تردّد الرئيس حتى اللحظة التي سبقت تكلّمه، ثمّ أخفض رأسه بعمق استجابةً لإلحاح جوشوا.
بعد ذلك، و قبل أن يفتح شفتيه المتيبّستين ليدخل في صلب الموضوع مباشرةً.
“قبل ذلك، ألا يمكننا الاستماع بينما نأكل هذا؟ سيبرد الطّعام. و القصّة طويلة جدًا.”
قاطع جوشوا الحديث.
جلسنا جميعًا حول مائدة طعامٍ مُكدّسة بالطّعام. ظلّ جوشوا يحدق في الرئيس حتى أثناء تناوله الطّعام، و كان المشهد غريبًا جدًا.
“تناول طعامكَ بشكلٍ طبيعي يا جوشوا.”
تجاهلني جوشوا.
بينما وضعتُ أنا أيضًا ملعقةً من السّلطة في فمي، بدا الرئيس و قد رتّب أفكاره قليلاً بفضل التّأخير، فبدأ يتحدّث دون تردّد و يلخّص الأمر بإيجاز.
“…في الواقع، خلال فترة الختم، ألقى شيطان سيرايل لعنةً قبل أن يُختم مرّةً أخرى مباشرةً. أصابت اللّعنة شخصًا واحدًا بشكلٍ عشوائي، و كنتُ أنا هذا الشّخص.”
‘يا له من حظّ سيئ للغاية…’.
“و هذه اللّعنة التي أصابتني، أنا ذو الحظّ السّيئ للغاية، هي…”
آه، هل سُمعت أفكاري الداخلية؟
“ركّزي قليلاً.”
“حاضر!”
ثمّ سألتُه و أنا أقطع حديثه بحذر:
“إنّها لعنة لم يتمكن كل من القديسة و البابا من فكّها حتّى ، أليس كذلك؟”
و لهذا السبب يتحدّث معي.
أومأ كلاهما برأسه بثقل.
تنهّد جوشوا و أجاب:
“البابا لا يعلم. حتّى لو خُتم شيطان سيرايل، فإنّ التّلوّث المنتشر في القارّة المتبقية لا يزول. و لهذا السّبب، بذل البابا جهدًا كبيرًا في تطهير المناطق الملوّثة قبل عامين، و تدهورت صحّته. لن يفيد إخباره بشيء…”
بالطّبع، لا داعي لزيادة تدهور صحّته بإخباره.
خاصّةً و أنّه لا يوجد مَنْ يضاهي القديسة في مجال التّطهير، لذلك قال إنّه لن يكون بمقدور البابا فعل أيّ شيء حتّى لو أخبراه.
“هذه اللّعنة لا يستطيع اكتشافها إلّا القوّة المقدّسة الخاصّة بالقديسة، لذا فإنّ رجال المعبد لن يعلموا بها أبدًا ما لم نخبرهم. و حتّى البابا لم يشعر باللّعنة، فما الفائدة من إخباره؟”
بعد انتهاء تنهيدة جوشوا، ساد صمتٌ قصير.
لمس الرئيس جبينه و كأنّه متردّد قليلاً عمّا إذا كان يجب أن يتكلّم أم لا، و لكن لحسن الحظّ، شرح لي الأمر.
“هذه اللّعنة هي… ‘قيود المكان’. إذا تجاوز الشّخص الحدود التي حدّدتها اللّعنة، فسيموت النّاس.”
“أيّ نوع من النّاس؟”
“عشوائيًا. قد تموت قرية بأكملها موتًا مفاجئًا دون سبب. و لهذا السّبب لا يمكنني مغادرة هذه الغرفة.”
قال إنّ نطاق حركته قد اقتصر على هذه الغرفة بسبب اللّعنة.
لم يتحوّل إلى شخص بائس بإرادته. و لم يحبس نفسه لأنّ القديسة رفضته أيضًا.
أن يكون سبب كلّ هذا هو شيطان سيرايل!
كانت هذه الحقيقة غير المتوقّعة مثيرةً للدهشة.
‘هذا هو السّبب الذي جعله متأكّدًا من أنّه لن يغادر أبدًا مدى الحياة…’.
رأيتُ وجه الرئيس و هو ينحني أكثر فأكثر بينما كان يتحدّث عن الوقت الذي أصابته فيه اللّعنة، فلم أستطع تحمّل ذلك، و وضعتُ قطعة لحم عند شفتيه.
