على الرّغم من أنّه قال أنها لا شيء، و أنّها لا تعنيه، إلّا أنّه لام نفسه في النّهاية.
كان قلقًا و متوتّرًا، فلم يستطع الجلوس طويلاً و نهض بسرعة.
“بالنّظر إلى طبيعتها، فليس من شأنها أن…”
“طبيعتها؟ طبيعة مَنْ؟”
اهتزّ كتف جيرفانت فجأة.
رفع بيلت حاجبيه و هو يرى ردّة الفعل تلك.
‘مرّ وقت طويل منذ أن رأيتُه يفزع هكذا.’
“لماذا أنتَ واقف؟”
لطالما اعتاد الجلوس في تلك الزّاوية لاستقباله…
نظر إليه و هو غارق في أفكاره لدرجة أنّه لم يسمع صوت دخوله، فطرأت في ذهن بيلت فكرة.
ابتسم ابتسامة ذات مغزى لم يرها جيرفانت.
‘هذا هو الأمر.’
“هاهاها.”
“توقّف عن الضّحك.”
“أيّها الرئيس، هل تبحث عن شيء ما؟”
“…لا.”
“حسنًا إذًا. وقّـع لي على هذا.”
“…..”
وقّع جيرفانت على التّقرير ببطء، و كأنّه لا يراه.
في العادة، كان يوقّع بسرعة و بخطّ مشوّه ثمّ يطرد بيلت.
تظاهر بيلت بعدم المعرفة و أخذ يتصرّف بدلال.
“هل أردتَ البقاء معي كلّ هذا الوقت؟”
“…أليس لديكَ أيّ شيء لتقوله لي؟”
“أنا أحبّـك.”
“…اللعنة XX.”
على الرّغم من أنّ جيرفانت ردّ بفظاعة، إلّا أنّ بيلت كاد يموت من الضّحك.
في الماضي، عندما كان يمزح، كان جيرفانت يتحدّث بفظاظة كهذه. بـدا و كأنّه عاد إلى ذلكَ الوقت.
كان الأمر مؤسفًا حقًا عندما كان يعيش كمريض منعزل لا يغادر زاوية الغرفة، حتّى شتائمه كانت خفيفة.
“أعطني إيّاه إذا انتهيت.”
عندما أراد بيلت استعادة التّقرير، أمسك به جيرفانت بإحكام و تردّد.
“لماذا؟”
“…تحدّث.”
“عن ماذا؟”
“…تحدّث، لن ألومكَ حتّى لو كانت قد تركت العمل.”
آه، هل يعتقد أنّها استقالت؟
كبت بيلت ضحكته بصعوبة.
في الحقيقة، لم يكن هناك سبب كبير لعدم إخباره.
كان يأمل أن يخرج بنفسه لفضوله.
و لكن بما أنّه لم تظهر عليه أيّ علامات على ذلك، فقد جاء اليوم ليخبره بأنّ تيتيا أخذت إجازة مرضيّة.
لكن ماذا في ذلك.
كان قلقًا جدًا، لكنّه لم يخرج.
‘هل هذا يعني أنّه ليس مستعدًا بعد للخروج و التّأكّد بنفسه؟’
على الرّغم من خيبة أمله، يمكن تكرار مثل هذا الموقف.
لو كان سيخرج و يتأكّد بنفسه، لكان قد فعل ذلك منذ فترةٍ طويلة.
قرّر بيلت أن يخبره ببساطة.
مَنٔ يدري، ربّما يذهب لزيارتها بنفسه إذا علم أنّها مريضة.
على الرّغم من أنّها في الغرفة المجاورة.
“إذا كنت تتحدّث عن الآنسة تيتيا، فهي لم تستقل.”
رفع جيرفانت وجهه فجأة ثمّ عاد و أخفضه.
“إذًا لماذا…”
“هل سبق أن جاءت الآنسة تيتيا إلى هنا ولم تكن بجانبك أيّها الرئيس؟”
“…..”
لم يحدث ذلك ولا مرّة واحدة.
منذ مجيئها، كانت معه كلّ يوم دون انقطاع.
“حتّى لو كانت تعيش بعيدًا عن أهلها، فهي نبيلة. كانت سيّدة تعيش حياة لم تتطلّب منها أيّ عمل شاقّ، لكنّها ظلّت بجانبكَ دون راحة، متطوّعة لفعل كلّ شيء بنفسها.”
“أيام العطلة…”
لم تكن لديها؟
ابتلع الكلمات في حلقه. لم يستطع نطقها.
كان يعرف السّبب.
“تطوّعت الآنسة تيتيا للاعتناء بك أيّها الرئيس، حتّى في أيّام عطلتها.”
“……”
“أنا لم أجبرها. يبدو أنّ الإرهاق المتراكم عليها أدّى إلى إصابتها بمرض شديد.”
حتّى عندما طُلب منها أن تستريح، كانت تيتيا توافق، و لكن في لحظة ما، كان يمكن رؤيتها تلعب في غرفة جيرفانت.
“إذا كنتَ فضوليًا، فاذهب و تفقّدها.”
