تبعنا أنا و السّيد بيلت السّاحر الذي كان على وشك الموت و دخلنا خلف الجدار.
بعد فترة وجيزة، دوى صوت اهتزاز خفيف، ثمّ انفتح الجدار المقابل مع صوت احتكاك.
ظهر مختبر كبير و فوضويّ.
“اسم هذا السّاحر هو رولي لويس، وهو أحد كبار السّحرة في هذا البرج، السّاحر الخاصّ بدوقية ديستين ، و ساحر ينتمي أيضًا إلى نقابة إكليبس.”
تبدو انتماءاته متعدّدة، لكن باختصار، هو تابع للرئيس.
“لماذا السّاحر الخاصّ بالعائلة الدوق موجود في برج السحرة؟”
“لأنّ برج السحرة نفسه يعتمد على دعمنا لتسيير أموره.”
كانت هذه هي اللّحظة التي شعرتُ فيها بالفضول تجاه ثروة الرئيس مرّةً أخرى. كان السّحر ثمينًا، وكان السّحرة الذين يجعلون المعجزات ممكنةً أكثر قيمةً.
و هذا يعني أنّ الرئيس كان يحتكر هؤلاء السّحرة.
‘هل يسمح الإمبراطور بذلك؟’
ليس لديّ أيّ اهتمام بالسّياسة، لذا لا أعرف.
ألا يحاول الإمبراطور منع عائلة واحدة من احتكار الثّروة و المواهب، و خاصّة السّحرة، حتّى لا تتجاوز سلطتها سلطة العائلة الإمبراطوريّة؟
لقد سمعتُ أنّه يجب توخّي الحذر لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة و يوجّه السّيف نحو عنقه.
ربّما كان كلّ شيء مقبولًا لأنّه بطل القرن الذي أنقذ القارّة التي كانت على وشك الدّمار.
آه، لا، ليس هذا هو السّبب.
‘حقّ الإعفاء’.
كان هناك حقّ إعفاء، أي امتياز، مُنح للأبطال الثّلاثة فقط. عندها يمكنني أن أفهم.
“على الرّغم من أنّني لا أعرف ما هي المسألة، فقد طُلب منّي التّحقيق سرًا مع الآنسة تيتيا، لذا اذهبي و اخضعي للتّحقيق بشكل جيّد. لا يمكنني ضمان ما سيفعله.”
خرجتُ من أفكاري و أملتُ رأسي.
“هذا لم يكن في العقد، أليس كذلك؟”
“سأكتبه الآن.”
يا إلهي!
“أريد أن أعبث… و أنام بسرعة.”
“مَنٔ الذي تحاول مضايقته؟”
أرجو أن تكون واضحًا.
لم يستمع السّاحر لكلامي. أمسك بيدي التي كانت تتشبّث بالمكان و ترفض الذّهاب، و سحبني خلفه.
يبدو ضعيفًا، لكنّه قويّ؟
دفعني نحو كرسيّ يقف وحيدًا في منتصف غرفة العمل.
جلستُ فجأةً على الكرسيّ، فبحث في شيء ما، و خلط سوائل غريبة، ثمّ قام بتصنيع سائل أحمر داكن و قدّمه لي في قارورة صغيرة.
“اشربيه.”
“لا أريد.”
“هل أفتح فمكِ بالقوّة…؟”
“اشرح لي ما هذا الدّواء!”
“إذًا لن تشربيه.”
“آه! أيّها السّيد بيلت!”
لم يفعل شيئًا سوى تحريك إصبعه، و تمّ تقييدي بإحكام على الكرسيّ ولم أستطع الحراك.
“هل ستشربينه بالقوّة…؟”
“سأشرب.”
سيد بيلت، لن أنسى هذا أبدًا.
بمجرّد أن وافقتُ، اختفت القوّة التي كانت تقيّد جسدي. أغمضتُ عينيّ بإحكام و سكبتُ السّائل الذي في القارورة في فمي. امتلأ فمي بالمرارة. شعرتُ بالغثيان و كأنّني سأتقيّأ، فسارعتُ لتغطية فمي.
في تلك اللّحظة، وضع السّاحر يده على خصري المنحني و بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة.
انتشرت حرارة باردة في ظهري، و شعرتُ بألم مثل وخز عشرات الإبر في جسدي كلّه. لم يكن ألمًا مميتًا، لكنّه لم يكن محتملًا أيضًا.
