رأى جوشوا حركة جيرفانت عندما طلب منه الصمت، فشدّ على فمه و أخذ يهزّ رأسه بقوّة.
بعد أن لوّح بيديه للوداع، أغلق الباب بحذر و صمت أشدّ ممّا جاء به، ثمّ سارع مبتعدًا عن المكان.
كلّما ابتعد عن غرفة جيرفانت، امتلأ وجه جوشوا بالفرحة و السرور.
‘كان جير نائمًا!’
بعمق شديد!
‘و مرتاحًا!’
ولم يكتفِ بذلك، بل خشي استيقاظ تيتيا حتّى.
‘مثلما كان سابقًا…’
كان سعيدا لدرجة أنّه لم يعرف ماذا يفعل عندما رأى جيرفانت يهتمّ بالآخرين، على الرّغمِ من تظاهره بعكس ذلك، ممّا ذكّره بالأيام الخوالي.
‘كانت تيتيا هي الخيار الصحيح.’
عندها، تباطأت خطوات جوشوا المبتهج.
تغيّر تعبير وجهه على الفور ليصبح كئيبًا، و كاد أن ينفجر بالبكاء.
‘…ما دامت هذه اللّعنة مستمرّة، فلن يدوم هذا السّلام طويلاً.’
تلك اللّعنة التي تمنع جيرفانت من مغادرة تلك الغرفة.
‘كيف يجب أن أحلّها بحقّ الجحيم!’
لم تظهر أيّ طريقة على الإطلاق لفكّ اللّعنة التي وضعها شيطان “سيراييل”.
عضّ جوشوا على شفتيه و هو يلوم نفسه على عجزه.
‘هل يجب أن أذهب إلى عالم الشّياطين؟’
لكنّه لم يستطع اتّخاذ قرار متسرّع لأنّه قد لا يتمكّن من العودة مرّةً أخرى.
حتّى لو استطاع أن يجد طريقة، فإنّ احتمال عودته إلى هذا المكان ضئيل جدًا.
لا يمكن للشّياطين أن تأتي إلى عالم البشر بطرق عاديّة.
****
طقطقة.
اصطدمت يدي بيـد الرئيس اصطدامًا طفيفًا أثناء وضعي للأواني.
لم أكن أنا شخصًا سيفوّت هذا الأمر.
أحمّرتُ وجنتيّ بخجل متعمّد.
“آه…!”
“…توقّفي، حقًا.”
توسّل الرئيس بصدق، و لكن لم يكن بمقدوري أن أتوقّف عند هذا الحدّ.
“حسنًا”
أثناء إجابتي، ظللتُ أختلس النّظر إليه متظاهرةً بالخجل، و أصدرتُ صوتًا فرحًا، فنزع الرئيس نظّارته و مسح وجهه.
لقد بـدا شاحبًا فجأة على عكس ما كان عليه قبل قليل.
عندما مـدّ الرئيس يـده ليمسك بالكوب أمامه، تعمّدتُ أن أمدّ يدي إلى الكوب ذاته.
تلامست أيدينا مرّةً أخرى.
“أنـتِ…”
“أنا أشعر بالخجل!”
“…هاه، يكفي.”
كان يبدو و كأنّه لا يصدّق ما يحدث، شرب رشفة ماء و هو يتجنّب النّظر إليّ قدر الإمكان ثمّ وضع الكوب.
“إذا انتهيتِ من اللّعب، فاجلسي.”
“نعم! القائمة الرئيسيّة اليوم هي حساء هريس سميك مصنوع من الكمأة و البطاطس و المكوّنات الأخرى، و طبق سمك التّراوت المنقوع في النّبيذ، و غير ذلك.”
في الحقيقة، قال لي الطّاهي العديد من الأشياء الفاخرة، لكني لم أتذكّرها.
و لم أكن متأكدة حتّى ممّا قلته للتوّ.
“منذ متى و أنتِ تشرحين قائمة الطعام؟”
تناول رشفة من الحساء و نظر إليّ مطوّلاً. كانت عيناه الذهبيّتان تظهران الدهشة.
“هل أنـتِ مريضة؟”
“أنا؟ مستحيل.”
“تمامًا.”
“لماذا؟ هل يبدو وجهي باهتًا بعض الشّيء؟”
“يبدو أحمر قليلاً.”
“هذا لأنّي رأيتُ وجه الرئيس المتألّق…”
“لا تبالغي.”
أنا لا أبالغ. هذا حقيقي.
الرئيس وسيم جدًا، لدرجة لا يمكن التّعبير عنها بالكلمات.