“…..”
في تلك اللّحظة، ظهرت على وجه جيرفانت مشاعر لا توصف.
مدّ بيلت طرف إصبعه عندما رأى وجهه اليائس الذي بدا و كأنّه خليط من الإحباط والاستسلام.
هذا لم يكن جيّدًا.
“جير…”
“اخرج.”
حرّك بيلت شفتيه، و في النّهاية أخذ التّقرير و خرج.
‘كلّما سمع كلمة “اخرج”، يتفاعل بحساسية.’
لا بدّ أن شيئًا ما قد حدث عندما تمّ ختم شيطان “سيرايل”.
لا أعرف ما الذي يخفيه عني و عن داني.
‘سأكتشف الأمر. بالتّأكيد.’
لم يعد يريد رؤيته يعذّب نفسه و يحتفظ بكلّ شيء في داخله هكذا.
استدار بيلت ليذهب، لكنّه توقّف عند الغرفة المجاورة لغرفته.
طقطقة.
“آه…”
سُمع صوت أجشّ جدًا.
“أنا بيلت. هل يمكنني الدّخول؟”
“…بالطّبع.”
كان صوتها القادم من خلف الباب خافتًا جدًا لدرجة أنّه كان لا بدّ من إجهاد الأذن لسماعه، و كأنّ التّنفّس نفسه كان شاقًا عليها.
بمجرّد الحصول على الإذن، دخل بيلت.
كانت تيتيا مستلقية في حرارة الغرفة الخانقة، و كأنّها مدفونة في السّرير.
“هل أنتِ بخير؟”
“لا.”
“يبدو عليكِ ذلك.”
“ليس لديّ حتّى الطّاقة للجدال معكَ. لماذا أتيت؟”
“أعتقد أنّ الرئيس قلق جدًا.”
“بشأني؟ يا له من شرف…”
ابتسمت بخجل، فابتسم هو أيضًا.
تردّد للحظة ثمّ صمت.
في الحقيقة، كان يريد أن يطلب منها البقاء بجانب الرئيس إذا كانت قادرة على الحركة، لكنّها كانت تبدو مريضة جدًا.
لم يكن بيلت عديم الضّمير لدرجة أن يطلب من شخص مريض كهذا الذّهاب.
بدلاً من ذلك، اكتفى بإخبارها أنّ قلق جيرفانت عليها كان حقيقيًا، ممّا يعني أنّ كلّ جهودها لم تذهب سدىً، ثمّ نهض.
“اعتنِ بنفسكِ جيّدًا.”
“حسنًا.”
“لا تفكّري في الذّهاب إلى غرفة الرئيس بسبب كلامي. لم أخبركِ بذلك لكي تفعلي.”
“توقّف عن التّذمّر. أذني تؤلمني.”
أشارت تيتيا بيدها ليذهب.
قام بيلت بتحيتها و خرج وهو يفكر فيما إذا كان يجب أن يقابل جوشوا.
من الواضح أنّ جوشوا كان يعرف شيئًا ما، لكنّه لم يخبره أبدًا.
على الرّغم من أنّ الذّهاب قد لا يكون مجديًا، إلّا أنّه لم يستطع البقاء ساكنًا.
***
“هاها، هاهاها! كح كح كح!”
جهودي لم تذهب سدى!
في الماضي، لم يكن جيرفانت يهتمّ سواء ظهرتُ أم لم أظهر، و الآن هو قلق بشأني.
أنا فضوليّة بشأن وجهه القلق.
لقد حذّرني السّيّد بيلت مرارًا و تكرارًا من عدم التّحرّك، لكنّني لا أستمع إليه عادةً.
أخذتُ الدّواء الذي أعطاني إيّاه الطّبيب، و وضعتُ وسادة تحت ذراعي، و ذهبتُ أتأرجح في طريقي إلى غرفة الرئيس.
“أوهووهو.”
عندما فتحتُ الباب، لم يرفع جيرفانت رأسه حتّى.
غريب. قال إنّه قلق عليّ.
لقد فتحتُ الباب و دخلتُ، لكنّه لم يفكّر حتّى في النّظر إليّ.
“أيّها الرئيس.”
كان صوتي يبدو أجشّ جدًا حتّى بالنّسبة لي.
أردتُ أن أصفّي حلقي و أناديه مرّة أخرى، لكنّ ردّ فعل الزّعيم كان أسرع.
فتح عينيه على مصراعيها و نهض فجأة من مقعده و اقترب مني بسرعة.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً؛ فقد قطع المسافة بخطوات قليلة من ساقيه الطّويلتين.
“أنتِ، أنتِ…”
بطريقة ما، بدت زوايا عينيه رطبة.
“هذا ليس مرضًا معديًا. إنّها نزلة برد، لذلك لا داعي للقلق بشأن انتقال العدوى.”
عندما ترنّحتُ، سارع جيرفانت لإسنادي ثمّ ارتجف، لكنّه لم يترك يده التي تمسك بذراعي.
التعليقات لهذا الفصل " 17"