في الوقت نفسه، اندفعتْ إليّ رغبة عارمة في التّقيّؤ بسبب إحساس قذر لا أرغب في الشّعور به مرّةً أخرى، و كأنّه يحرث جسدي و يخبط أعضائي.
“أغغغ”
“آه، نسيتُ أن أعطيكِ وعاء التّقيّؤ.”
لم أستطع النّظر إلى السّاحر الذي لا يمتلك ذرةً من اللّباقة، و كبحتُ رغبتي في التّقيّؤ بقوّة.
كم مرّة مرّ هذا الإحساس بجسدي كلّه؟
أبعد يده عنّي، و قال كلمة واحدة:
“عاديّة. ليس لديكِ و لو ذرّة واحدة من المانا.”
اختفى الألم تمامًا، لكنّ معدتي كانت لا تزال مضطربةً. مسحتُ على صدري لأهدّئ معدتي التي كانت تشعر بالغثيان.
“حقا؟”
أومأ برأسه بوهن.
“نبض قلبكِ أضعف بكثير من الآخرين. للحظة، ظننتُ أنّ قلبكِ لا ينبض.”
“لا تقل شيئًا مخيفًا. و ماذا عن الطّاقة الأخرى؟”
“همم… لا أعرف.”
“ماذا يعني لا أعرف؟”
“يبدو أنّها موجودة، و ربّما لا. إنّها خافتة جدًا. كلّما مسحتُ الجسد، أصبحتْ أكثر خفوتًا، لذلك لا يمكنني معرفة ذلك. أو ربّما تكون مجرّد طاقة أساسيّة يمتلكها الإنسان تتفاعل مع المانا الخاصّة بي. يحدث ذلك في بعض الأحيان حتى لو لم تكن هناك مانا. أو ربّما هناك شيء ما، لكن لا يمكنني التّأكّد منه أيضًا. لقد تحدّثتُ كثيرًا.”
تنفّس السّاحر بصعوبة و سقط على الأرض محدثا صجّة.
هل انهار هكذا لمجرّد أنّه قال بضع جمل؟
يجب أن أكون أنا مَنٔ أشعر بالتّعب!
أشار بيده الشّاحبة إلى مكان واحد. ظهرت هناك عربة.
عندما سحبتُ العربة إلى هنا بذكاء، زحف و صعد إليها، ثمّ أشار إليّ بيده. كانت نهاية إصبعه تشير إلى الباب الذي دخلنا منه.
إنّه يطلب منّي الخروج.
لم تكن حالتي جيّدةً أيضًا، لكنّ حال السّاحر كان أسوأ، فسحبتُ العربة التي كان عليها رولي بهدوء و خرجتُ. وقف السّيد بيلت الذي كان جالسًا على الأريكة يقرأ كتابًا عندما رآنا.
“ماذا حدث؟”
نظر إليّ السّاحر، و نقلتُ أنا للسّيد بيلت الشّرح الذي سمعته منه تمامًا.
أنّه لا توجد لديّ أيّ قدرة على الإطلاق.
“حسنًا، كان هذا متوقّعًا إلى حدّ ما.”
بينما كنتُ أتوقّع أنا شيئًا ما.
للاحتياط، قضيتُ حوالي أسبوع في برج السحرة و تعرّضتُ للمراقبة من السّاحر رولي، لكنّه أكّد في النّهاية أنّني لا أمتلك أيّ شيء.
و بعد أن أصبحتُ عديمة الفائدة، عدتُ إلى قصر الدّوق و ثرثرتُ للرئيس و جوشوا عن تجربة الأسبوع كلّها.
عبّرتُ عن غضبي بشأن مدى صعوبة الأمر بالنّسبة لي، لكنّهما لم يستمعا إلى قصّتي.
“كنتُ أعلم ذلك.”
ألست توافق بسرعة كبيرة، أيّها الرئيس؟
“بالمناسبة، لماذا لم تخبرني أنّ فحص المانا مؤلم! لقد كان إحساسًا لا أريد أن أجرّبه مرّةً أخرى. و شعرتُ بالغثيان. ما زلتُ أشعر بتوعّك.”
لماذا تستمرّ في تجاهل كلامي؟
“هل من الممكن ألّا يكون الأمر مرتبطًا بي؟”
“هذا مستحيل على الإطلاق. لم يتغيّر المكان بعد رحيلكِ.”