فتح فمه بشكل انعكاسيّ.
استغللتُ الفرصة و وضعتها في فمه.
كم كان مفيدًا أنّني كنتُ أطعمه بهذه الطّريقة عندما كان لا يأكل جيّدًا.
و بينما كان الرئيس يمضغ الطّعام في فمه باجتهاد، تابع جوشوا الحديث نيابةً عنه.
“لا يمكنه حتّى أن يقتل نفسه. لأنّ تبعات هذه اللّعنة ستصل إلى هذه الإمبراطوريّة إذا فعل. لذا، فإنّ جير بمفرده…”
“جوشوا.”
قاطع الرئيس حديث جوشوا و كأنّه يطلب منه التّوقّف عن الكلام.
ضغط جوشوا شفتيه بإحكام و ذرف الدّموع.
ناولته كوبًا من الماء فشربه جيّدًا بسرعة.
إذًا، فالرئيس، الذي كان حظّـه سيئًا للغاية، أصابته لعنة ‘قيود المكان’. و إذا خطى خطوة واحدة خارج هذه الغرفة، فسيموت النّاس الأبرياء عشوائيًا.
و إذا حاول التّحرّر من هذه اللّعنة بقتل نفسه، فإنّ تبعات اللّعنة ستصل إلى هذه الإمبراطوريّة، و لن يتمكّن حتّى من الموت.
كانت هذه اللّعنة تتسبّب في إيذاء الآخرين و ليس هو شخصيًا.
لقد تحمّل الرئيس هذه اللّعنة بمفرده طوال العامين الماضيين. كان يقنع نفسه بأنّ الجميع سينجون إذا ضحّى بنفسه فقط.
كيف يمكن للمرء أن يتفهّم مشاعر الشّخص الذي يتحمّل هذا بمفرده دون إخبار أيّ أحد آخر؟
لابدّ أنّه عاش حياةً مؤلمةً لا يمكن حتّى تخيّلها.
ربّما كانت الحمّى و المرض أيضًا أحد أعراض اللّعنة.
لا، يجب أن تكون قوّة اللّعنة بالتّأكيد.
و كذلك المشاعر السّلبيّة التي تحدّث عنها جوشوا.
‘…الآن أفهم مشاعر الرئيس الذي كان يتحدّث دائمًا بكلمات متشائمة’.
لقد قرّر بالفعل أن يتخلّى عن كلّ شيء ويعيش محبوسًا. لأنّ ذلك سيجعله أقلّ بؤسًا. و كم كنتُ مصدر إزعاج له في خضمّ ذلك.
لم أكن أفعل شيئًا، و كنتُ بمثابة تعذيب له بتقديم الأمل.
تجاوزتُ الحدّ بلا مبالاة لأجعله يخرج دون أن أتفهّم حاله.
“أنا آسفة. لم أكن أعلم أنّ لديه ظروفًا كهذه.”
لا أستطيع تخيّل كم كان يكرهني لأنّني طلبتُ منه الخروج و هو لا يستطيع ذلك.
“كيف لكِ أن تعلمي و أنا لم أخبركِ بذلك.”
كنتُ ممتنّةً لتلك الكلمات الهادئة.
عندها، شددتُ عزمي.
“سأفعل كلّ ما في وسعي. هل تقول هذه الكلمات لأنّني امتلك شيئًا ما؟ ما الذي يجب أن أفعله؟”
حدّق الاثنان بي بعيون باردة، و لم أستطع تحمّل نظراتهما، فسألتُ بتردّد:
“هل يمكنه الخروج إذا كان بجواري فقط؟”
هزّ الرئيس رأسه نفيًا.
وقف جوشوا من مكانه حتى و هو يأكل و أخذ يقف أمام الباب يشرح بحماس باستخدام إيماءات جسده.
“إلى هنا كان نطاق جير. ولكن عندما تقفين في تلك النّهاية، ينتشر النّطاق إلى الخارج مثل الحبر.”
“و هل هو طبيعيّ داخل الغرفة؟”
عاد جوشوا مهرولًا نحو الطّاولة مرّة أخرى.
“يبدو أنّه ينتشر حول خطّ الحدود. لقد كنتُ في حيرةٍ من أمري في البداية، لكنّه مؤكّد.”
“كيف يمكن أن يحدث هذا؟”
ضرب جوشوا الطّاولة بقوّة كما لو أنّه لا يستطيع استيعاب الأمر، على الرّغم من أنّه كان يشرح بهدوء.