وجهه شاحب و متعب بملامح مميزة، و قامته الطّويلة و جسده القوي لا تجعلان المرء يصدّق أنّه عاش حياة منعزل لمدّة عامين، و عضلات صدره التي تظهر من بين طيّات قميصه…
“…أتمنّى ألا يكون لعابكِ يسيل و أنتِ تنظرين إليّ.”
لا تتمنّى ذلك. لأنني أفعل ذلكَ حقا.
نظر إليّ الرئيس بغضب و هو يغلق قميصه المفتوح قليلاً، فهززتُ كتفيّ و تناولت ملعقة من الحساء، ثمّ تردّدت.
يبدو طعمه مريرا بعض الشيء…
لم يقـل الرئيس شيئًا.
كنتُ أعرف أن الرئيس يأكل كلّ شيء جيّدًا، لكنّه لن يتذوّق الطّعام إذا كان سيّئ المذاق.
‘هل هذا طعام لا يناسبني؟’
لكنّ جميع الأطعمة الأخرى كانت كذلك أيضًا.
هل أقول إنّ طعم فمي مرير؟
فجأة اختفت شهيّتي، و في النّهاية وضعت الملعقة جانبًا.
“لقد أكلتِ القليل في الصّباح أيضًا.”
“ليس لديّ شهيّة. لماذا يا ترى؟”
عادةً كنتُ آكل القليل عندما أعاني من مشاكل ماليّة.
“لأنّـكِ مريضة.”
“نادرًا ما كنت أمرض في طفولتي، فما بالكَ الآن بعد أن كبرتُ.”
“استدعي طبيبًا ليفحصكِ.”
“أعتقد أنّني سأشفى إذا نمت قليلاً…”
“استدعيه.”
أجاب الرئيس بضيق فتمتمتُ مازحةً متعمّدة:
“ماذا سيحدث لو تكلّمتَ بلطف أكثر…”
“نظفّي هذا.”
“آه، أنا أمزح! أكمل طعامكَ!”
“لا داعي. لذلك .اذهبي لرؤية الطّبيب. سأطلب من شخص آخر أن ينظّف هذا.”
بعد أن قال ذلك، سحب الرئيس الحبل و طردني إلى الخارج.
طُردتُ في النّهاية.
وصلتُ إلى غرفة الفحص، نظر إليّ الطّبيب من كلّ زاوية و قاس حرارتي ثمّ قال جملة واحدة:
“نبضكِ يبدو ضعيفًا بعض الشّيء.”
“نعم، كان كذلك منذ طفولتي. ربّما هذه طبيعتي.”
أومأ الطّبيب برأسه و كتب شيئًا ثمّ قال لي:
“لديكِ بعض أعراض نزلة البرد.”
“هل هي خطيرة؟”
“سوف تشعرين بالمرض الشّديد بعد خمس دقائق.”
يا له من تشخيص دقيق…!
ذهلتُ للحظة.
شعرتُ حقًا أنّني سأمرض بجدّ بعد خمس دقائق، فجأة أصبح جسمي ثقيلاً، و شعرتُ بخشونة في حلقي، و بدأتُ أسعل باستمرار.
إنّه طبيب بارع! هذا الرّجل طبيب بارع!
قدّم لي الدّواء و الماء، فتناولتهما.
“تراكم عليكِ الإرهاق و ظهر كلّه مرّة واحدة. يجب أن تستريحي جيّدًا لمدّة عشرة أيّام على الأقلّ. سأصف لكِ بعض الأدوية، فانتظري قليلاً.”
دخل إلى الصّيدليّة، فانتظرتُ على سرير الفحص.
كنتُ متأكّدة من أنّني كنتُ أنتظر، لكنّ ذاكرتي انقطعت فجأة.
يا إلهي، يا إلهي…
“كح، كح.”
هل أنا مريضة حقًا؟
ما الذي حدث؟
كان رأسي يؤلمني حتّى بعد أن فتحتُ عينيّ.
لقد فوجئتُ لأنّ هذه هي المرّة الأولى التي أشعر فيها بمرض كهذا.
‘هل عدتُ إلى غرفتي؟’
لكن لم أتذكّر أنّني دخلتُ الغرفة.
و كأنّ توقّعي كان صحيحًا، شممتُ رائحة الدّواء مع انسداد بسيط في الأنف.
هذا لا يزال مكتب الطّبيب، أو بالأحرى غرفة مستشفى.
“كح، أنا… هل الطّبيب موجود؟”
صوتي كان أجشّ تمامًا.