“إذًا هل أقف عند المدخل مرّة أخرى؟”
نهضت و وقفتُ عند المدخل، فصاح جوشوا بوجه لا يصدّق.
“لقد ضاق المكان!”
آه؟ حقًا؟
ضرب جوشوا صدره بسبب الإحباط.
“إنّه أضيق بكثير ممّا كان عليه من قبل! ما الذي فعلتِـه هناك!”
“ماذا فعلتُ أنا! ربّما تقصد ماذا فُعل بي!”
أنا مظلومة!
دخلتُ بعنف، فتمسّك بي جوشوا.
“كان هناك شيء ما! لماذا يحدث هذا! لماذا يتقلّص! وسّعيه مرّة أخرى!”
“أنا لا أعرف. لا تفعل هذا!”
ابتعد عنّي!
لم يكن تضييق المكان أمرًا عاديًا.
“لا يمكننا إنهاء الأمر بهذه الطّريقة! جير، ماذا يجب أن نفعل الآن؟”
كان جوشوا يتخبّط على الأرض و يُحدث فوضى، فأمر الرئيس متنهّدًا:
“أحضِر السّاحر إلى هنا.”
هل يجب أن أخوض تلك التّجربة مرّة أخرى؟
عبستُ و رفضتُ على الفور.
“لا أريد أن يتم فحصي مرّة أخرى!”
“لماذا السّاحر؟”
“لأنّ هذا المكان خاصّ، ربّما يمكنه الشّعور بشيء ما إذا أجرى الفحص هنا بدلًا من هناك.”
لا أريد!
لم يسمع أحد صراخي.
سارعتُ لمحاولة منعه.
“هل يجوز إحضار السّاحر بشكل تعسّفيّ؟ قد يكتشف أسرارًا لا يعرفها حتّى السّيد بيلت؟”
على أيّ حال، لا أعرف لماذا لم يخبروا السّيد بيلت بذلك في المقام الأوّل.
“لقد زار رولي قصر الدّوق كثيرًا لفكّ اللّعنة. إنّه يعرف كلّ شيء.”
“سيشعر السّيد بيلت بالضّيق!”
“إذا عرف بكلّ هذا، فسيترك كلّ ما يفعله و يحاول إيقاظ الشّيطان لفكّ لعنتي.”
لهذا لم تخبروه إذن.
كان حبّ السّيد بيلت للرئيس عظيمًا.
“…و إذا لم ترغبي، فلا يجب عليكِ فعل ذلك. أنا فقط أخبرتكِ بالأمر.”
أنا شخص سيّئ.
أمسكتُ بكتفي الرئيس المكتئب و هززتُ رأسي.
“لا، لم يكن شيئًا. كنتُ أتذمّر لأنّني شعرتُ بالألم. أنا آسفة.”
“لم أكن أعلم حتّى أنّه تذمّر.”
أجاب بهدوء، فضحكتُ و جلستُ القرفصاء بجانبه.
“سأحضر رولي على الفور!”
غادر جوشوا، و ظللتُ أضيّق المسافة بيني و بين الرئيس، لكنّه حاول الابتعاد عنّي.
في النّهاية، حوصر بين السّرير و الجدار.
“ابتعدي قليلاً…”
“أيّها الرئيس، فقط استمع إلى تذمّري. لقد فعل شيئًا في برج السّاحر، أليس كذلك؟ لقد كان مؤلمًا حقًا…و كان مزعجًا جدًا! لقد شعرتُ بذلك لمدّة أسبوع كامل. الآن حان دوركَ.”
“أنا لن أفعل.”
“هذا من أجل لعنتك، يجب عليكَ أن تفعل ذلك أيضًا.”
“لستُ بحاجةٍ لذلك. لقد فعلتُ الكثير بالفعل.”
لا تتصرّف كالأطفال.
لقد تصرفت بهذه الطريقة أنا أيضًا، و لكنّني اضطررتُ للقيام بذلك في النّهاية.
تغيّر كلام الرئيس الذي كان يفكر بهدوء، ربّما لأنّه تذكّر الآن فظائع رولي.
“اذهبي و أحضِري جوشوا.”
“لا أريد.”
“…..”
“الألم إن ضُرب يصبح ضعفًا.”
“عادةً ما يسمى هذا فرحًا. و الأمر يتعلّق بالتّقاسم و المشاركة و ليس بالمضاعفة.”
التعليقات لهذا الفصل " 20"