشار إليه الناس في القارة بأصابعهم ووصفوه بالوحش، إلا أن فريسكي ظلت مقتنعة أن إيكالي رجل طيِّب القلب.
كان ذلك بسبب السنوات التي عرفته فيها عن قرب.
حين كان يتردَّد على القصر الملكي ويلعب مع الأمراء في مثل سنه، لم يغضب إيكالي درميوسيس يومًا، ولم يتشبَّث أو يدلِّل نفسه قط.
كان يحمل دائمًا هدوء الأمراء الإمبراطوريين، وعيناه الشفَّافتان الخاليتان من أي طمع.
كان فتى ناضجًا وودودًا.
كانت فريسكي تتذكَّر ذلك الفتى، وتؤمن أن قلب زوجها سيفتح لها يومًا ما.
لذلك انتظرته بصبر جميل.
كانت تقف أمام مكتبه تنتظره، وتستعد دائمًا للخروج معه في نزهة.
وحين تراه من بعيد ولا يلتفت إليها، كانت ترضى بذلك وحده.
‘إذا انتظرت طويلاً، سينظر إليَّ يومًا.’
‘لأنه إنسان طيِّب.’
هكذا مرَّ نصف عام.
نصف عام منذ أن صارت دوقة.
نصف عام من الطرق على باب قلبه بلا كلل.
ثم غادر زوجها إلى ساحة الحرب، تاركًا إياها وحيدة.
* * *
“آه… آآه…”
صوت الحديد يجرجر بعضه بعضًا سحبها قسرًا من أحلامها إلى الواقع.
فتحت عينيها لتجد نفسها دائمًا على أرضية زنزانة القصر الإمبراطوري الباردة.
اسندت فريسكي رأسها إلى الحجر البارد وأطلقت أنينًا خافتًا.
يبدو أنه أغمي عليها دون أن تشعر، والآن فقط تستعيد وعيها.
منذ أن سُجنت، وهي تفقد الوعي ثم تستفيق مرارًا وتكرارًا.
كان الوقت متأخرًا، إذ تسلَّل ضوء القمر الشاحب من خلال نافذة صغيرة في السقف.
كانت النافذة لا تتجاوز حجم كفَّين، ومع ذلك كانت مغطَّاة بقضبان كثيفة.
كانت يدها اليسرى مقيَّدة بقيد متصل بالسقف.
بسبب قصر السلسلة، كان عليها رفع يدها باستمرار حتى وهي جالسة للراحة.
ظلت رافعة ذراعها أثناء إغمائها، فأصابها تشنُّج مؤلم.
“مؤلم…”
تمتمت وهي تكبح سعالها الجاف وتحاول ترتيب جسدها.
خلال الأعوام الأربعة الماضية التي دارت فيها الحرب، كافحت فريسكي للحفاظ على مكانتها سيدة القصر الدوقي.
كانت تكتب رسائل يومية إلى زوجها الذي يخوض الحرب، وتحاول –رغم ازدراء التابعين– المشاركة في شؤون العائلة والأعمال.
كانت تتصوَّر أنه حين ينتهي القتال ويعود، سيقول لها “لقد عملت بجد” ويعانقها بحنان.
على هذا الأمل وحده صبرت أربع سنوات.
لكن ما وصلها، على عكس توقُّعها، لم يكن حبًّا دافئًا من زوجها.
بل كان أمر الإمبراطور بإعدام عائلة الدوق بتهمة الخيانة العظمى.
التعليقات لهذا الفصل " 1"