تساءلتُ عمّا إذا كان صوتي المتصدّع سيصل إلى الطّبيب، و لكن لحسن الحظّ، دخل الطّبيب.
“بما أنّكِ استيقظتِ، فتناولي الدّواء.”
“هل يمكنني تناوله على معدة فارغة؟”
“إذا أكلتِ شيئًا الآن، فسوف تتقيّئين كلّ شيء. هذا ما حدث قبل قليل.”
“…..”
“ليس لديكِ أيّ ذكرى. هذه ظاهرة مؤقّتة. من الطّبيعي أن تفقدي وعيكِ عندما ترتفع حرارتكِ هكذا.”
“هل سأكون بخير؟”
“لن تموتي. لقد نقلتُ الوضع إلى السّيّد بيلت، لذا من المرجّح أنّه أخبر الرئيس.”
بالتّأكيد، البقاء هنا هو الخيار الأفضل لأنّني لا أستطيع الذّهاب إلى الغرفة بهذه الحالة.
‘إذا أخبر السّيّد بيلت، فلن أحتاج إلى إخبار الرئيس بشكل منفصل.’
ألن يكون الرئيس سعيدًا بسببي الآن؟
كم هذا مزعج!
تناولتُ الدّواء و أنا أتذمّر و عدتُ للنّوم.
كان جسدي و رأسي ثقيلين، و بسبب مفعول الدّواء، غفوتُ على الفور و أنا أتأوّه.
***
قضم، قضم.
لم يُسمع في الغرفة المظلمة سوى صوت قضم جيرفانت لأظافره بوحشيّة.
قضم.
طقطقة.
في النّهاية، انكسر ظفره و تكوّنت قطرات من الدّم.
شدّ فكّه بقوّة و كأنّه لا يشعر بالألم.
“…أربعة أيّام.”
تيتيا ليست موجودة.
“لماذا…؟”
كانت مريضة حقًا في ذلك الوقت.
لهذا السّبب لا يمكنها المجيء. إنّها مريضة جدًا.
‘لماذا لا تخبريني أنّها في إجازة مرضيّة؟’
تزايد قلقه، و عضّ على شفتيه محاولاً تجاهله.
انتشر طعم الدّم اللاذع في فمه، لكنّه لم يستطع التّوقّف.
طقطقة.
رفع جيرفانت رأسه فجأة.
كانت إيلا هي مَنٔ فتحت الباب و دخلت.
“آه، ما هذا. لماذا أنتظر شخصًا و كأنّ…”
لم تستطع إيلا إكمال كلامها.
تراجعت تحت ضغط الرئيس الذي كان يحدّق بها بعيون حادّة و كأنّها ستقطعها، فصمتت.
كانت تعرف أفضل من أيّ شخص أنّه إذا استفزّته في مثل هذه الأوقات، فسيكون مصيرها الموت.
كانت إيلا تعرف كيف تقرأ الأجواء.
إذا عبثت معه الآن، فسوف تموت.
‘لماذا أصبح مزاجه سيّئًا هكذا؟’
لم يكن بهذا السّوء حتّى عندما تجاوزتُ حدودي و مزحتُ معه.
أغلقت إيلا الباب و خرجت بهدوء.
طرق.
بمجرّد أن أصبح وحيدًا مرّة أخرى، أخذ نفسًا عميقًا و زفره ليهدأ.
“مجرد خادمة اختفت، إنه لا شيء.”
ما هو الشّيء المهمّ في ذلك؟
مَنٔ هي لتكون مهمّة هكذا؟
على عكس كلماته، كانت ساقاه ترتجفان و حدقا عينيه ترتعشان بلا توقّف.
في النّهاية، لم يستطع التّحمّل، فنهض فجأة و ألصق أذنه بالحائط، لكن لم يسمع أيّ صوت.
من المستحيل أن يسمع شيئًا، لكنّه لم يستطع إبعاد أذنه عن الحائط.
‘لماذا… كانت تحوم حولي طوال الوقت، و الآن…’
عندها، تذكّر المحادثة التي دارت قبل أربعة أيّام فجأة.
‘أعتقد أنّ مجرّد النّوم قليلاً قد يشفي…’
‘استدعي الطبيب.’
‘ماذا سيحدث لو تكلّمتَ بلطف أكثر…’
‘نظفي هذا.’
تذكّر جيرفانت عندما كان يتكلّم بقسوة، بينما تيتيا كانت تهمهم و وجهها محمرّ بالحرارة.
التعليقات لهذا الفصل " 16"