ارتفعت الأطباق المملوءة بالطّعام و اهتزّت مع الضّربة.
“هذا هو السّؤال! أشعر ببعض الطّاقة منكِ، لكن لا يمكنني تحديد ماهيّتها بوضوح. إنّها مثل قوّة تمّ إخفاؤها بإحكام، لكنّها تبرز من جسدكِ دون أن تتمكّن من الاختباء.”
“بينما أنا لا أشعر بأيّ شيء على الإطلاق.”
“يبدو أنّ قوّتكِ غير المعروفة تتأثّر بلعنة جير!”
“هل هذا يعني أنّه إذا عرفتُ بوضوح عن القوّة التي أمتلكها، فمن الممكن أن تُفكّ اللّعنة؟”
“هذا هو!”
وقف جوشوا فجأةً على الكرسي.
يا فتى، ألا تظنّ أن هذا خطير بعض الشّيء؟
لم يرني و أنا أشعر بالقلق، فأشار جوشوا بإصبعه السّبّابة نحوي و تحدّث بتباهٍ.
“مهمّتكِ المستقبليّة هي استخدام تلك القوّة لفكّ لعنة جير. و حتّى لو لم تستطيعي، فلتوسّعي النّطاق على الأقل!”
إذا حدث ذلك، فلن أتمكّن من البقاء بجانب الرئيس طوال الوقت. لأنّني يجب أن أبحث عن قوّتي.
“إذًا، هل يجب أن أبقى ملاصقةً للرئيس على مدار 24 ساعة؟”
عبس الرئيس و لم يقل شيئًا.
“عليكَ أن تتحمّل رؤيتي حتى.”
إذا كان الأمل الذي وجده الرئيس موجودًا فيّ أنا تحديدًا، فلن يكون هناك سبب للرّفض.
هذا بالإضافة إلى أنّهم يدفعون لي الكثير من المال.
“بما أنّ القديسة و ولي العهد كانا موجودين في ذلك الوقت أيضًا، فهل يعلمان كلاهما بهذه الحقيقة؟”
“نعم.”
“و هل الرئيس فقط هو مَنٔ تعرّض للّعنة من بين الثّلاثة؟”
أومأ برأسه.
هل تجنّباها لأنّها قديسة تحظى برعاية مقدسة، و ذلكَ الرّجل هو مَنٔ تحبّه تلك القديسة؟
هل يجب أن أقول أن الرئيس سيئ الحظّ حقًا…
***
لم تكن ‘قيود المكان’ لعنةً معروفة.
لحسن الحظّ، كان جوشوا يعرف عنها، و إلّا لكانت لعنةً خطيرةً كان يمكن أن تتسبّب في قتل العديد من الأشخاص دون قصد.
‘لا بدّ أنّ الشّيطان قد حاول جاهدًا’.
لم تكن نهايةً سعيدةً عادية فحسب. فالنّهاية سعيدة للبطل و البطلة، بينما البطل الثّانويّ يعاني إلى الأبد.
“آنسة تيتيا، استفيقي.”
هزّ السّيد بيلت كتفي بخفّة وهو يفتح باب برج السحر. عندها فقط خرجتُ من أفكاري و دخلتُ من الباب الذي فتحه.
كان الدّاخل عبارة عن مخزن فارغ.
شدّ السّيد بيلت الحبل المتّصل بجرسٍ موضوعٍ في مكانٍ غريبٍ ثلاث مرّات. و الشيء الغريب هو أنّه لم يصدر صوت جرس.
بعد فترة وجيزة، ظهر ساحر في حالة مزرية وهو يفتح حائطًا.
كان ساحرًا يبدو شابًا جدًا، لكنّه كان يمسك بعصاه و كأنّها شريان حياته بكلتا يديه، و اقترب بوضعيّة منحنية نصف انحناءة و كأنّه يفتقر إلى القوّة.
“تأكيد الهويّة… سأفعل.”
تفضل
ناول السّيد بيلت البطاقة المنقوش عليها شعار نقابة إكليبس للسّاحر الذي يستخدم أسلوب كلام غريبًا.
“آه، صحيح. لقد قيل لي إنّكما قادمان. نسيت.”
همستُ للسّيد بيلت و سألت:
“ألا يعرف وجه السّيد بيلت؟”
“يعرف، لكنّه لا يركّز بسبب عدم النّوم لمدّة شهر كامل.”
التعليقات لهذا الفصل " 19"